الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مهرجانات الفساد: انتخابات مجالس النهب

بقلم| أ.د. صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)

ما يصفعك على وجهك في مهزلة المشهد الانتخابي المعتاد في ظل احتلال إيراني أمريكي مستدام هو انسلاخ الواقع الانتخابي الافتراضي الاحتفالي عن الواقع اليومي المادي المشوه، واقع مثالي ديموقراطي منفصل تمامًا عن واقع مزري استبدادي. الواقع المادي المزري غدى مجرد مادة خام للواقع الانتخابي الافتراضي: عوز وحاجة الناس إلى مقومات العيش الكريم وبديهيات سد الحاجات الخدماتية من تعبيد طرق وماء صالح للشرب والكهرباء و الأدوية الخ أضحت سلع ابتزاز للناخب على أيادي مرشحين بعقل حسابي انتهازي يوظف أصوات الناخبين المشتراة ببخس التراب في يوم واحد كورقة مفاوضات للحصول على مناصب وعقود استثمارية لأربع سنوات.

فساد المرشح وإفساد الناخب تكمن في إفساد أخلاق الناس، رشوة الناس لانتخابهم، وتباعا يجعلون الناس متواطئين في انحطاط المنظومة. وعود فتح أبواب التوظيف في مؤسسات الدولة ليس فقط تقنين لبطالة مقنعة، ليس فقط استنزاف لموارد الدولة بدون إنتاجية، وإنما هي محاولة لابتزاز الشعب وشراء الذمم من أجل تحشيدها لانتخابات حلقة إضافية في الفساد، مجالس المحافظات، و من ثم تنكشف هذه الوعود الفارغة على أنها إحدى البدع السياسية لمنظومة الكذب.

يلجئون إلى مثل هكذا ابتزاز وظيفي ليس فقط لأنهم دمروا الاقتصاد بمنهجية وكل إمكانيات التوظيف للعاطلين عن العمل حيث الكثير من هؤلاء يلجأ إلى الفصائل والأجهزة الأمنية للتوظيف لغياب بدائل أخرى تتناسب مع مؤهلاته وتعليمه، إنما أيضًا وهو الأهم لأنهم يدركون المقاطعة المبدئية لأغلبية الشعب لأحزابهم ومرشحيهم وإن دفعوا بوجوه شبابية وأحزاب جديدة عبارة عن واجهات سياسية ودكاكين خاصة بالأحزاب للتحايل على الناخبين.

هذه الأغلبية تتوزع على قوى تتراوح بين المقاطعة، قرار واعي بعدم المشاركة؛ الممانعة، قرار واعٍ لمنع تنظيم الانتخابات وتدمير لافتات وشعارات وبوسترات المرشحين؛ والرفض، عدم الاعتراف بالبنية القانونية المؤسساتية للمحاصصة وانتخاباتها الفلكلورية.

بالمقابل هناك الأقلية المشاركة التي تتراوح بين فئات تم توظيفها حزبيا لابتزازها انتخابيا - إجبار منتسبين القوات الأمنية بالمشاركة وتهديدهم بقطع الراتب أو الفصل من الخدمة مثال على ذلك، لكن هذا لم يمنع البعض من المنتسبين من المشاركة أو إتلاف ورقة الاقتراع -، فئات تم شراء ذممها بحفنة دنانير أو سلع تافهة، واتباع أحزاب المحاصصة المنتفعين من هيمنة هذه الأحزاب والمنتمين إلى شبكات الفساد المحاصصاتية.

و مع ذلك أي بالرغم من سيطرة الأحزاب المحاصصاتية الفاسدة على المال العام والمؤسسات والسلطات والسلاح والدعم الإيراني الأمريكي، لا تثق هذه الأحزاب باختيارات الناخبين و تتوقع الخسارة المدوية إدراكا منها رفض الشعب لوجودها بأكمله، تبعا:

يتم حسم النتائج وتوزيع المناصب مقدما، خسرت الأحزاب الفاسدة أم فازت فهي تحكم، وإن استوجب ذلك الانقلاب على النتائج والتزوير واستخدام العنف والترهيب والابتزاز.

هذا الخوف غدى مضاعف بعد مقاطعة التيار الصدري التي أضافت زخما لمعارضة الشارع وللمقاطعة الشعبية من ناحية. ومن ناحية أخرى وجود إمكانية الطعن قضائيا بالانتخابات وبقانون ومفوضية وتشريعات فاقدة للشرعية.

