معركة طوفان الأقصى بالتقرير السياسي لهيئة علماء المسلمين في العراق (قراءة متأنية واستباقية)
تقرير أعده الكاتب الأستاذ أحمد صبري
من المناسب ونحن نقرأ نص التقرير السياسي الدوري للقسم السياسي في هيئة علماء المسلمين أن نتوقف عند دلالاته المفعمة بالتحليل والقراءة الاستباقية لمسار معركة طوفان الأقصى في محاولة لفهم اتجاهاتها على ما حققته في ميزان الصراع العربي الصهيوني وتصحيح مسار المعادلة التي كانت على الدوام لصالح الكيان الصهيوني المدعوم أمريكيا
وعندما نتوقف عند رصد ومتابعة هيئة علماء المسلمين بالعراق للحدث الذي قلب موازين القوى بالمنطقة والعالم بفعل ارتدادات معركة طوفان الأقصى فإنها تركز بمزيد من الفخر والاعتزاز والبطولة للمقاومة الفلسطينية وما حققته على الأرض من مكاسب فإن معركة (طوفان الأقصى) قد أدت إلى إحداث خرق كبير في جبهة العدو الصهيوني؛ وانتزعت من (الصهاينة) ما يدعى بـ (الأمان المطلق) الذي كانوا يظنونه متوفرًا عن طريق إقامة الجدار الإسمنتي على الحدود المغتصبة، فضلًا عن الخرق المعنوي الكبير في جبهة العدو السياسية ودوائرها المختلفة.
ويشير التقرير إلى إن صولة (طوفان الأقصى) هي واحدة من المعارك الفاصلة في تاريخ الصراع على فلسطين مع العدو الصهيوني؛ لآثارها الاستراتيجية التي ستتركها هذه الصولة على الكيان الذي أقام بنيانه على آلة حربية إرهابية بامتياز أطلق عليها صفة الردع بددت الخوف وأزالت الوهم من خلال تكريس حقيقتين اثنتين: الأولى هي إمكانية النيل من الكيان عسكريًا على وجه الخصوص، والأخرى أن هذا الكيان ليس قويًا بالصورة التي يبدو عليها، وأن عوامل التفكك والتآكل قد تمكنت منه بالفعل.
وحول آثار معركة طوفان الأقصى دوليًا وإقليميًا وعربيًا وعراقيًا يرصد التقرير الدوري لهيئة علماء المسلمين بالعراق انعكاسا أولا على الموقف الغربي والأمريكي عندما تداعت دول الغرب وأمريكا منذ اللحظات الأولى لإنقاذ الكيان ومحاولة تعزيز روحه المعنوية، وأكدت أن هذا الكيان هو موقع أميركي وغربي متقدم، وأنه أقيم في هذا المنطقة لاستنزاف قوتها ومنع وحدتها، فضلًا عن كونه جدارًا متقدمًا للدفاع عن الهيمنة الغربية في هذه المنطقة الحيوية؛ حيث لجأت الإدارة الأمريكية إلى دعم الكيان بكل قوة، عندما صرحت بأنها ضد إيقاف القصف المستمر وعملية الإبادة المتواصلة، واستخدمت حق النقض الفيتو ضد مشروع قرار إيقاف الحرب فورًا؛ بل حركت بارجاتها وقواتها للمشاركة في الحرب على (غزة)
كما ذهبت أوروبا إلى ما ذهبت إليه أمريكا فهي تصرح مرارًا وتكرارًا أنها لا تدعم "وقف إطلاق النار" ووقف إلى جانب إسرائيل ولها الحق في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإرهابية". وشاهدنا رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، وتصريحاته المخجلة خلال زيارته التضامنية للكيان الصهيوني ".
ويتوقف التقرير عند الموقف العربي والإقليمي بالقول إن دولتين إقليميتين كانتا محط نظر في هذه الأزمة الخطيرة، وهما تركيا وإيران، بحكم أن البعد العربي (الرسمي) قد تم تحييده بطرق وسياسات تختلف، فيما تنهش جسده سياسات التطبيع وغيرها، التي وضعت عراقيل كثيرة أمام حركة شعوب هذه الدول في التعبير عن التضامن مع (غزة) ومعركتها الفاصلة؛ في ظل مواقف رسمية لم ترق إلى الحد الأدنى الواجب من المسؤولية.
ولم يرتق الموقف التركي -على الرغم من أنه الأعلى مقارنة بغيره من خلال لهجة الخطاب الرسمي القوية، والسماح للشارع التركي بالتعبير بحرية عن تعاطفه الكبير والمعروف مع قضية القدس وفلسطين- إلى الحد المتوقع منه لدى كثيرين؛ حيث ما زال في وسع تركيا فعل أكثر.
