بقلم| عمر الحلبوسي
(باحث اقتصادي)
لم تعد معركة طوفان الأقصى التي تقودها المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني عسكرية فقط, بل لها انعكاسات اقتصادية كبيرة فاقمت من أزمات الاقتصاد الصهيوني الذي كان ينتظر قرارات مصيرية يمكن أن تسهم في حلحلة بعض مشاكله وتخفيض التضخم وسحب الكتلة النقدية نحو المصارف, لكن طوفان الأقصى كان لها القرار والرأي الذي عمق من مشكلات الاقتصاد الصهيوني وكبده خسائر كبيرة مالية ومادية فضلا عن تحويل البيئة الاستثمارية في داخل الكيان إلى بيئة طاردة للأعمال جراء مخاطر الحرب التي اتسعت بشكل كبير وعطلت بيئة العمل وعظمت من مخاطر حدوث الخسائر كبيرة في الكيان.
إن معركة طوفان الأقصى خلفت انعكاسات اقتصادية على الكيان الصهيوني وهي أكثر ضررا من العمليات العسكرية, فقد تضرر القطاع الطاقة والبنوك والصناعات التكنولوجية والسياحة والطيران وقطاع التأمين الذين تعرضوا لخسائر كبيرة جراء استهداف المقاومة الفلسطينية للعمق الصهيوني وهو ما جعل الكيان يستدعي( 360 ألف جندي) من قوات الاحتياط ليلتحقوا بجبهات القتال وهو ما فاقم من خسائر الاقتصاد الصهيوني كون الجنود الاحتياط هم من العاملين في القطاعات الصناعية والقطاعات الأخرى جرى زجهم في الحرب والاضطرار إلى إيقاف الصناعة بشكل كامل أو جزئي وهنا كانت الخسائر متعددة ارتفاع الإنفاق على الجيش جراء زيادة الجنود الملتحقين بالقتال و خسائر توقف الصناعة الجزئي أو الكلي وتراجع قيمة الشيكل الصهيوني أمام الدولار وتراجع الصادرات وارتفاع التضخم.
إن خسائر الاقتصاد الصهيونية يوميا بسبب معركة طوفان الأقصى تقدر (بمليار دولار) كل يوم ولا يتضمن حساب كلفة الخسائر العسكرية, فضلا عن أن القطاع التكنولوجي يوفر فرص عمل 14% من القوى العاملة داخل الكيان جرى سحب عدد كبير منهم وهو ما تسبب بخسائر فادحة لقطاع التكنولوجيا, خصوصا أن شركة أبل و غوغل ومايكروسوفت تمتلك مراكز أبحاث داخل الكيان جرى إيقافها بسبب التحاق اغلب العاملين بها بالجيش, كما أن القوى العاملة التي لم تستدعى ما زال إنتاجها غير مستقر بسبب اتساع خارطة استهداف صواريخ المقاومة الفلسطينية لعمق الكيان, إذ أن توقف القطاع الصناعي جراء التحاق الجنود الاحتياط وسحبهم من عملهم دفع بوزير الاقتصاد الصهيوني نير بركات الى الضغط على حكومة الكيان من اجل استقطاب 160 الف عامل اجنبي من الهند لسد النقص الحاصل خصوصا في قطاع الزراعة والبناء.
إن خسائر الاقتصاد الصهيوني جراء معركة طوفان الأقصى تتوالى بشكل متسارع, فقد قدر (بنك هبوعليم) أكبر بنوك الصهاينة أن معركة طوفان الأقصى سوف تتسبب بخسائر للاقتصاد الصهيوني بأقل تقدير( 1.5% )من إجمالي النتاج المحلي وهو ما يعادل أكثر من( 7 مليار دولار) وهو ما يعادل حجم الاستثمارات التي جلبها اقتصاد الكيان منذ بداية هذا العام, لكن المتتبع للخسائر الكبيرة للاقتصاد الصهيوني واحتمالية إطالة أمد المعركة يدرك بأن خسائر الكيان ستكون أكبر من الحجم المعلن وهو ما قد يتجاوز (90 مليار دولار), كما أن خسائر ممتلكات المستوطنين تقدر في أيام 10 الأولى فقط بأكثر من (2مليار دولار) وخسائر في تفاقم كلما طالت الحرب, حيث قدمت لسلطات ضريبة الدخل اكثر من (15 ألف) دعوى للتعويض جراء استهداف صواريخ المقاومة التي طالت أغلب مستوطنات الكيان ومن المتوقع أن ترتفع عدد مطالب التعويضات بأكثر من( 50 ألف) دعوة وهو ما سيعمق من خسائر اقتصاد الكيان الصهيوني.
