الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مقال خاص| قناة الرافدين: صوت الحق في مواجهة دياجير الظلام

مقال خاص| قناة الرافدين: صوت الحق في مواجهة دياجير الظلام

بقلم| د. مثنى عبد الله

من له مصلحة في استهداف الإعلام الملتزم؟ ومن يتشرف بإسكات صوت الحق؟ ومن يغيظه ويقض مضجعه الرأي الحر؟ يقينا لن يحتاج المرء إلى طول تفكير وتمعن كي يجيب على هذه الأسئلة، فما عليك سوى النظر إلى المعسكر الذي تستهدفه الرسالة الإعلامية لتعرف من هو الجاني، إنها معركة بين الحق والباطل، وتحدي كبير بين من يحاول تثبيت الحقيقة ونشرها والتثقيف بها، وآخر يحاول بكل قوة وضع سجادة من الأكاذيب على أرض الواقع والتثقيف بأنها هي الحقيقة، هي صراع بين طرف يملأ الدنيا ويشغل الناس بدخان من الخداع والوهم، وآخر يثبت للعالم أجمع أن الحقيقة هي العراق الذي يملؤه كل هذا الدخان، وفي خضم هذه الملحمة البطولية الكبيرة تصبح الكلمة الشريفة في الرسالة الإعلامية قادرة على كسر عظام الميليشيات، وتستحيل الصورة الصادقة إلى حجارة من سجيل تحطم العقول المحنطة بالعمالة.

وفي ظل هذا المشهد يصبح معروفا جدا من الذي استهدف (قناة الرافدين) وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، فلقد اختطت هذه القناة لنفسها فلسفة وطنية صادقة وأمينة، فرفدت التفكير الصحفي لدى صحفيها وكافة العاملين فيها بفكرة أن تكون الموثوقية والمصداقية كمعيارين أساسيين للعمل والكتابة والتحرير، فأصبحت مرآة للحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والنفسية التي يعيشها العراقيون في داخل الوطن وخارجه، كما أنها بإبرازها حالة الانحطاط التي يعيشها الوطن على كل المستويات، ساهمت مساهمة فعالة في دحر الأصوات السياسية المخادعة التي تتغنى بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. وبذلك أصبحت فلسفتها داعما أساسيا لأنها تحاكي وتسأل ولا تقبل نقل ما يقال دون تمحيص وتدقيق، ولأنها تعرف بأن أزمة الإعلام في هذا العصر هي أزمة أخلاقية، فقد نأت بنفسها عن هذا الوباء من خلال ترسيخ المبادئ المهنية التي بها أسست لنفسها طريقا متجددا ينفض عن كاهله غبار التردد والعبث بالوقائع.

إن المحاولات المتكررة في إسكات صوت الإعلام الحر والنزيه سواء لقناة الرافدين أو غيرها من القنوات الشريفة الملتزمة بقضايا الوطن، تكشف عورة من يقومون بهذا الفعل وعجزهم عن إثبات العكس في قنواتهم ومواقعهم التي توفرت لها الإمكانيات المادية والمعنوية، لكنها عجزت عن تحقيق حالة الإقناع لدى المواطن، فاليقين الموثوق الذي يريد المواطن الاعتصام به لا يمكن أن يجده في إعلام مرتهن للعملية السياسية الرثة ولدروبها الموحشة الموحلة، المليئة بالخداع وعدم المصداقية، فهنالك حاجة ماسة لمن يعيش في أزمة كبرى كما هي في العراق، أن لا يكون تحت وطأة إعلام جردته العملية السياسية من سلطته الشريفة، وحولته إلى مجرد بوق ناطق وتابع لإملاءاتها ومتورط في قذاراتها السياسية الطائفية. ويبدو أن طريق الاستهداف والتشويش والاختراق للمحطات والمنصات الإعلامية الوطنية الشريفة، هو الرديف لحالات الاختطاف والتعذيب والتغييب والقتل التي تمارسها نفس الجهات في العراق.

إنه لشرف عظيم لقناة ذات إمكانيات محدودة وكادر تعداده بسيط، أن تكون عامل تهديد حقيقي لسلطة غاشمة لها حواضن دولية وإقليمية وإمكانيات كبيرة، ووسيلتها في ذلك الكلمة والصورة القادمة من أرض الوطن بعيدا عن الفبركات الإعلامية المعروفة، ولقد أصرت على أن ترى في نفسها صاحبة المسؤولية الأوفر في ضبط الأمور في المشهد ونقل الحقائق دون رتوش، وأن تحصن رسالتها الإعلامية بالضوابط المهنية والأخلاقية، كما ابتعدت عن توجيه الرأي العام العراقي وفق أجندات فيها تعزيز للصور النمطية وخطاب الكراهية والتحريض ونبذ الآخر، بل حرصت على أن تكون نبض الشارع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وصوت من لا صوت له، دون نشر أو فرض رؤيتها الخاصة كي تترك الاستنتاج للمشاهد، وهذا أمر لا يمكن لكل من هب ودب أن يلتزم به.

إن السلوك الرث الذي تمارسه السلطة في إسكات الرأي الآخر يعكس حالة الخوف الذي ينتابها من الحقيقة، كما يؤكد الشعور الذي يسري بداخلها من فقدان الشرعية والمصداقية بين نسبة كبيرة من الناس، واحدة من المفارقات اللذيذة التي ترافق هذه السلطة هي أنها تظن بأنها قادرة على جعل الأكاذيب حقائق، واللصوص شرفاء، والطائفيين وطنيين، والمجرمين قضاة، والمهرجين زعماء، والوقاحة عقيدة سياسية. لكنهم يتناسون بأن الصوت الإعلامي الصادق والأمين والمتجرد من الأجندات الخاصة، قادر على أن يكون صندوقا انتخابيا يستفتي الناس يوميا بل في كل ساعة عن مدى كراهيتهم لهؤلاء، كما أنه قادر على أن يجعل العراقيين يشموا الرائحة الكريهة التي تصدر عن أفعال السياسيين.

مقالات متعلقة