عسكرة العملية السياسية في العراق.. جذورها وتداعياتها
بقلم| أ. عبد القادر النايل (عضو اللجنة العليا للميثاق الوطني العراقي)
بدأت عسكرة العملية السياسية في العراق منذ بداية تشكليها؛ لأن أساس العملية السياسية الحالية أُسّست بسلاح المحتل الأمريكي الذي فرض أحزاب وشخصيات على الشعب العراقي عندما شكل مجلس الحكم، ولم يكن للعراقيين أي دور في اختيار شكل النظام السياسي الحالي، الذي أُسس على نظام المحاصصة الطائفية وتقسيم مزور وكاذب للمكونات العراقية في اعتماد نسب لم تخضع لا إلى تعداد سكاني أو آلية علمية، فضلا عن أن العراقيين أعلنوا رفضهم بشكل واضح لهذا النظام وفرضه عليهم لأنه يهدف إلى تقسيم العراق وصناعة الطائفية وترسيخها بين أبناء الشعب العراقي الرافض لها تمهيدا للحرب الأهلية، وقد تعاون مع المحتل في هذه الفكرة الخبيثة أحزاب وشخصيات ارتضت أن تنفذ مشروع الاحتلال في العراق، مع أن مجلس الأمن الدولي أصدر قرارا يصرح بالاحتلال الأمريكي البريطاني ومن شارك معهم بغزو العراق دون استحصال موافقة مجلس الأمن، وهو ما يؤكد أن تلك الأحزاب أصبحت أداة للمحتل وتتعاون معه تحت حماية سلاح الاحتلال
ومن هنا بدأت جذور عسكرة النظام السياسي في العراق الذي نعيش تداعياته الخطيرة بعد ثمانية عشر عاما، والذي ساهم بتدمير العراق (أرضا وشعبا) وأصبح يشكل خطرا كبيرا على العراق ومستقبلة والأجيال القادمة؛ لأنه انتقل من تثبيت عسكرة العملية السياسية إلى عسكرة المجتمع التي تمثلت بالنظام الحالي الذي يشهد انتشار للسلاح واستمرار النزاعات المسلحة العشائرية والاغتيالات والخطف وتشكيل العصابات والسطو المسلح على مكاتب تحويل الأموال والاستيلاء على رواتب الموظفين والإتجار بالبشر من خلال خطف النساء والأطفال وبيعهم خارج العراق أو داخلة، كما أصبح العراق أكبر سوق لبيع الأسلحة بشكل علني في منطقة الشرق الأوسط، هذا من جهة المجتمع
أما من جهة الأحزاب السياسية التي لم تتغير منذ أن منحها المحتل حكم العراق بقوة السلاح اتخذت تدابير خطيرة من أجل البقاء في إدارة البلاد، تمثلت بتأسيس ميليشيات مسلحة تابعة لها، لفرض واقع وجودها بعد أن تعلمت من المحتل ثقافة حسم الحكم عسكريا بالإرهاب؛ ونفذت هذه المهمة من خلال النظام الإيراني الذي اتفق مع الاحتلال الأمريكي على أن تكون نواة الميليشيات التي تنفذ عسكرة العملية السياسية من اتباعها الذين تدربوا تحت فكر ومنهج الحرس الثوري الإيراني وقاتلو الشعب العراقي مع إيران وتلطخت أياديهم الآثمة بدماء العراقيين، ووجد المحتل ضالته فيهم لغرض إكمال مشروع تدمير العراق، وأن يكون تحت سلطته مرتزقة ينفذون صفحات إرهابية من الاستهداف الممنهج ضد الشعب العراقي، أخطرها كان تنفيذ الاغتيالات التي استهدفت أهم طبقات المجتمع من قيادات وأطباء ومحامين وأساتذة وأكاديميين ورجال دين وشيوخ عشائر؛ وهو ما مهد إلى ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والتهجير القسري وتمثل في قمع تظاهرات الخامس والعشرين من شباط لعام 2011 واعتصامات المحافظات الستة عام 2013 السلمية وتظاهرات ثورة تشرين التي مازلنا نعيش أحداثها، وبالتالي ارتكبت حكومات العملية السياسية مجازر كثيرة أبرزها مجزرة ساحة الحويجة والناصرية ومنطقة الزركة في النجف وغيرها من القتل الجماعي اليومي مما ساهم بالتهجير القسري لمناطق كاملة على أُسس طائفية تمهيدا للتغيير الديموغرافي الذي وصل إلى ذروته بعد ثمانية عشر عاما حيث جرى تهجير المكون المسيحي والاستيلاء على أكثر من ثلاثة آلف منزل وعقار في بغداد وحدها، وتهجير أهالي جرف الصخر البالغ عدد سكانها مائة وخمسين ألف نسمة، وناحية يثرب وعزيز بلد وأربعين قرية في نينوى ومنطقة ذراع دجلة والثرثار وأصبح سلاح الميليشيات الحكومية هو الذي يحدد المناصب السياسية بعد إصدار التوجيهات الإيرانية، وهو الذي يحمي الفساد وسرقة أموال العراقيين، إن عسكرة العملية السياسية الحالية أصبحت مكشوفة للجميع ولذلك أكذوبة الديمقراطية والحريات التي ادعت أمريكا أنها أرستها في العراق أصبحت في مهب الريح، واستعراض الميليشيات في بغداد بعد أن منحت مفوضية الانتخابات الحكومية التابعة للأحزاب والميليشيات إجازة العمل السياسي للميليشيات المسلحة أكدت أن الانتخابات لا أساس لها وأن من يمتلك السلاح هو الذي يحدد شكل الحكومة بناءً على معطيات جذور النظام السياسي الحالي الذي أسس وفرض على الشعب العراقي بقوة السلاح، وأنها أضحت تشكل خطرا كبيرا على العراق لذا اليوم نشهد تحولا مها في تاريخ العراق الذي يقاطع ويرفض العملية السياسية ويطالب ويعمل على إسقاطها وتغيير نظامها الفاشل، وإن ما يحدث الآن هو بلوغ أطراف العملية السياسية العسكرية إلى ذروة عدائها للعراقيين هو بداية نهايتها وهو ما سيمكن للعراقيين مستقبلا لتصحيح هذا الوضع الشاذ واستعادة وطنهم لأن المعادلة تقتضي أن الشعوب من تبقى وستكسر جميع القيود، والأرض تنتصر لأصحابها وإن غدا لناظره لقريب.