كما أن قطاع الشركات شهد خسائر مالية كبيرة جدا لم يتم الإفصاح عنها حتى اللحظة, فقد أغلقت (شركة نستلة السويسرية) مصانعها داخل الكيان الصهيوني جراء استمرار الحرب, ولحقت بها مجموعة (شركات انديتكس الإسبانية) التي أغلقت 84 متجرا تابعا لها داخل الكيان في ثاني يوم من معركة طوفان الأقصى, ثم توالت الشركات الأخرى التي أغلقت أبوابها ومنها سلسلة متاجر (إتش آند إم السويدية) التي تمتلك 20 متجرا داخل الكيان وقيام اغلب الشركات بإغلاق أبوابها وإجلاء كوادرها بسبب ارتفاع المخاطر واحتمالية إطالة أمد المعركة.
أما قطاع البنوك اغلق (بنك جي بي مورغان تشيس) أبوابه وطلب من كوادره البالغة 200 موظف العمل من المنزل, ولحق به (بنك غولدمان ساكس) و ( بنك مورغن ستانلي) بنفس القرار إغلاق أبوابهم والطلب من كوادرهم العمل من المنازل خوفا من صواريخ المقاومة الفلسطينية التي تطال أغلب أماكن الكيان وهو ما يجعل الموظفين يهلعون هربا إلى الملاجئ خوفا من القصف عند سماع صافرات الإنذار مما يقلل من إنتاجية الموظف وهو ما حدى بهذه البنوك إلى اتخاذ هذا القرار في وقت يشهد فيه قطاع الأعمال والمصارف تراجع كبير جراء معركة طوفان الأقصى.
إن معركة طوفان الأقصى لم يسلم منها قطاع واحد ففي اليوم الثالث علقت 42 شركة طيران أمريكية وأوروبية وكندية رحلاتها إلى الكيان الصهيوني وقامت بإجلاء كوادرها مخلفا بذلك خسائر كبيرة للاقتصاد الصهيوني, وفي إجراء مستعجل لمحاولة انقاد قطاع الطيران قدمت حكومة الكيان الصهيوني خطة ضمان بمبلغ (6 مليار دولار) لتغطية التأمين ضد مخاطر الحرب لشركات الطيران الصهيونية لكي يضمن الكيان استمرار العمليات الجوية المدنية, وهذه الخطة ستعمق من خسائر اقتصاد الكيان واحتمالية ارتفاع تكلفتها مع إطالة أمد الحرب.
وفي قطاع الطاقة أعلنت شركة (شيفرون) الأمريكية إغلاق حقل غاز (تمار) وعلقت أيضا الصادرات عبر خط أنابيب غاز شرق المتوسط والذي يمتد من عسقلان حتى مصر مما تسبب بخسائر مالية كبيرة جدا تقدر بمئات ملايين الدولارات أسبوعيا, وفي هذا الشأن قدرت صحيفة (دمار كر الصهيونية ) التي تعني بالاقتصاد أن معركة طوفان الأقصى ستعرض استثمارات الغاز الطبيعي الى الخطر وهو ما يجهض طموح الكيان بأن يصبح مركز لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا, وتقدر خسائر قطاع الطاقة حتى الآن بأكثر من (6 مليار دولار) قابل للزيادة كلما طال أمد الحرب, كما مُني الاقتصاد الصهيوني بخسارة تتجاوز (25 مليار دولار) جراء توقف ميناء عسقلان وميناء حيفا وميناء اشدود نتيجة لوقوعها تحت الضربات الصاروخية للمقاومة الفلسطينية.
