كلمة الأستاذ مكي النزال (عضو اللجنة العليا للميثاق الوطني العراق) في المؤتمر الثالث للميثاق الوطني العراقي (1-10-2022)
بعنوان: الاقتصاد العراقي بين الانهيار وسوء الإدارة
مر الاقتصاد العراقي بمراحل انهيار متعددة قادتها حكومات الاحتلال المتعاقبة التي دمرت الصناعة والزراعة اللتان تعدان عماد الاقتصاد وأساس نهضته, فما برحت حتى واصلت تدمير بقية القطاعات الاقتصادية الحيوية في البلد، وفي مقدمتها القطاع الخاص، الذي يعتبر الاقتصاد الرديف للعراق الذي قضت عليه حكومات الاحتلال بشكل كامل، حتى أضحى العراق أسيرا اقتصاديا، تتحكم فيه إيران وتعتاش على نكباته الاقتصادية المتواترة، التي تفاقمت مع ارتفاع حدة التضخم وزيادة المخاوف من حدوث الركود الاقتصادي، الذي ينعكس سلبا على جميع دول العالم, لكن الدول الريعية والعراق في مقدمتها، ستكون الأكثر تضررا لعدم القدرة على دفع رواتب الموظفين، التي أصبحت هي المحرك الاقتصادي لحياة العراقيين.
وسأبين أبرز المحاور الاقتصادية التي تم تدميرها لصالح الدول الإقليمية وفي مقدمتها إيران هي:
1- إيقاف متعمد لأكثر من 15 ألف مصنع عراقي عن العمل، وهذا ساهم في تعطيل أهم الروافد الداعمة للاقتصاد العراقي, إذ كان يمكن أن يوفر هذا الرافد الصناعي فرص عمل كبيرة تخفف من نسبة البطالة المرتفعة في العراق، ثم جرى بعد ذلك تدمير بعضها بشكل كلي أو جزئي على يد الأحزاب والميليشيات التي سرقة مكونات هذه المصانع ونقلت بعضها إلى إيران، ولعل أبرز شاهد على ذلك (مصفى نفط بيجي) الذي تم تدميره بشكل ممنهج وسرقته ونقله لإيران، وبذلك أصبحت مساهمة القطاع الصناعي تقتصر على النفط فقط.
2_ إهدار الثروات الطبيعية وعدم استثمارها في تحرك العجلة الاقتصادية؛ فحرق الغاز العراقي مستمر على الرغم من أن العراق يستورده من إيران؛ وهذا ولّد خسائر فادحة لا تقدر بثمن, فضلا عن سرقة بعضها وتهريبها المستمر إلى إيران بالتنسيق مع الميليشيات والمسؤولين الذين يتنافسون على سرقة ثروات العراقيين.
3- التدمير الممنهج للزراعة العراقية مما تسبب في تصحر الأراضي الزراعية؛ إذ يخسر العراق سنويا نحو مائة ألف دوم زراعي؛ بسبب جفاف الأنهار وعدم دعم الفلاح العراقي, فضلا عن فتح استيراد الخضار والفواكه من إيران خلال فترة وقت الحصاد؛ مما تسبب في إيقاع خسائر فادحة للفلاحين وحرمان الاقتصاد العراقي من أكثر من مليار دولار كان يمكن أن تدخل خزينة الدولة؛ لو جرى استغلال المساحات الزراعية بالشكل الأمثل ودعم الفلاحين.
4- تدمير أجزاء كبيرة من القطاع العام الذي كان يضم آلاف المشاريع الصناعية وتدميره بشكل ممنهج وتصفيته لصالح أحزاب السلطة وميليشياتها، وهو ما تسبب بحرمان آلاف الوظائف للعراقيين، فضلًا عن حرمانهم من ملايين الدولارات التي تدخل خزينة الدولة.
5- احتكار القطاع المصرفي في العراق الخاص منه على وجه التحديد لصالح الميليشيات والأحزاب وأنظمة العوائل الفاعلة في كواليس السياسة، وهو ما جعل القطاع المصرفي الخاص عبارة عن دكاكين تمارس عمليات غسيل الأموال لصالح جهات سياسية وإيرانية, إذ يوجد في العراق حاليا 72 مصرفا خاصا جميعها تعمل تحت غطاء حزبي وميليشياوي، فضلا عن وجود 20 طلبا لتأسيس مصارف جديدة، وهو ما يكشف حقيقة هذه المصارف التي عطلت مجالات استثمارية وصناعية، فضلا عن عملها بمخطط بونزي (Ponzi Scheme) أي عمليات النصب الممنهج التي ستساهم في إفلاس القطاع المصرفي العراقي بحلول عام 2025 إذا استمر الحال على ما هو عليه.
