كلمة الدكتور صباح الناصري (أستاذ العلوم السياسية في جامعة يورك)
المؤتمر الثالث للميثاق الوطني العراقي (1/10/2022)
إشكالية دستور 2005
أي رؤية مستقبلية لخلاص العراق التي تتضمن إستراتيجية وخارطة طريق للانتقال إلى الدولة العراقية يفترض أول شيء تشخيص المعضلة الأساسية (جوهر المشكلة) ما هو جوهر المشكلة؟.
اليوم نحتفل بالذكرى السنوية الثالثة لثورة تشرين التي حاولت وما زالت تحاول أن تتجاوز الطائفية والعرقية والمناطقية والعشائرية وتفرض الهوية الوطنية للشعب العراقي مرة أخرى.
لو نظرنا إلى عام 2005 من منظور اليوم لوجدنا كل المشاكل والفوضى هذه خلفها منطق معين، يعني سنة كاملة بعد الانتخابات الأخيرة وعدم تشكيل حكومة، السلاح المنفلت، احتكار السلطة من نفس الأحزاب منذ 2003 إلى اليوم، العنف، التغييب، التهجير، السرقات الفساد... القائمة طويلة ولكن كل هذه الظواهر يكمن ورائها منطق معين يوضح هذه الفوضى.
أذن ما هي المعضلة الأساسية؟
المعضلة الأساسية هو ما يسمى دستور 2005، ما يسمى بلاغيا دستور 2005 لأنه حقيقة بالمعنى الفلسفي والقانوني هو ليس بدستور إنما هو وثيقة محاصصة سياسية، الهدف من هذه الوثيقة في 2005 كان ليس إعادة بناء الدولة العراقية على أسس ديموقراطية ليس إعادة تشكيل الأمة العراقية على أساس مبدأ المواطنة ليس إعادة السيادة والوحدة الجغرافية السياسية للدولة العراقية، إنما كانت تهدف إلى ثلاثة أشياء، وهذه الثلاث أشياء نظرة سريعة خاطفة لما يسمى دستور 2005 توضح بكل تناقضاته وخلافاته النواقص التي بنصوصه توضح هذا السياق الذي كتبت به هذه الورقة في 2005:
أولا: الهدف من دستور 2005 إضفاء شرعية على الاحتلال وسحب الشرعية من المقاومة ضد المحتل.
ثانيا: إضفاء شرعية على ما تسمى أحزاب وهي ليست أحزاب بالمفهوم السياسي إنما عصبيات أو كيانات تسمي نفسها أحزاب ولكنها تفتقد بديهيات مفهوم الحزب السياسي بالمعنى العلمي أو الأكاديمي، إضفاء شرعية على الكيانات التي أتت خلف الدبابة الأمريكية وليس فوق الدبابة الأمريكية ومحتمية بالدبابة الأمريكية وإضفاء شرعية على سلطتها.
ثالثا: تمزيق لحمة الشعب العراقي وتفكيكه إلى هويات متناقضة مختلفة مناطقة عشائرية مذهبية دينية ... الخ
إذن المعضلة الأساسية في ورقة 2005 هي تغييب الدولة العراقية تغييب الشعب العراقي الذي يعد المرجعية الأولى والأخيرة للسلطات وتغييب روح الأمة العراقية بالمعنى الثقافي التأريخي الحضاري لهذه الأمة، وليس بالمعنى الطائفي أو العرقي أو المذهبي أو الديني، ونظرة خاطفة ستجدون أن هذه الوثيقة حتى في ديباجتها في مدخلها تجدون كل هذه التناقضات والصراعات على احتكار السلطة وكيف تفكك الشعب العراقي إلى وحدات أولية عصبيات أولية مذاهب وأديان ... الخ، وتنسى مبدأ المواطنة الذي هو حجر الزاوية إلى نظام ديموقراطي.
لن تجدوا مفردة المواطن أو المواطنة في وثيقة 2005، اذن هذه كانت منهجية وليست قضية تقنية أو اعتباطية، لماذا؟ لأنها تعكس مصالح خاصة متناقضة جاولت جهدها أن تقنن مصالحها الخاصة في هذه الوثيقة وتضفي عليها الشرعية لا أكثر.
اذن هذا ليس بدستور بمعناه الفلسفي والقانوني، الدستور إن لم يعكس روح هوية المنظومة الأخلاقية للامة لمفهومها التاريخي والحضاري هو ليس بدستور، فنحن بحاجة إلى دستور جديد.
نحن طرحنا مشروع اسميناه العقد الدستوري العراقي وليس العقد الاجتماعي لان العقد الاجتماعي بمفهومه السياسي حتى بالفكر السياسي في بداياته كان الهدف منه حقيقة هو احتكار العمق من قبل الدولة، والهدف منه كان في الفكر السياسي الغربي هو الأمن المجتمعي نتيجة لخلافات الحروب الأهلية والصراعات، ففكرة العقد الاجتماعي هو تقنين العنف وأن الدولة هي التي تمتلك شرعية احتكار واستخدام العنف لا أكثر.
ولكن العقد الاجتماعي يفترض وجود شعب وإلا كيف يتوافق أفراد الشعب بشكل عقلاني على إضفاء السيادة على سلطة مركزيتها تمثل الشعب هذا وارادته أن لم يكن هنالك شعب
وبما ان وثيقة 2005 والاحتلال الأمريكي الإيراني للعراق الهدف منه كان تغييب الدولة والشعب العراقي إلى اجل غير مسمى، اذن لابد من إعادة تشكيل الشعب.
فكرة العقد الدستوري العراقي هي وضع وثيقة أسمينها ما قبل دستورية وليس ما وق دستورية لأن لو كان هنالك دستور لتحدثنا عن ما فوق دستورية لإصلاح الدستور، ولكن بما أن لا يوجد دستور نتحدث عن وثيقة ما قبل دستورية تتضمن بعض المبادئ والأسس، هذه المبادئ والأسس النقص في الوثيقة هو منهجية القصد منه بأن تطرح على كل القوى الوطنية التي تمثل الشعب العراقي القوى الاجتماعية السياسية المدنية ..الخ. تناقش هذه الوثيقة والمبادئ وتضيف عليها مبادئ وأسس أخرى تنقحها تغيرها بحيث يساهم الشعب بأكمله في تشكيل هذه الوثيقة التي ستصبح مستقبلا جزء من الدستور العراقي، لأن وثيقة 2005 ليس فقط غيبت الدولة والشعب وإنما فرضت على الشعب العراقي شكل الدولة والنظام السياسي بدون فهم وخيار الشعب العراقي وغيبت الشعب العراقي وشرعيته.
إذن وثيقة ما قبل الدستور تطمح إلى إعطاء الفرصة إلى هذا الشعب أن يختار شكل نظامه السياسي وشكل الدولة التي تمثل هذا الشعب العراقي ومن خلال مساهمة ممثلين الشعب في صياغة الوثيقة يمارس أفراد الشعب حق المواطنة، لأن المواطنة ليست شيء فقط مكتوب بالدستور إنما هي ممارسة، ومن خلال الممارسة يشارك الشعب في كتابة هذه الوثيقة ويعبر عن إرادته وعن نفسه كي يصبح سلطة والمرجعية الأولى والأخيرة لكل السلطات.