أما القطاع الزراعي فتُعد مستوطنات غلاف قطاع غزة التي اقتحمها المقاومون وتدور فيها المعارك هي السلة الخضراء التي يعتمد عليها الكيان, فهي مصدر (75% من الخضراوات) التي يستهلكها الكيان ومصدر (20% من الفاكهة) ومصدر (6.5% من الحليب), كما تضم مزارع الدواجن والماشية وأحواض تربية الأسماك كلها جرى توقفها بسبب معركة طوفان الأقصى مما تسبب بخسائر مالية فادحة لاقتصاد الكيان و زاد من حجم استيراداته من الخارج مما أدى إلى انعكاسات كبير ماليا واقتصاديا على الكيان, كما أن اغلب منتجات الخضراوات والمنتجات الغذائية تم سحبها لصالح المجهود الحربي أدى إلى ارتفاع حاد جدا في أسعارها وفاقم من ازمة نقصها في السوق.
إن معركة طوفان الأقصى تسبب حتى الآن بهبوط الشيكل الصهيوني بشكل حاد أمام الدولار وتسبب بخسارة (20%) من قيمته أمام الدولار حتى أصبح الدولار الواحد يعادل أربعة شيكل ـ عملة الكيان ـ ولحماية الشيكل من المزيد من الهبوط قام البنك المركزي الصهيوني بضخ أكثر من (30 مليار دولار) من أجل إيقاف هبوط الشيكل أمام الدولار, لكنه حتى اللحظة لم ينجح هذا الإجراء بل ما زال الشيكل يواصل الهبوط مما عمق من خسائر الكيان و إن الهبوط الذي يشهده الشيكل هو الأعنف منذ 39 عام فضلا عن أن البنك المركزي الصهيوني سوف يضطر إلى رفع أسعار الفائدة لتصل إلى (5%) لمحاولة تخفيض التضخم والتي لا أتوقع أن تنجح في ظل الكثير من المعطيات العسكرية والاقتصادية وحتى الانقسام السياسي داخل الكيان فضلا عن هروب رؤوس أموال عالمية, كما شهدت بورصة تل أبيب تراجعا كبيرا على صعيد سوق المال والبورصة انخفض (مؤشر تل أبيب 35 بنسبة 6.47%) ، (ومؤشر تل أبيب 125 بنسبة 6.69%)، (ومؤشر تل أبيب 90 بنسبة 7.86%), فيما انخفض مؤشر عقارات (تل أبيب بنسبة 9.48%)، و(مؤشر البنوك بنسبة 8.7%), وتقدر خسائر البورصة الصهيونية حتى الآن بأكثر من (36 مليار دولار) وبتزايد كبير.
ويشهد الداخل الصهيوني غليان وتنافر كبير فيما بين أقطابه فقد وجه يوسي فرانك الرئيس التنفيذي ومالك شركة (إنرجي فيينناس)، انتقادات شديدة اللهجة إلى محافظ بنك المركزي الصهيوني أمير يارون، بسبب فتح التعاملات في بورصة تل أبيب، وقال "نحن في حالة حرب وكل شيء ينهار", و تساءل فرانك "لماذا أعطيت الأوامر بفتح البورصة؟ أليس تعليق تداول العملات الأجنبية لعدة أيام وإيقاف النشاط في البورصة جزءا لا يتجزأ من محاولة تهدئة الأسواق والجمهور ومنع انهيار الشيكل والمؤشرات والأسهم الإسرائيلية؟", بالوقت نفسه انخفضت المشتريات على البطاقات الائتمانية بنسبة (12%) بالقياس مع نفس الفترة من العام الماضي ليستمر نزيف الاقتصاد الصهيوني على وقع ضربات صواريخ المقاومة الفلسطينية, وكان البنك المركزي الصهيوني قد خفض من توقعاتها لنمو الاقتصاد الصهيوني لعام 2024 من( 3%) الى ( 2.3%) وقد يشهد تراجعا أكثر كلما طال أمد الحرب, وتتوقع وكالة ستاندرد آند بورز انكماش اقتصاد الكيان بنسبة 5% في الربع الرابع من هذا العام مقارنة بثلاثة أشهر سابقة, فيما وضعت وكالة موديز تصنيف ديون الكيان قيد المراجعة لخفض التصنيف، ووضعت وكالة فيتش التصنيف الائتماني للكيان تحت المراقبة السلبية جراء معركة طوفان الأقصى, كما أن السندات الصهيوني خسرت (10%) من قيمتها حتى الآن جراء معركة طوفان الأقصى.