6- تدمير الاقتصاد العراقي من خلال مزاد العملة الذي يقوده البنك المركزي العراقي، الذي يتسبب بخسائر كبيرة للعراق, إذ يحتكر مزاد العملة على مجموعة مصارف خاصة التابعة للحرس الثوري الإيراني تقوم بتهريب الدولار إلى إيران ولبنان ودول أخرى, فما بين (18_22 سبتمبر) باع البنك المركزي ما يقارب من مليار دولار في مزاد العملة وهو رقم مهول، جرى تهريب الجزء الأكبر منه إلى الخارج؛ وهذا سبب خسائر مالية كبيرة ومتراكمة على العراق, فضلا عن وضع العراق على القائمة السوداء لعمليات غسيل الأموال.
7- انتشار البطالة بسبب إيقاف عجلة الصناعة وتدمير الزراعة وعدم إقامة مشاريع استثمارية يمكنها أن توفر آلاف فرص العمل، خصوصا أن العراق فيه أكثر من 15 مليون عاطل عن العمل بحسب إحصائية لجنة العمل والشؤون الاجتماعية النيابية لعام 2021, وهو ما تسبب بارتفاع نسبة الفقر في المجتمع العراق التي تجاوزت ال 40% من الشعب العراق الذي يعاني الفقر والحرمان جراء تدمير الاقتصاد العراقي.
8- عدم استغلال الوفرة المالية من ارتفاع أسعار النفط التي كانت تعد فرصة لانتشال الاقتصاد العراقي، ودخوله مرحلة الانتعاش, إلا أن سرقة هذه الأموال من خلال إقرار قانون الأمن والغذائي الطارئ، زاد من الأمر سوءا فلم يستفد الشعب العراقي من ارتفاع أسعار النفط, خصوصا أن هذا القانون أضاع أكثر من 17 مليار دولار لصالح الأحزاب والميليشيات.
9- الانهيار شبه التام للأمن الغذائي في العراق؛ وذلك بسبب تدمير الزراعة وجفاف الأنهار وانتشار التصحر، وهو ما ينذر بدخول العراق في دوامة المجاعة في غضون السنوات القليلة القادمة، مع تفاقم الصرعات الجيوسياسية التي تنعكس سلبا على العالم، فضلا عن دخول الركود الاقتصادي حيز الواقع الذي سيزيد من واقع الدول الريعية وإدخالها في نفق المجاعة والاقتتال على الغذاء.
10_ دخول العراق في مرحلة الخطر في ظل تراجع أسعار النفط عالميا، لأن العراق يحتاج إلا أن يكون سعر البرميل هو 80 دولار، حتى يستطيع أن يوفر الاحتياجات اللازمة من الرواتب والنفقات العامة، علما أن أسعار النفط ستأخذ منحنى التراجع مع ارتفاع أسعار الفائدة ودخول الركود الاقتصادي حيز الواقع.
11- انتشار الفساد تحت غطاء الحكومة والميليشيات الذي تسبب بتهريب 350 مليار دولار الى الخارج على مدى عقدين من الزمن تقريبا، فضلا عن الأموال في الداخل التي لم تحصى حتى الان, ولعل مثالا واحدا يكفي لبيان حجم نهب ثروات العراق، فقد تم الكشف عن اختلاس أكثر من ترليون دينار عراقي من حساب هيئة الجمارك والضريبة جرى التكتم عليها, وإهدار وزارة الصحة لأكثر من 24 مليون دولار لشراء قناع وجه فائض عن الحاجة.
الاقتصاد الوطني العراقي جرى تدميره لصالح الاقتصاد الأسود (Black Economy) الذي تقوده الميليشيات والأحزاب وترعاه حكومة الاحتلال ويقوم هذا الاقتصاد على تجارة الممنوعات والتجارة خارج نطاق الدولة مما يسبب بانهيار الاقتصاد الوطني بشكل تام وانتعاش ممالك الفاسدين القائمة على الدم والتهريب المتنوعة للمواد الداخلة أو الخارجة الذي ولّد عدم الاستقرار السياسي والأمني للبلد، فضلا عن تدمير المنظومة الاقتصادية للعراق وانتشار ممالك وبارونات الأحزاب التي تتلاعب بالمال والسلاح وتستخدم عدد من القطاعات داخل العراق لغسيل أموال الاقتصاد الأسود وإلباسها ثوب الشرعية.