مقال خاص| العراق والهاوية
في نظرة تاريخية مختصرة لتأسيس الأحزاب والمليشيات المسلحة المدعومة رسميًّا ودوليًّا سنعرف مدى الخراب الذي حل بالعراق وكيف وصل به الحال إلى الحضيض سياسيًّا وسياديًّا وماليًّا وخدماتيًّا، وكيف دب الفساد حتى صار ظاهرة عامة وقصة يتندر بروايتها (أبطالها) من حكام ونواب وقادة أمنيين ويسردون تفاصيل الخراب والفساد على قنوات التلفزة دون خوف أو خجل.
سنرى لماذا وصل الحال بالعراق إلى شفير الهاوية حتى لم يعد يستطيع تعويض المتضررين من الأعمال العسكرية القاسية التي دمرت مدنًا بأكملها؛ بل إن هذا النظام اليوم يلجأ للاقتراض لكي يسدد مرتبات موظفيه!فلقد جلبت الولايات المتحدة إلى العراق خبراء بتأسيس الميليشيات تحت مسميات رسمية وبالزيّ الحكومي وألحقتها بالوزارات العسكرية والأمنية، وكانت تلك بداية النهاية لما تبقى من آمال العراقيين بالأمن، فالمجنَّدون جاءوا من أحزاب ذات عقلية إجرامية لا يمكن إصلاحها بألوان البدلة ووضع الرتب على الأكتاف.
ومنذ الأشهر الأولى لاحتلال العراق توضح للعيان أن الأمريكان والبريطانيين والذين معهم من المشاركين في الجريمة عازمون على شطب العراق من سجل الدول الناهضة لكي يكون بلدًا كسيحًا وبلا هوية واضحة؛ ولذلك جعلوا منه بلد ميليشيات وأحزاب مسلحة ولاؤها للخارج.
(شعار الأحزاب والميليشيات الطائفية الحاقدة هو فرض السيطرة: وهو شعار يحمل في طياته النهب والسلب والقتل والتفكيك دون خوف من حساب، فكل الجرائم لها غطاء (رسمي) ولا حساب لمرتكبي الجرائم مهما عظمت).
كان شعار الأحزاب والميليشيات (ذات الصبغة الطائفية الحاقدة) هو فرض السيطرة وهو شعار يحمل في طياته النهب والسلب والقتل والتفكيك دون خوف من حساب فكل الجرائم لها غطاء (رسمي) ولا حساب لمرتكبي الجرائم مهما عظمت.وبعد المليشيات التي شكلها (جيمس ستيل) اشتغل آخرون على إضافة ميليشيات جديدة مدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها لكنها تنادي بالولاء لإيران ووليها الرهبر في ازدواجية ظنها من لا يعرفون غريبة بينما فهمها الوطنيون الأحرار الذين رصدوا التعاون المطلق بين من يزعمون أنهم أضداد.
كما أسس الأمريكان ميليشيات (الصحوة) تحت شعار محاربة تنظيم القاعدة فقامت هذه المليشيات بدورها في تصفية المقاومة العراقية؛ وسرعان ما صفى الأمريكان هذه المليشيات لكيلا تكون منافسًا لمليشيات أخرى مخطط لتأسيسها.
وحين ظهر تنظيم الدولة المسلح سارعت المرجعية الصامتة للنطق بفتوى تأسيس مليشيات جديدة (رسمية هي الأخرى) أسبغت عليها البركات وأسمتها (حشدًا شعبيًّا) وقالت إن الهدف من تأسيسها هو محاربة الإرهاب المتمثل بداعش. وعندما دحرت قوات التحالف ومعها (الحشد) داعش وقوضت دولته بقيت المليشيات تصول وتجول، بل وتحكم العراق وتتحكم بمقدراته بتوجيه من أحزابها التي تتلقى الأوامر من إيران.
إن الأحزاب والمليشيات المذكورة أعلاه أوغلت في دماء العراقيين وأموالهم وميزانية دولتهم فلم يعد هنالك مجال للإصلاح والترقيع والحلول الآنية والجزئية وصار لزامًا على من يزعم الرغبة في تحسين الوضع أن يعمل على اقتلاع هذه الأشواك الضارة من جذورها لأنها استنزفت ومستمرة باستنزاف روح الأرض وما ينمو به الزرع. التهديدات الأمنية المتعددة (ومعظمها مختلق) انتهت وآن الأوان لتأسيس دولة يقودها الأكفاء في كل شيء بدلًا من حكام اليوم الفاسدين والفاشلين في كل شيء. آن الأوان لتفكيك أحزاب الاحتلال ومليشيات الاحتلال وتأسيس مؤسسات همها الوطن وتشكيل جيش يحمي المواطن على الحدود وفي الداخل. آن الأوان لتفكيك أحزاب السوء ومليشياتها المجرمة والانتفاض على التبعية والخنوع للأجنبي وتسليم مقدرات الوطن للأكفاء من أبنائه الأوفياء المخلصين.آن الأوان للاعتذار لأهالي المدن المنكوبة الذين ظلمهم الاحتلال والنظام والمرجعيات والهيئات التشريعية والقضائية وإطلاق سراح مئات الآلاف من أبنائهم المسجونين ظلمًا وبهتانًا ودفع مستحقاتهم من التعويضات عن ممتلكاتهم التي خربتها الصواريخ والبراميل والمدافع وعاث بها جنود الدمج وأفراد الحشد حرقًا وسرقة وتحطيما؛ وكذلك الاعتذار لذوي شهداء الانتفاضات الوطنية منذ مظاهرة الفلوجة في أواخر نيسان 2003 أول أيام الاحتلال إلى ثورة تشرين المباركة وتوفير حياة كريمة لذويهم وأيتامهم بغض النظر عن هوياتهم الدينية أو المذهبية أو القبلية. العراق اليوم يحتضر بسبب فتاوى سياسية وأخرى شرعية متراكمة السوء أوصلته إلى الدرك الأسفل من الانهيار وعلى أبنائه أن يديموا زخم الثورات والضغط على العالم الذي باع العراق بكل الوسائل المتاحة فالحرية لا تُمنح والإصلاح لا يأتي بالأحلام الوردية.