الدكتور ثامر العلواني (عضو اللجنة العليا في الميثاق الوطني العراقي)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن مما لا شك فيه أن العراق وشعبَه يعيش منذ احتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003 بدوامة العنف والصراع والاقتتال والحروب الداخلية التي ألقت بالشعب العراقي في واد سحيق مملوء بالمشاكل والاضطرابات، التي لم تنته ولن تنتهي بوجود العملية السياسية (المشوهة العرجاء) التي أُسست على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية
ثم تحولت بمرور الوقت إلى أن تكون تحت سيطرة الميليشيات الطائفية الموالية لإيران، والتي تتحرك بتوجيهات وأوامر إيرانية، ولم يكن ذلك خافيًا على المقاومة العراقية ولا على الجهات المناهضة للاحتلال، إلا أن رؤية المقاومة العراقية في حينها وكذلك الجهات المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية: أن تسلك طريق مقاومة المحتل بالوسائل المشروعة والممكنة في حينها، وقد تفننت هذه القوى بطرق المقاومة، ونجحت في كشف الأكذوبة الأمريكية الكبرى حين ادعت: أنها جاءت لتحرر العراق وأنها أتت لجلب الديمقراطية.
والحقيقة أن الشعب العراقي لم يعرف من الديمقراطية الأمريكية إلا دعمها لسفّاكي الدماء، وحمايتها لمن يُزهق أرواح العراقيين، وأحداث 2006 و2007 وما بعدها وأحداث ما بعد 2014 الى يومنا شاهد حي على ما أقول/ حيث كانت فرق الموت الطائفية تقتحم أحياء العاصمة بغداد وتعتقل شبابها ثم تقتلهم وتلقيهم في شوارع العاصمة بغداد وغيرها، وكل ذلك كان يجري بحماية القوات الامريكية. وبذلك تكون أكذوبة الديموقراطية الأمريكية التي حاولت أمريكا وبكل إمكاناتها الترويج لها؛ قد انكشفت للعالم اجمع فأصبح العالم يعرف تماما الوضع المأساوي الذي يعيشه العراقيون؛ بسبب الاحتلال وعمليته السياسية المشوهة.
وفي ظل الظروف العصيبة التي يمر بها العراقُ وشعبُه كان لزاما على القوى والجبهات الوطنية التي تعمل على إنقاذ العراق من الضياع، والحريصة على أمن وسلامة الشعب العراقي ومستقبله: أن تبادر بمشروع وطني جامع؛ يقف بوجه آلات القتل والتدمير المتمثلة (بالحكومات الاستبدادية والأحزاب الطائفية والميليشيات الإرهابية، التي تسير في مشروع تدمير العراق وإنهائه بشكل كامل لجعله ساحة للمشروع الإيران التوسعي في المنطقة.
وكان لابد أن يتغير أسلوب المقاومة ومناهضة العملية السياسية بطرق جديدة؛ لأن المتغيرات التي حصلت في المنطقة تستوجب تغييرا في أسلوب المواجهة، فكان واجبُ القوى الوطنية أن تواكب الأحداث والتطورات لمواجهة مشروع تدمير العراق، وأن تعمل على مشروع يمكن من خلاله جمع المتفرقين والمناهضين للعملية السياسية للوقوف صفا واحدا أمام آلات القتل/ وأيضا لإفشال مشاريع الأعداء في الداخل والخارج الذين يستهدفون العراق وشعبَه بكل حقد وكراهية.
ولأجل ذلك انطلق الميثاق الوطني العراقي في مثل هذا اليوم من عام 2019 ليكون العَقد الوطني الذي من خلاله يمكن لكل الجهات الوطنية المناهضة للعملية السياسية الحالية أن تعمل في ظل هذا الميثاق؛ الذي يجمع القوى الوطنية في واجهة سياسية موحدة تأخذ على عاتقها توحيد الجهد الوطني، وتنمية خطواته، للتعاطي مع تطورات الأحداث في العراق والمنطقة وفق المبادئ العامة والثوابت الراسخة، خصوصا إذا علمنا أن هذه القوى التي انطلقت بالميثاق وأعلنته؛ لها تجاربُ ومواقفُ في مواجهة الاحتلال ومقاومته حتى أنها استطاعت في وقت مبكر أن تبعثر مشروع الاحتلال الأمريكي في المنطقة.
