الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مقال خالص| الميثاق.. وشيء من التأريخ في ميدان العمل الوطني

الميثاق.. وشيء من التأريخ في ميدان العمل الوطني

بقلم: جهاد بشير

مرّ عامان على إعلان قوى مناهضة للعملية السياسية تأسيس الميثاق الوطني العراقي الذي يجمعها في واجهة سياسية تأخذ على عاتقها توحيد الجهد الوطني، وتنمية خطواته، والتعاطي مع المشهد والأحداث وفق أدبيات وثوابت سبق لها أن فرضت نفسها في المعادلة العراقية، وبرزت بكونها رقمًا صعبًا عقّد الكثير من حسابات المشروع الاحتلالي بشقيه الميداني والسياسي.

قوى الميثاق الوطني وفي مقدّمتها هيئة علماء المسلمين تمتاز بتأريخها الحافل في مواجهة مشاريع الاحتلال، والتأسيس لقوة تحرر وطنية ذات أهداف بمديات بعيدة وقريبة، ولأنها تعرف جيدًا مواضع خطواتها، وتدرك بيقين إلى أين تتجه؛ غرست بذور الميثاق منذ وقت مبكر ومن نقطة ليست ببعيدة عن أولى خطوات الاحتلال الأمريكي وأدواته التي وظفها لتكون واجهة قبيحة لتمرير خططه وتبرير وسائل تحصيل مصالحه.

كانت وما تزال أفكار المقاومة والممانعة ـ بمعناها الأصيل ومقصدها النبيل لا بدلالتها الشائعة اليوم في أوساط وأقبية سياسية يتناقض مسلكها وفكرها مع حقيقة المصطلح ـ منطلقًا قوي القاعدة لحراك القوى العراقية في مواجهة العملية السياسية ومؤسسيها الدوليّين ووكلائها المحليين والإقليميين.. ولأن ميدان المواجهة في العراق أعقد من أن تحقق فيه قوّة مجرّدة أو اتجاه فكري معيّن النتائج الإيجابية المرجّوة؛ كان لزامًا على تلك القوى أن تكون في حصانة من ظاهرة التشظي المفضية إلى إضعاف الجبهة، أو زيادة مساحات النفاذ التي يرجوها العدو ليوهن من خلالها من يعارضه أو يناهضه.

وسائل تحصيل هذا النوع من التحصين كانت واضحة في أدبيات هيئة علماء المسلمين، التي طرحت أولى أفكارها لتكون النواة الرئيسة لمشروع الميثاق الوطني العراقي قبل منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة؛ يوم كان الاحتلال يواجه مصاعب جمّة على الصعيد الميداني، ومثلها تخبطًا على المستوى السياسي المغلف بالطائفية، إذ لما كانت المقاومة العراقية في أوج عطائها، وكانت العملية السياسية على وشك التهاوي؛ مضت الهيئة قدمًا في تأسيس منطلق لحياة مُثلى يعيد للعراق وشعبه قوّة الإرادة للنهوض من جديد والبدء بالبناء بعد زوال الاحتلال وتنقية البلاد من آثاره، وذلك كلّه بالتوازي مع جهدها المستمر في دعم وسائل التصدي للاحتلال وتنمية أدوات بناء وتدعيم حصون المواجهة في الاتجاهين السياسي والميداني.