أما إيران فإنها قد سقطت في هذا الاختبار؛ حيث وضعها (طوفان الأقصى) أمام مفترق طريقين صعبين لا يمكن الهروب منهما، وأحلاهما مر؛ إذ سيقود كل منهما إلى نتائج باهظة الثمن؛ فإيران كانت ولعقود تتبنى خطابا يركّز على دعم المقاومة في المنطقة، وتتخذ من ذراعها الأهم في المنطقة (حزب الله) وسيلة للترويج لهذا (الدعم)، فضلًا عن توافقها مع الاحتلال الأميركي للعراق عام (2003م)، الذي أتاح لها أن تبرز قوى أخرى وتضفي عليها صفة (المقاومة) الموهومة، وتتمثل في إنشاء ميليشيات قامت أساسا لدعم المجهود الحربي الإيراني ثم الأميركي بعد احتلال العراق، قبل أن تتحول هذه الميليشيات لـما يسمى (مقاومة إسلامية)! تدار مباشرة من إيران وحزبها اللبناني.
ويحدد التقرير خياران لإيران في ظل في هذه المعركة الحاسمة، يتمثل الأول منهما في دعم المقاومة الفلسطينية في غزة ومساندتها؛ بناءً على شعار ما يعرف بـ (وحدة الساحات)، التي تعني تداعي قوى المقاومة للمشاركة في أي مواجهة تندلع مع العدو، ولا سيما أن حزب الله وميليشيات إيران المؤتمرة بأوامره في سوريا، يقفان تمامًا في أقرب مواقع التماس مع العدو الصهيوني في ساحة مواجهة مباشرة بل قريبة جدًا من حدود الكيان.
أما خيار إيران الآخر، ومعها حزبها اللبناني؛ فيكون بالإحجام عن تأييد المقاومة الفلسطينية في غزة تأييدا مباشرا، وترك الأمور ضبابية تتراوح بين التصريحات الدبلوماسية والتطمينات والمناشدات وكل ما من شأنه أن يشتري الوقت ريثما تصل الأمور إلى نهاياتها.
ويرى التقرير إلى أن إيران قد خسرت خسارة كبيرة، وخرجت من هذا الامتحان (الطوفاني) بفشل كبير أكد صواب وصحة التيار المناهض لها ولدورها التخريبي في المنطقة. وكشف عن الوجه الحقيقي لحزب الله- عند من لم ينكشف له سابقًا- الذي علق فيه (أمينه العام) مسؤولية المعركة بالمقاومة الفلسطينية وحدها! وتنصل عن وعوده وعهوده السابقة بعذر: أن قرار المعركة كان فلسطينيًا خالصًا، وأن المقاومة الفلسطينية هي من تتحمل مسؤولية قراراتها وتحركاتها.
وركز التقرير السياسي لهيئة علماء المسلمين على الموقف العراقي من الحدث بالقول: الموقف العراقي مما يجري في غزة ليس إلا موقفا يتفرع عن الرؤية الإيرانية ولا يتجاوزها كما أن الميليشيات في العراق تعمل في ضمن إطار وحدود (التفاهمات) الصهيونية مع حزب الله التي باتت تعرف بـ (قواعد الاشتباك)، وكان لافتًا تكرار إشارة (حسن نصر الله) إلى ما يدعى (المقاومة الإسلامية في العراق)، وهو ما يؤكد عائدية هذه الميليشيات وخضوعها لقواعد الاشتباك متقدمة الذكر..
هذا على صعيد من يمثلون (الحالة الرسمية) في العراق في سياقات العملية السياسية القائمة بعد الاحتلال؛ أما على الصعيد الشعبي؛ فلا يخفى أن الشعب العراقي بأطيافه ومكوناته وهيئاته مع القضية الفلسطينية، ولن يتراجع عنها؛ لأنه يعدها قضية أولوية له على الرغم من معاناته من حالة الاحتلال وتداعياتها المستمرة منذ عشرين سنة؛ بخلاف النظام السياسي القائم الذي توافق مع التفاهم الأمريكي الإيراني وعمل على تهدئة حالة (التضامن المدعاة) مع معركة طوفان الأقصى
واستنادا إلى ما تقدم نخلص إلى ما يلي: أن التقرير السياسي الدوري لهيئة علماء المسلمين في العراق قد وضع النقاط على الحروف برؤية واضحة المعالم تستند لمواقف الهيئة كرافعة وطنية معبرة عن تطلعات الأمة عبر تحليل استباقي وموضوعي لمسار المعركة وارتداداتها على جميع الصعد وهي رؤية أبرزت موقف الهيئة المتقدم في رصدها لمسار المعركة وكشف المتاجرين بالقضية الفلسطينية.