ولعل من أهم ما يميز الميثاق الوطني العراقي هو: القيام بأعمال وطنية واحدة، مع عدم إلغاء خصوصيات كل جهة أو حركة/، وهو أيضا لا يدعو إلى دمج المناهج الفكرية المتعددة بمنهج واحد، ولا يؤمن بالقيادة الفردية التي تكون طريقا لإقصاء الآخرين. لأن فكرت المنهاج في حقيقتها: هي أن يكون الميثاق منهاجُ عملٍ واقعيٍ ينطلق من قاعدة العمل بالمشتركات من أجل إحياء الهوية الوطنية.
وبذلك يمكن أن نقول إن القوى المنضوية تحت هذا الميثاق وصلت إلى حالة من النضوج السياسي المستند إلى تجارب سابقة، لأنه يعطي واقعا مشرقا بأن الوصول إلى صيغة للعمل والتنسيق المشترك ممكنة، في ظل وجود الوعي والمسؤولية عند القوى المناهضة للاحتلال مع حفظ استحقاقات كل مرحلة من مراحل المقاومة.
وقد أثبت الميثاق وجوده على الساحة السياسية من خلال عدة نشاطات ولعل من أهمها الوقوف مع متظاهري ثورة تشرين ودعمهم وكشف الجرائم والانتهاكات التي ترتكب بحقهم من أجل كبح جماح المجرمين والمفسدين.
فضلا عن رؤيته الواضحة في طرح حلول للقضية العراقية، وحلول لمشاكل المواطن العراقي الذي يعيش حالة من البؤس والضياع التي لم ير لها مثيلا في تاريخه الحديث.
ولذلك فإن الميثاق الوطني العراقي راهن ويراهن على أن الشعوب الحية ومنها الشعب العراقي قادرٌ على إفراز قيادات على مستوى عال من المسؤولية الوطنية لتحْمِلَ على عاتقها واجب الخلاص.
ولا شك إن الظروف الصعبة التي يمر بها العراق والتحديات التي تواجه القوى الوطنية والميثاق الوطني كبيرة إلا أن أعضاء الميثاق يعون تمام هذا الأمر؛ ولذلك لا يُحبَطون من رياح الإفشال العاتية، أو كوامن الضعف غير البادية للعيان للوهلة الأولى؛
لأن تجربة الميثاق الوطني العراقي تكاد تكون تجربة فريدة في ظرفها وتوقيتها وخصوصية الحالة العراقية، ولذلك هناك إصرارٌ من القائمين على الميثاق على شق طريقهم رغم الصعاب التي يواجهونها.
لأننا نعلم أن الإصرار هو من أُولى نقاط الإحساس بالقدرة على تجاوز هذه المرحلة. خصوصا أن أعضاء الميثاق لديهم تصور واضح ومراجعة شاملة للماضي والحاضر، دَرسوا من خلالها نقاط التوهج من أجل استثمارها، ونقاط الخفوت لأخذ العبرة والدروس منها، من أجل رسم أفقٍ جديدٍ يُبّشر بمستقبل زاهر.
وخصوصا أن الميثاق الوطني يعلم ويؤمن بأن الشعب العراقي أصبح اليوم، يعي تماما مسؤوليات المرحلة، ويعي تماما استمرار مخاطر العملية السياسية؛ ولذلك فواجب القوى المناهضة: العمل على توسيع دائرة الوعي الشعبي ووضع خطة عمل لهذه المرحلة؛ لإدارة الصراع بشكل جماعي وتنظيم العمل وفق فن تبادل الأدوار لإنقاذ العراق.
وختامًا ندعو العراقيين الأصلاء للتفاعل مع الميثاق والتواصل مع إدارته لغرض توسيع قاعدته ودَفعه إلى الأمام لكي يكون بيتًا للوطنيين الأحرار. وفق الرؤية الوطنية الثابتة التي تصنع الهوية العراقية الموحدة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.