العراق والتغييب القسري
بقلم| أ. مكي النزال
من هم المغيبون قسريًّا في العراق؟ من غيبهم؟ ولماذا؟ وتحت أي ذريعة؟ وما مصيرهم؟ هل حوكموا؟ هل هناك أمل بعودتهم؟ ومن يعودون بأي حال سوف يكونون؟ وعائلاتهم كيف تعيش وهم مغيبون؟
أسئلة كثيرة وخطيرة ومعها أسئلة أخرى لا بد من طرحها، وأجوبة لا بد من توثيقها ونداءات استغاثة من الضرورة بمكان أن تُطلق لإنقاذ من بقي على قيد الحياة من المغيبين وممن سوف يغيَّبون فالتغييب مستمر وكأنه سياق رسمي روتيني.
العراق، كل العراق، بأرضه وسمائه ومائه ونخيله ونفطه ورافديه وموانئه ومدنه – ومنها عاصمته – مغيب قسرًا تحت نير أكثر من احتلال، وهو بلد لم يبق منه إلا اسمه العظيم وتاريخه المشرق ودماء شهداء حريته. بلد لا صوت له في المحافل الدولية والإقليمية والقومية، بل لا صوت له حتى ضمن حدوده، فلقد علت أصوات المحتلين وأذنابهم لتسكت صوته الأصيل المدوّي في معارك الشرف والمغرد في حدائق السلام وأعراس الحضارة والبناء.
وأبناء العراق اقتادتهم مجنزرات الأمريكان إلى المجهول ثم أسلمت من تبقى منهم إلى مليشيات لا تعرف معنى للعدالة تنتزع أعضاءهم لتتاجر بها كما تنتزع اعترافاتهم بالتعذيب وتتذرع بوشايات المخبرين السريين الذين يقسمون الأيمان المغلظة زورًا وبهتانا.
هذه المليشيات (ومعظمها رسمية وبزي رسمي) استمرت بتنفيذ نهج الاحتلال حتى صارت جرائمها أبشع من جرائمه فارتفع عدد ما أسموه بالجثث مجهولة الهوية وهي تسمية باطلة فالقتلى معروفون ومن يتبقى منهم على قيد الحياة يُقتادون إلى سجون سرية وأخرى علنية؛ والحكم لقضاة قانونهم أعوج وحكمهم أهوج وشرطتهم فاسدون وسجونهم مسالخ.
قرية كاملة قرب مدينة الصقلاوية لم يبق من رجالها إلا حفنة من الشيوخ والباقون اقتيدوا أسرى وقيل (للتحقيق والتدقيق) فدُقّت اعناق معظمهم وعثر على جثثهم في مقابر جماعية في أطراف مدينة الفلوجة مغيبين تحت الثرى؛ وربما نجا بعضهم وأي نجاة؟ أرواحهم في أجسادهم تتمنى الانعتاق فالموت عندهم أرحم من الحياة تحت سياط الجزارين وهم يعذبونهم لكي يبتزوا عائلاتهم ويتقاضوا منهم الملايين لكي يخبروهم أنهم أحياء وعشرات الملايين لكي يسمحوا لهم برؤيتهم.
وبعد أن كان هذا يحصل في غرب العراق وأطراف بغداد حصرًا، بدأت بوادره في الظهور في مناطق الفرات الأوسط والجنوب حين بدأت ما تسمى بحكومات العراق تطارد ثوار تشرين وتقذفهم بالتهم الباطلة لمجرد أنهم قالوا الحق ورفعوا أصواتهم مطالبين بحياة تليق بأبناء العراق الذي يريدونه موحدًا ينعم أبناؤه بالكرامة واللقمة النظيفة والحرية الحقة.
إن التغييب القسري جريمة خطيرة تدينها الأديان والأعراف والقوانين إلا في العراق فهي مسكوت عنها لأن منفذيها محميون وخارج المساءلة ومن يحمونهم دول ومنظمات دولية تثرثر بحقوق الإنسان إضافة لمن يسمون بحكام العراق ورئاساته وقضائه السقيم.
ولكل ما تقدم تجاهد اللجنة العليا للميثاق الوطني بما أوتيت من أدوات من أجل المغيبين المظلومين وعائلاتهم وتقدم ما تستطيع لإسنادهم وتطالب القوى المتنفذة بإطلاق سراحهم وإجبار المجرمين على الكف عن ارتكاب هذه الجرائم النكراء. وكذلك تناشد الأخيار في العراق وخارجه للمساعدة في هذا الجهد الخيّر إلى أن يكتب الله فرجًا من عنده للعراق وأبنائه.