وفي واحدة من جولات الباطل؛ وجد الاحتلال بدعة اتكأ عليها ليعيد بعضًا من حسابات مشروعه، بواسطة ظاهرة الصحوات التي طعنت المقاومة ورفعت وهي في ظهرها لواء الغدر، ومضى سذج السياسة الذين قبلوا أن يصبحوا شهود زور يمنحون الشرعية لقوانين وإجراءات فتكت بالعراق أمنًا واقتصادًا وسياسية، وما نجم عن ذلك من تصدعٍ في النسيج المجتمعي وتخبط فكري وثقافي، وضبابية حالت دون استشراف الجماهير لمستقبل البلاد ومآلاتها، حتّى بات العراقيون في حلكة لا قبل لهم بمعرفة مدّتها؛ لتغدو مهّمات القوى العراقية أكثر تعقيدًا وهي تصول على جبهات متعددة، وباتت تلك القوى تؤدي مهمّات متراكبة لا يسعفها الوقت في الإنجاز، ولا يخدمها واقع الحال في التنفيذ، لاسيما وأنها تتحمّل الضربات المتلاحقة التي يحسب العدو ومن في صفّه أنها مضعفة أو مهلكة، لتجد فكرة الميثاق نفسها أمام تحوّل في النسق أكثر تطورًا وأبعد مدى، وأمضى غاية وهدفًا.

تقادم الأحداث والوقائع، وصمود هيئة علماء المسلمين وثباتها على منهج معتبر أثبت قدرته على استمرارية المواجهة، وأحبط خطط الاحتلال في إخلاء الساحة لأدواته ومساراته؛ أمور أنضجت فكرة الميثاق الوطني العراقي، وأكسبتها ثقلاً وتأثيرًا، فضلاً عن تأكيدها على حقيقة بادية في المشهد العراقي تؤكد أن الهيئة وقضيتها تمتاز برصانة وجدارة في تحصين الأفكار وقيادة قوى المناهضة وتمكين عوامل ثباتها، وإرشادها إلى السبل التي تبقيها في ميدان المواجهة، في وقت قد يظن كثير من الذين لا ينظرون إلى الحياة بمنظار ربّاني أن القيام بذلك محال أو ضرب من الخيال.

إن التأريخ وهو يمر بأحداث العراق ما بعد احتلاله، يوثق جيدًا أن مرحلية هيئة علماء المسلمين ذات مقاصد تتناسب مع الواقع، ولها مقدرة على التعاطي مع متغيرات يفرضها الصراع بما لا يخرج عن أطر ثوابتها أو محددات أدبياتها، فهي التي تتقن في جلّ المنعطفات التي مرّت بالقضية العراقية متى تعلن عن تحقيق هدف وأين يجب أن تضع القوى الوطنية أقدامها في سبيل ذلك، فكانت عن جدارة الرائدة المثالية لتبني مشروع الميثاق الوطني ورسم منهجيته، وتحديد أهدافه، وبيان سقوفه من حيث مساحات العمل واتجاهات الرأي، ليكون مؤهلاً للوصف بأنه مرجعية وطنية للقوى العراقية تتحاكم إليه وتمضي تحت رايته وتعمل في سياق منهجه.

واليوم، وبعد عامين قدّم فيهما الميثاق ولجنته العليا عملاً وطنيًا معتبرًا ـ وخاصة فيما يتعلق بالجهد الرصين في دعم ثورة تشرين وتبنّي فكرتها، والدفاع عن شبابها ـ بمواكبة التغيرات التي تسارعت في المشهد العراقي على نحو غير مألوف تعاطى الميثاق معها برؤية رصينة وأنماط وطنية خالصة؛ تبدو القضية العراقية من حيث الإحاطة بها واستشراف تداعياتها وإدراك طرق معالجتها؛ في متناول المشروع الوطني، فهمًا وتحليلاً وسياقات واتجاهات؛ لكن الطريق ما يزال طويلاً والكثير من الأهداف المرحلية يلزمها؛ صبر ورباط وقوّة إيمان ليتحقق اكتمالها، لذلك فإن ثمّة مهمات أخرى هي في الحقيقة مؤصَّلة في أدبيات الفكرة الوطنية لكنها بحاجة اليوم إلى تفعيل أكثر من أي وقت مضى، ولعلّ اللجنة العليا جديرة بأن تأخذ بنظر الاعتبار أن الجانب التربوي على مستوى التثقيف والإعداد ذخيرة لازمة لسلاح لا يخطئ هدفه.

مقالات متعلقة