العراق .. الاحتلال والغزو والمقاومة
بقلم| أ. وليد الزبيدي
بدأت موجات القصف الجوي والصاروخي العنيف على العراق في العشرين من مارس – آذار من العام 2003، وتوقف القصف في التاسع من نيسان – إبريل " مؤقتا" من العام نفسه، بعد أن اعتقد الأميركان أنهم قد حققوا "أهدافهم كاملة" بغزو العراق واحتلاله، وقد تعاملوا مع كافة مرتكزات ما سمي "الصدمة والترويع" التي اعتمدوها في الحرب النفسية قبل الحرب وأثناء الحرب المدمرة إبان الغزو.
لكن ما لذي حصل بعد ذلك؟
تؤكد جميع التصريحات التي أطلقها المسؤولون الأميركيون قبل بداية الحرب وخلال أيام الغزو أن نهاية الحرب "العمليات القتالية" ستكون بعد انتشار القوات الأميركية من الدبابات والمشاة في المدن العراقية، وكما قال نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز حينذاك، "كنا نعتقد أن العراقيين سيستقبلوننا بالورود" وقال أيضا خلال وجوده في فندق الرشيد ببغداد في أواخر تموز –يوليو 2003، أي بعد ثلاثة أشهر من بداية الاحتلال، قال"لم نتوقع أن تطلق علينا إطلاقة واحدة، واليوم يسقط جنودنا ومجنداتنا قتلى في العراق" أضاف المسؤول الأميركي والذي يوصف بمهندس غزو العراق وهو من أبرز المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية، قال "تفاجأنا بعدم وجود سياسيين مؤهلين لإدارة الحكم من الذين عملوا معنا في الخارج والداخل" وفي تلك الأيام أيضا اعترف قائد القوات الأميركية للمنطقة الوسطى بقوله "تتعرض قواتنا لما معدله 25 هجوما في اليوم الواحد" وكان ذلك التصريح أول اعتراف رسمي بحجم الهجمات المبكرة التي شنها المقاومون في العراق ضد قوات الاحتلال الأميركية.
وبدون شك إن أهم مظاهر "الغرور والعنجهية" الأميركية تمثلت في إعلان النصر الذي سارع للتباهي به الرئيس الأميركي حينذاك جورج دبليو بوش، عندما وقف على سطح الفرقاطة الأميركية (إبراهام لينكولن) في الأول من مايو 2003 معلنا ما أسماه " النصر الكبير" في العراق، وذلك قبل بلوغ شهر من عمر الاحتلال، علما أن البيت الأبيض كان على اطلاع يومي بالهجمات المبكرة التي يشنها المقاومون الأبطال في العراق، إذ اعترفت بيانات البنتاجون أن الهجمات في العراق قد كبدت القوات الأميركية منذ العاشر من نيسان 2003 حتى الثلاثين منه، أي خلال عشرين يوما 22 قتيلا من قواتهم، لكن هذا العمل البطولي المبكر لم يدفع المتباهي الأميركي لمراجعة بسيطة لقناعاتهم المغلوطة، وجاء بيان "النصر" الأميركي الخائب في الأول من مايو من عام الغزو والاحتلال والمقاومة " 2003 ".
يلاحظ القراء الكرام أنني استخدمت مصطلح "عام الغزو والاحتلال والمقاومة" وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة يمكن القول "ثلاثة أسابيع غزو واحتلال ومقاومة"، فقد بدأ الغزو العسكري في العشرين من آذار – مارس 2003، ووصلت القوات الغازية إلى منطقة المطار في الضاحية الغربية من العاصمة بغداد مساء الثالث من نيسان – ابريل، وفي التاسع من الشهر نفسه احتلت القوات العاصمة وغيرها من المدن، وفي العاشر من نيسان أي بعد أقل من يوم من الاحتلال بدأت أولى هجمات المقاومة العراقية، وتمكن المقاومون من قتل اثنين من الجنود الأميركان في (10 -4-2003)، وبهذا أصبحت المقاومة العراقية أسرع وأشرس مقاومة في التاريخ الحديث.
لقد نفذت عملية الغزو والاحتلال أقوى دولة في العالم، تمتلك السلاح الفتاك والاقتصاد الأكبر والإعلام الأكثر انتشارا وتأثيرا، ووقفت معها دول العالم وساندتها ودعمتها دول عربية وإسلامية كثيرة وبالمقابل برزت مقاومة من تحت رماد الحصار والغزو والاحتلال، وتمكن رجال المقاومة من التصدي للغزاة ومن يدعمهم ويساندهم، وبرزت مظاهر الفشل الأميركي في مشروعه بفعل ضربات المقاومين منذ الأسابيع الأولى، كما بدأت إضاءات تباشير المقاومة بمشروعها الذي تصدى للقوة الأكبر والاعتى في العالم.
لقد كانت فترة قياسية حقيقية، إذ يتعرض بلد لغزو خطير واحتلال واسع، وبالمقابل تبرز مقاومة سريعة وشرسة، وكل ذلك حصل خلال ثلاثة أسابيع فقط.