كما أن حركة التسوق تشهد تراجعا كبير في وقت هناك تناقص تدريجي في المؤن جراء تزاحم المستوطنين على الشراء بكميات كبيرة للتخزين مما تسبب في رفع الأسعار وانخفاض في توفير بعض المنتجات وهو ما سيفاقم من حجم التأثير على شبكات التسوق وبالتالي حدوث تأثير اقتصادي كبير مع استمرار معركة طوفان الأقصى واغلاق المصانع والمعامل داخل الكيان المحتل, كما أن قطاع البناء الصهيوني يخسر يوميا ما يقارب (37 مليون دولار) بحسب تقارير صهيونية, أما قطاع النقل هو الآخر يشهد خسائر كبيرة جراء الإغلاق بسبب صواريخ المقاومة وكذلك قلة الأيدي العاملة بهذا القطاع مما تسبب في ضعف كبير في إيصال البضائع والمنتجات إلى أغلب المناطق, فضلا عن توقف تام لقطاع السياحة والمطاعم والذي تقدر حجم خسائره ما لا يقل عن (3.5 مليار دولار) حتى اللحظة خصوصا وأن هذه الفترة تعتبر الذروة السياحية للكيان في كل عام وستتفاقم مع إطالة أمد الحرب, كما أن الشركات المتعثرة بسبب الحرب تلقي بظلالها على الاقتصاد الصهيوني خصوصا و أنها تضم أكثر من (8550 عاملا) وهو ما يعني مزيدا من الخسائر الاقتصادية واحتمالية تزايد أعداد المستوطنين الذين يخسرون أعمالهم بسبب الحرب.
وفي تقديرات نشرتها وزارة المالية الصهيونية والبنك المركزي الصهيوني يتوقع أن تبلغ حجم الخسائر اكثر من (18 مليار دولار) والواقع سيكون أكبر من هذا الرقم وأن العجز في الموازنة العامة لعام 2024 سيتخطى (20 مليار دولار) وكلما طال أمد الحرب زاد العجز , كما أن سوق العمل الصهيوني يخسر أسبوعيا (1.2 مليار دولار) جراء نقص الأيدي العاملة وسحبها للحرب, ولم تتوقف الضربات الاقتصادية للكيان عند هذا الحد, بل هدد اتحاد المؤسسات التجارية بمنح إجازة بلا راتب لحوالي (100 ألف عامل) بسبب الحرب واستمرار إقفال المصانع والشركات والذي سيعمق من خسائر الكيان اقتصاديا ويزيد من اضطراباته الداخلية, كل ذلك دفع الكيان لإصدار سندات لسحب الأموال من الخارج لمحاولة سد النقص وإعطاء جرعة انعاش لاقتصاده الذي يتهاوى يوميا على وقع خسائر مريعة مع أكثر من نصف مليون صهيوني هرب من مستوطنات الغلاف ليتم إسكانهم في فنادق ومخيمات تكبد اقتصاد الكيان خسائر مالية فادحة.
إن التكلفة الباهظة المالية للخسائر العسكرية للكيان تقدر بمليارات الدولارات من آليات جرى تدميرها وأسلحة تمت السيطرة عليها ومعسكرات تم تدميرها فضلا عن الصواريخ التي تطلقها القبة الحديدية لمحاولة تدمير صواريخ المقاومة وكذلك الطلعات الجوية الصهيونية التي تستهدف أهلنا في غزة و زيادة أعداد الجنود والتي ترتب عليه زيادة الإنفاق الحربي والتنقلات العسكرية والاستنفار الأمني والتي تتطلب تكاليف كبيرة جدا وغيرها من المتطلبات العسكرية التي تستلزم استنزاف مالي كبير جدا, فضلا عن خطة الاجتياح البري التي ستكبد الكيان خسائر مالية فادحة جدا كلها ستعمق من خسائر الاقتصاد الصهيوني لتكون اكبر خسارة اقتصادية بتاريخ الكيان على وقع صواريخ المقاومة الفلسطينية زهيدة الثمن كبيرة الضرر على الكيان عسكريا ونفسيا واقتصاديا, لكن الخسارة الأكبر هي أن بيئة الكيان أصبحت رسميا طاردة للاستثمار وهو ما يجعل أغلب الشركات التي كانت عاملة في الكيان لن ترغب بالعودة للعمل فيه مرة أخرى كونها فقدة الثقة بالكيان امنيا واقتصاديا وهنا تكمن أعظم خسارة يتلقاها الاقتصاد الصهيوني الذي سيبقى يترنح تحت تأثير معركة طوفان الأقصى لمدة ليست بالقصيرة.