مقال خاص| المقابر الجماعية وسلطة القاتل الذي يحكم بالعدل
بقلم| د. مثنى عبد الله
"السلطات الموازية والمؤلفة من الأحزاب الطائفية والميليشيات التي تأتي برؤساء الوزارات وتمنع غيرهم من الوصول إليها هي من تمسك بهذا الملف, وهي من تستخدمه لأغراض التمويل الذاتي بعمليات الابتزاز وكذلك كوسيلة لبث الرعب والخوف في نفوس الناس".
المقال:
عجبا. كيف تصبح المقابر الجماعية دليلا على الديمقراطية والحياة الحرة الكريمة في العراق؟ عجبا وألف عجب أن لا حديث يجري في العراق سوى عن الانتخابات, وصناديق الاقتراع, والحشود التي ستتدفق على مراكز الاقتراع لانتخاب من يمثلونهم, في حين ترتفع أصوات أهالي ناحية الإسحاقي في محافظة صلاح الدين وهي تعلن للحكومة والبرلمان والعالم العربي ودول العالم, أن أبنائهم الذين اعتُقلوا من قبل القوات التي جائت لتحريرهم من تنظيم الدولة الذي كان يسيطر على المنطقة, قد تبين أنهم مدفونون في مقبرة جماعية فيها. وهكذا استجار أحد شيوخ المنطقة بالصليب الأحمر والمنظمات الدولية والإقليمية للمساعدة في الكشف عن الضحايا, مؤكدا أن هنالك مقابر جماعية أخرى في نفس المكان وأن من يمسك الأرض هي ميليشيات مسلحة.
يقينا لاعجب في كل ذلك فقد بات خبر اكتشاف مقابر جماعية بين الحين والآخر ليس تأكيدا على عدم وجود سلطات مسؤولة وحسب, بل هو إعلان عن سادية هذه السلطات التي راحت تستخدم الظروف التي يمر بها البلد لتصفية حسابات طائفية مع شعبها. فاستثمرت الظروف العسكرية التي نتجت عن الحرب ضد تنظيم الدولة, لتطلق العنان لميليشياتها للسيطرة على هذه المدن, ومن ثم القيام باعتقالات جماعية خاصة ضد الرجال, وسوقهم إلى تحقيقات معروفة أنماطها وأساليبها بحجة التأكد من عدم انتمائهم إلى ذلك التنظيم. ومع مرور الأيام والشهور والسنين, كانت العوائل في هذه المناطق تتعرض إلى أبشع عمليات الاستغلال والابتزاز المادي والمعنوي, تحت عناوين مختلفة منها التبرير بعدم انتهاء التحقيقات, أو مساومة ذوي المخطوفين بدفع مبالغ مالية كبيرة بحجة تخفيف الأحكام عن أبنائهم, ليتبين فيما بعد أن هؤلاء الرجال قد تم قتلهم ودفنهم في مقابر جماعية, يتم الكشف عنها بالصدفة من قبل سكان المنطقة.
وبذلك يبدو واضحا بأن المقابر الجماعية قد باتت وسيلة عقاب على جرم ليس موجود أصلا. بل هو مجرد حقد طائفي لَعين وتنفيس وحشي لشهوة القتل والتدمير الكامنة في نفوس هؤلاء المجرمين. ومع أن كل مقبرة جماعية يتم العثور عليها يتشكل دليل مادي على بشاعة الجرم الحاصل على الأبرياء, فإن العقاب يبدو مازال بعيدا في ظل التحكم التام الذي تمسك بخيوطه الميليشيات والأحزاب الطائفية الفاسدة. ولأن العقاب سوف يبقى بعيدا على المدى القريب فإن العدالة والحقوق تبقى ضائعة إلى زمن غير معلوم كذلك.
مئات الآف من البشر تم تغييبهم قسرا, ومئات اللجان تم الإعلان عن تشكيلها للبحث في مصيرهم, لكن أيا من هذه لم تستطع حتى اليوم توفير معلومة واحدة لذوي الضحايا. بل ذهبت أدراج الرياح كل التعهدات التي أعلن رئيس الوزراء الحالي عن إيجاد حل لهذا الملف الإنساني حينما التقى أهالي المغيبين في العام الماضي, واكتفى كعادته بالاستماع (إلى قصص مؤثرة روتها الأسر عن أبنائها الذين فُقدوا) ثم تفضل على العوائل ب(مشاركتها أحزانها وآلامها على فقد أبنائها, ووعدها بمتابعة ملف المفقودين قسرا بكل جدية), بحسب المكتب الإعلامي له.
في حين يعلم هو تماما بأن ملف المقابر الجماعية في العراق ليس في يده, وأنه خرج من كونه قضية حقوقية قضائية وبات ملفا سياسيا بامتياز ليس من صلاحية أي جهة في هذا البلد. فالسلطات الموازية والمؤلفة من الأحزاب الطائفية والميليشيات التي تأتي برؤساء الوزارات وتمنع غيرهم من الوصول إليها هي من تمسك بهذا الملف, وهي من تستخدمه لأغراض التمويل الذاتي بعمليات الابتزاز وكذلك كوسيلة لبث الرعب والخوف في نفوس الناس. ولأن هذه الميليشيات تعرف حجمه وخطورته فلن تسمح بالحديث عنه أو تناوله من قبل أي سلطة أو شخصية, لأن ما فيه يهدد وجودها وشخوصها.
لقد ثبّتت الشرعة الدولية موضوع المقابر الجماعية في اتفاقيات جنيف الأربعة واعتبرتها جرائم حرب, وأعطت القانون الدولي الحق في ملاحقة مرتكبيها ومحاكمتهم جميعا، من قاموا بالتنفيذ أو أصدار الأوامر. وأكدت المادة السابعة من قانون روما الأساسي على أن المقابر الجماعية أكبر دلالة مادية على انتهاكات حقوق الإنسان. كما ضمنت الحق لأهالي الضحايا في معرفة ما حصل لابنائهم وربطت ذلك بكفالة القانون الدولي, واعتبرت كل تهرب أو تباطؤ في هذا المجال يشكل في حد ذاته معاملة لا إنسانية ومهينة لقيم الإنسانية. كذلك يضع البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف المسؤولية الأولى على السلطات المحلية, ويطالبها ببذل جهود مستمرة ومنهجية للتحقيق في المقابر الجماعية وفك الملابسات التي أوصلت إلى هذه الحالة وتحديد المسؤولين بشكل مباشر وغير مباشر.
لكن السؤال الأهم يبقى هو كيف يمكن تحقيق القانون الدولي وتفصيلاته هذه في ظل سلطات هي من تقتل وهي من تعلن عن نفسها أنها ستحقق؟
إن ما يتكشف يوما بعد يوم يعطي صورة واضحة عن أن أرض العراق كلها قد باتت مقبرة جماعية. ففي كل مرة يُكشف النقاب فيها عن مقبرة جماعية لمغيبين ومخطوفين, يتوارد إلى الذهن إن لم يكشف عن مصيرهم حتى الآن قد يكونون أيضا قد لاقوا نفس المصير, لكن العثور على مقابرهم ما زال غير معثور عليها حتى حين.