ديموقراطية العبث
بقلم| مكي النزال
(عضو اللجنة العليا للميثاق الوطني العراقي)
من يطلع على إحصائيات اللاجئين والمهاجرين والنازحين العراقيين يندهش ويكاد لا يصدق ما يقرأ ويسمع، فالأعداد بالملايين من جميع شرائح المواطنين العمرية والعرقية والطائفية التي جلبها معهم الغزاة.
مدن شُطبت من السجلات والخرائط في سابقة لم تحصل أبدًا في العالم ومن قرروا ذلك مستمرون في نهجهم ويقضمون مدنًا وبلدات أخر في عملية ممنهجة وخطة مدروسة هدفها تغيير ديموغرافي مقيت وغايتها تحطيم العراق الذي يخشاه عرافو الخرافات وعرابو الكانتونات والذين ينفذون الأوامر القادمة من خلف الحدود المعينين تحت مسمى حكومات.
اللاجئون هم أبناء البلد الأصلاء من علماء وأطباء وتجار وفنيون وعمال بسطاء حزموا ما خف حمله واختاروا مكانًا في أرض الله يؤويهم وهم يبحثون عن الأمن الذي فقدوه ليكونوا أرقامًا في سجلات اللجوء أو أشباحًا في مخيمات النزوح وهم يدركون في جميع الأحوال أنهم سيواجهون المجهول ويضيعون الجذور ويتعرضون لتهديدات التغيير الثقافي والاجتماعي وأن أجيال أبنائهم ستذوب في تيارات هذا التغيير في بلدان غريبة تستقطبهم ليكونوا أدوات في البناء والتقدم والخدمات.
وقد يتساءل من لا يعرف مجريات الأمور: لماذا يهاجر العراقيون من بلد عمره آلاف السنين وفي أرضه من الخيرات ما لا يعد ولا يحصى ويجري فيه نهران عظيمان والأهم من ذلك كله أبناء هذا البلد المعروفون بذكائهم وجدهم واجتهادهم على مر العصور والأزمان؟
إن إحدى أهم غايات الاحتلال البغيض ومن جنّدهم لتنفيذ مشاريعه القذرة هي الفوضى التي تمكنه من الإمساك بعنق العراق والعبث بمقدراته ومصيره، وإن أهم عامل في هذه الفوضى هو فقدان الأمن يليه الشحة في الأرزاق وهما عاملان يدفعان المواطن إلى التفتيش عن مكان آخر للعيش مهما كانت التبعات.
لقد وعد الاحتلال بالحرية ولكنه جلب لهم العبودية التي يمكن تصنيفها إلى طبقات فهنالك العبيد ثم عبيد العبيد ثم عبيد عبيد العبيد ثم تأتي الطبقة الأكبر وهي طبقة المواطنين الذين يعانون الأمرّين من السالف ذكرهم حتى يصل بهم الحال إلى اليأس الذي يقودهم للهجرة إلى بلدان أجنبية أو النزوح إلى مدن أخرى. أما من تراهم في المخيمات فهم من أُجبروا على ترك منازلهم ومدنهم وقراهم ليعيشوا هم وعائلاتهم في خيام بالية عديمة البنى التحتية تكون مشاريع لفساد مهول يقوده كبار موظفي الدولة ليثروا على حساب البائسين المعدمين.
ولقد وعد الاحتلال بالرخاء لكنه لم يجلب إلا البؤس والشقاء.
ولقد وعد الاحتلال بالديموقراطية لكنه جلب الدكتاتورية الانشطارية التي سلطت المئات من الطغاة على رقاب الناس وهؤلاء الطغاة يقودون مئات الآلاف من الطغاة الصغار الذين يسومون العراقيين سوء العذاب ويهددون حيواتهم ويساومونهم على أرزاقهم.
ديموقراطية أذاقت الملايين من العراقيين الموت قتلًا وعذاب السجون ولوعة التهجير وجرائم التغييب القسري والتجويع واغتيال من يطالبون بالحقوق.
ديموقراطية المقابر الجماعية والدفن تحت ركام المنازل في بلد أعفاه الله من البراكين والزلازل.
ديموقراطية سجون أبو غريب والحوت والمطار والتاجي وما يحصل فيها من تصفيات جسدية لسجناء فاقدي الحيلة.
ديموقراطية تدمير الفلوجة والموصل وشطب جرف الصخر ويثرب وعزيز بلد والآن الطارمية وربما العامرية والقائمة تطول.