بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)
في ظل التقلبات السعرية لأسعار النفط عالمياً والسعي لإيجاد بدائل للطاقة أصبح الاعتماد على النفط انتحارا اقتصاديا بعدما ارتفعت حدة التنافس بين المنتجين الذين يبيعون النفط بأسعار تنافسية خصوصاً روسيا التي وفرت النفط بكميات كبيرة لأكبر مستهلك للنفط عالمياً الصين بسعر تنافسي منخفض, فضلًا عن الصراعات الكبيرة الاقتصادية والسياسية التي أثرت سلباً على أسعار النفط مما جعل الدول الريعية وفي مقدمتها العراق الذي يعتمد على النفط كمصدر تمويل للموازنة العامة بنسبة 95% والذي أوقع العراق بمشكلات كبيرة بعد تدمير القطاع الصناعي والقطاع الزراعي وتهالك القطاع الخاص, فقد مُني العراق بخسائر كبيرة في فترة كورونا التي شهدت أسعار النفط فيها تراجع هائل جداً تسبب بخسائر مرعبة للمنتجين.
ومع بداية عام 2023 حققت الايرادات النفطية العراقية خسائر كبيرة جراء تراجع أسعار النفط عالمياً والذي انعكس سلباً على العراق مخلفاً خسائر ليست بالقليلة في ظل تقلبات أسعار النفط وسط ترجيحات بتراجعها أكثر, فضلًا عن توقف تصدير النفط من كردستان العراق وكركوك منذ أكثر من ثلاثة أشهر دون التوصل لحلول مع الجانب التركي بعد قرار محكمة غرفة تجارة باريس الذي أوقف تصدير نفط كردستان العراق خارج نطاق حكومة المركز مع فرض غرامة على الجانب التركي وما زال الصراع دائرا دون التوصل إلى حلول؛ مما يفاقم الخسائر في الواردات النفطية العراقية, كما أن اتفاق أوبك بلاس الذي خفض إنتاج النفط لدفع الأسعار نحو الصعود ولم يحقق المستوى المطلوب وهو سبب آخر في تراجع واردات العراق النفطية.
وبالمقارنة بين واردات النفط العراقية لأول أربعة أشهر من العام 2022 مع أول أربعة أشهر من عام 2023 نجد انخفاضا واضحا وكبيرا, فقد بلغت واردات النفط العراقية لشهر كانون الثاني 2022 (8,027 مليار دولار) بينما في نفس الشهر لعام 2023 كانت (7,690 مليار دولار), في شهر شباط 2022 بلغت واردات النفط العراقية (8 مليار ونصف) عند مقارنتها مع نفس الشهر لعام 2023 نجد انخفاض كبير اذ بلغت (7,081 مليار دولار), وفي شهر اذار لعام 2022 كان قد حقق العراق واردات نفطية بلغت (11,07 مليار دولار) وبالمقارنة مع واردات النفط لنفس الشهر لعام 2023 نجد ان الواردات النفطية العراقية بلغت (7,062 مليار دولار), أما في شهر نيسان 2022 بلغت الواردات النفطية (10,55 مليار دولار) وعند مقارنتها مع الواردات النفطية المتحققة لنفس الشهر من عام 2023 بلغت (7,796 مليار دولار), وقد تكون المقارنة غير منصفة من وجهة نظر بعض القراء بسبب تقلبات السعر ولكنها تنذر بخطر كبير مفاده أن الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للتمويل يعد انتحارا اقتصاديا وتدميرا للوطن والشعب كون أسعار النفط غير آمنة وتتأثر بشكل كبير في الحروب والكوارث الطبيعية والتصريحات الإعلامية والأوبئة ولنا في وباء كورونا خير دليل.
كما أن واردات النفط العراقية تتعرض لاستنزاف خطير جداً عن طريق نافذة بيع العملة في البنك المركزي العراقي والذي يمول النافذة من واردات النفط الموجودة في حساب العراق في بنك جي بي مورجان في الولايات المتحدة الأمريكية, ولو قارنا واردات النفط الشهرية مع المبيعات الشهرية للدولار في نافذة بيع العملة لأول أربعة أشهر للعام الحالي لوجدنا استنزافا خطيرا يتطلب أن نقف عنده بشكل جدي كونه ينذر بكارثة سيكون لها وقعا خطيرا حالياً ومستقبلاً, ففي شهر كانون الثاني بلغت الواردات النفطية العراقية (7,690 مليار دولار) في وقت باع البنك المركزي (2,026,825,748 مليار دولار) رغم أن العراق لا يحتاج لهذا الكم الهائل من مبيعات الدولار في وقت كان فيه سعر الصرف الموازي تجاوز 1600 دينار لكل دولار, أما في شهر شباط بلغت واردات النفط العراقية (7,081 مليار دولار) وقد باع البنك المركزي عبر نافذة بيع العملة (2,532,357,891 مليار دولار) في زيادة كبيرة عن مبيعات الشهر الماضي.
أما في شهر آذار بلغت الواردات النفطية العراقية (7,062 مليار دولار) وسط انخفاض في الواردات عن الشهر الذي سبقه فيما باع البنك المركزي (3,906,380,890 مليار دولار) في زيادة كبيرة جداً في مبيعات الدولار عن الشهر الذي سبقه, أما في شهر نيسان بلغت واردات النفط العراقية (7,796 مليار دولار) مع زيادة مصاحبة في مبيعات البنك المركزي من الدولار بلغت لنفس الشهر (3,794,025,698 مليار دولار) وهو ما يمثل استنزافا خطيرا للواردات النفطية العراقية عبر نافذة بيع العملة التي يخسر العراق سنوياً بسبب الفرق بين سعر الصرف الحقيقي وسعر الصرف الموازي أكثر من (6 مليار دولار) لسد الفجوة بين السعرين.
أسعار النفط تشهد ضغوطاً كبيرة جداً جراء عوامل عديد ذكرنا في مستهل حديثنا جزءا منها ويضاف لها عامل ضاغط كبير هو النفط الروسي منخفض التكلفة الذي يباع لأكبر مستورد في العالم وهي الصين التي تشتري بنهم النفط الروسي, كما أن التفاوض الأمريكي الإيراني حول الملف النووي الإيراني والذي وصل لمراحل متقدمة فلو تحقق هذا الاتفاق سوف ترفع العقوبات عن النفط الإيراني مما يعني انخفاضا حادا في أسعار النفط عالمياً أكثر من الآن وهو ما سيؤدي إلى تأزيم الوضع في الدول الريعية وعلى رأسها العراق الذي أقر البرلمان موازنة على افتراض سعر برميل النفط (70 دولارا) وعجز كبير يبلغ (63 تريليون و275 مليار دينار)
والسؤال هنا ماذا لو انخفض سعر برميل النفط أكثر من الآن كيف سيكون وضع العراق؟ وماهي استعدادات الحكومة لمثل هذه الحالة في ظل تبديد واردات النفط بنفقات تشغيلية وفقرات لا يعرف أبواب صرفها؟ وكيف سيعالج البنك المركزي العراقي تبديد واردات النفط في نافذة بيع العملة والخسائر الناجمة عنه جراء عدم قدرته على ضبط سعر الصرف؟!