أهداف الإطار ووسائله اللاشرعية من تغيير تشكيلة المفوضية وقانونها والرجوع الى قانون الانتخاب السابق لتشرين، سانت ليغو المعدل بحسب مقاييس الأحزاب، وعدم تفعيل قانون الأحزاب بما يخص التمويل والسلاح والدعم الخارجي الخ، يهدف إلى احتكار مراكز السلطة والقرار ليس فقط على المستوى الاتحادي، إنما أيضا على مستويات أدنى للتحكم بالمال والمؤسسات والمشاريع لضمان احتكار السلطة وتشكيل تحالفات للانتخابات النيابية القادمة. فضلا عن ذلك سيستخدم الإطار مجالس المحافظات لإقصاء الصدريين بعد إقصائهم من السلطة التشريعية والتنفيذية.

الملاحظ في كل دورة انتخابية تزداد الانشقاقات والتصدعات في بنية أحزاب المحاصصة وتحالفاتها مما يؤدي إلى تشظ عشوائي في المشهد السياسي ينذر بصراعات وانقلابات في داخل الكتل وفيما بينها، صراعات تستزف موارد الدولة و تربك الحالة السياسية في ظل مشهد غير مستقر لأسباب إقليمية ودولية.

هذا بدوره يؤدي إلى ازدياد هوة عدم ثقة الشارع بالانتخابات وبنتائجها وطريقة فرز وعد الأصوات المشوبة باتهامات التزوير وفبركة نسبة المشاركة بحسب رغبة الأحزاب للإيحاء للطرف الدولي بشرعية الانتخابات، فبركة "بواقعية" الأربعين بالمائة فما فوق.

الظاهرة الأكثر هزلية هي مشاركة بعض التشرينيين في انتخابات مجالس محافظات بحسب تشريعات انتخابية وقوانينها التي انتفض التشرينيون عليها و تم إلغاؤها في ٢٠١٩، أي مشاركة بحسب ترتيبات ما قبل تشرين ٢٠١٩؟

انتخابات تحت الاحتلال و غياب القرار السيادي؟

الإصلاح بمعنى التغيير التدريجي والممنهج، يهدف إلى معالجة بعض المشاكل والأخطاء البنيوية والمرحلية دون المساس بأسس النظام، وإحدى آليات الإصلاح والتغيير التدريجي وتداول السلطة سلميا كتعبير عن إرادة الشعب هي الانتخابات. هل يمكن إصلاح المنظومة الفاسدة عن طريق انتخابات مشبوهة دون إصلاح النظام؟ بالتأكيد لا.

الإصلاح له ارتباط وثيق بمفاهيم المصلحة والمفسدة، ذلك أن الغاية من الإصلاح هي السعي نحو تثبيت المصالح عامة ودرء المفاسد عامة بما يعود بالنفع على المجتمع، هل تستطيع منظومة فاسدة القضاء على الفساد؟ بالتأكيد لا.

المصلحة العامة تشترط أيضا أن تكون الدولة مجسدة للشخصية العامة للمجتمع وهويته وذاكرته التأريخية، هل هذا ممكن في ظل منظومة محاصصة طائفية عرقية؟ لا.

ما الذي قضى على الوازع الوطني واللحمة الاجتماعية؟ منظومة الفساد ذاتها فكيف لها لمّ الشمل إذا كان وجودها يحتم سياسة فرق تسد الاستعمارية؟

بالتعريف الإصلاح هو نقيض الفساد، ولكي يتجسد سياسيا لا بد من إرادة حقيقية وفعل سياسي، قانوني و مؤسساتي، يترجم برنامج الإصلاح إلى واقع ملموس: نزاهة، شفافية، متابعة، حساب وعقوبات، تطبيق القانون بدون استثناء، ضمان الحريات العامة والآراء الحرة، أي عدم احتكار السلطة من خلال تعزيز مشاركة المواطنين في صنع القرار من أجل الوصول إلى سياسات عقلانية تخدم الصالح العام.

الإصلاح يشترط أيضا على مستوى المفهوم نبذ عقلية العصمة من الخطأ التي تختبئ خلف جدران المذهب والعرق والدين وإمكانية نقد الذات والاعتراف بالأخطاء ليس فقط من أجل تصحيحها بل أيضا في الخاصية الأخلاقية في تحمل المسؤولية و الاستقالة إذا حتم الأمر.

أخيرا الإصلاح يفترض وجود رؤية حقيقة للتغيير ويفترض استقلالية القرار ويتناقض مع التبعية وتمرير أجندات خارجية على حساب المصلحة العامة.

الإصلاح يعني في ظل ما سبق ذكره هو أن المقاطعة هي إحدى الأسلحة بيد الشعب لتصفير العملية السياسية من أجل إعادة بنائها على أسس وطنية!

مقالات متعلقة