.
بدا من نتائج عملية المداهمة التي نفّذها جهاز مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الدفاع العراقية الأسبوع الماضي لمقر تابع لإحدى الميليشيات الشيعية جنوبي العاصمة بغداد، أن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي قد خسر أول مواجهة له في معركة ضبط فوضى السلاح وفَرْض سيطرة الدولة على مجالها باستخدام قواتها النظامية.
لكنّ مصادر عراقية اعتبرت ما حدث في منطقة الدورة من توقيف لعناصر من ميليشيا حزب الله جرى إطلاق سراحهم لاحقا تحت ضغوط شديدة مارستها الميليشيات والقوى السياسية المرتبطة بها “مجرّد مناوشة أولية في معركة أطول مدى يلعب فيها الزمن والمتغيرات لمصلحة الكاظمي”.
وتوقّع أحد المصادر نقل المعركة إلى المجال المالي حيث يمتلك رئيس الوزراء أوراق قوّة يستطيع استخدامها في الضغط على الميليشيات وإضعافها عبر قطع قنوات تمويلها من موارد الدولة، مستندا في ذلك إلى حجة الحدّ من الهدر المالي وتعبئة الموارد التي لا يستطيع أحد الاعتراض عليها بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية والمالية التي وصلت حدّ الشك في قدرة الدولة على مواصلة دفع الرواتب والجرايات التقاعدية.
واعتبر ذات المصدر أنّ ما أعلنته حكومة الكاظمي بشأن قرارها بسط سيطرة الدولة على المنافذ الحدودية بما في ذلك المنفذ البحري بمحافظة البصرة، يأتي في صلب معركة تجفيف منابع تمويل الميليشيات التي ظلت لسنوات طويلة تستفيد من الفوضى السائدة في تلك المنافذ وتجني من خلالها أموالا طائلة سواء بفرض الضرائب والأتاوات على حركة السلع والأفراد، أو بالإشراف على إدارة الحركة التجارية بشقيها المشروع وغير المشروع بما في ذلك تجارة المخدّرات النشطة جدّا في الجارة إيران حيث تُصنع كميات كبيرة من الحبوب المخدّرة يروّج قسم هامّ منها في العراق بسبب سهولة دخولها إليه عبر المنافذ الممسوكة عمليا من قبل كبار قادة الميليشيات الشيعية رغم الحضور الشكلي للأجهزة الرسمية للدولة.
ضبط المنافذ الحدودية في قلب المعركة الاقتصادية ضد الميليشيات التي تعاني تراجع الدعم المالي الإيراني لها
وأكّد أحمد ملا طلال المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي أنّ إجراءات حازمة ستتّخذ من قبل أجهزة الدولة لفرض سلطتها الكاملة على المنافذ الحدودية، موضّحا في مؤتمر صحافي عقد في وقت سابق أنّ “غالبية إيرادات المنافذ تذهب لجيوب الفاسدين”.
وتحتاج الميليشيات الشيعية التي يقدّر عدد منتسبيها من قادة ومقاتلين إضافة إلى الجهاز الإداري والجهاز الإعلامي التابع لها، بعشرات الآلاف من الأفراد إلى مقادير كبيرة من المال لتضمن تماسكها والحفاظ على مستوى تسلّحها، ولتحافظ أيضا على حضورها بالساحة الإعلامية. وقد بدأت بالفعل تعيش مصاعب مالية حادّة ليس فقط بسبب تراجع موارد الدولة العراقية التي كانت تصل إليها بطرق متعدّدة وتحوّل قسما هاما منها لمصلحتها، ولكن أيضا بسبب المتاعب المالية والاقتصادية الكبيرة التي تعيشها داعمتها وممولتها الكبيرة إيران الواقعة تحت ضغوط العقوبات الأميركية الشديدة التي ضاعف من وقعها وباء كورونا وتراجع أسعار النفط.
وأكّدت مصادر مطلعة أنّ الأوضاع المالية لإيران أثّرت بشدة على دعمها المالي والعسكري لجماعات شيعية مسلحة تعمل بالوكالة عنها في العراق وتُعد من دعائم سياستها الخارجية الإقليمية.
ونقلت وكالة رويترز عن ثلاثة من قادة الجماعات العراقية المسلحة ومسؤول إقليمي على دراية بأنشطة إيران في العراق أنّ حالة الشلل التي تسبب بها فايروس كورونا، بما في ذلك إغلاق الحدود لمنع تفشي المرض، عطلت إلى حد بعيد إمدادات إيران النقدية للفصائل المسلحة في الأشهر القليلة الماضية.
وأضاف القادة الثلاثة أن الأموال التي تقدمها إيران تُخصص عادة للعمليات العسكرية المتعلقة بأنشطة الجماعات المسلحة مثل محاربة أعداء إيران، بما في ذلك شن هجمات على أهداف أميركية.
وقال أحد القادة الذي ينتمي لجماعة مسلحة قوية إنه منذ تفشي فايروس كورونا أوائل العام الجاري خفضت إيران مخصصاتها الشهرية لكل واحدة من الجماعات المسلحة الأربع الكبرى في العراق إلى ما بين مليونين وثلاثة ملايين دولار من 4.5 وخمسة ملايين دولار.
وأوضح القادة أن تقليص المخصصات المالية أثّر على عمليات الجماعات المسلحة واضطرها للبحث عن مصادر تمويل بديلة للعمليات العسكرية والأسلحة مثل مصالحها التجارية الخاصة.
وقال القادة الثلاثة والمسؤول الإقليمي إن الاضطرابات التي سببتها الجائحة تزيد من تقليص التمويل الذي تقدمه طهران للجماعات المسلحة والذي كان قد انخفض بالفعل خلال العامين الماضيين تحت وطأة العقوبات الأميركية على إيران. وأوضح المسؤول الإقليمي أن تمويل طهران لتلك الجماعات تراجع بالملايين من الدولارات.
وساهمت العقوبات، إلى جانب أزمة فايروس كورونا وتراجع أسعار النفط في إجبار إيران، التي تواجه عجزا كبيرا في الميزانية، على الحد من إنفاقها العسكري بما في ذلك مخصصات حرسها الثوري.
ويعد ارتباط إيران بوكلائها من الجماعات المسلحة في محور القوة الشيعي عبر العراق وسوريا وحتى البحر المتوسط، أمرا حاسما في استراتيجيتها لمواجهة النفوذ الأميركي مع وقوعها تحت ضغط العقوبات.
ويتفق برايان هوك المبعوث الأميركي الخاص بشؤون إيران مع القول إن العقوبات الأميركية لها تأثير على تمويل إيران للجماعات شبه العسكرية قائلا إنها توفر “أدلة إضافية على أن حملتنا للضغوط القصوى ناجعة في حرمان النظام الإيراني من الإيرادات لتمويل وكلاء الإرهاب وغيرها من الأعمال المزعزعة للاستقرار في أنحاء المنطقة”.
كما يأتي خفض تمويل الفصائل المسلحة في أعقاب مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في ضربة بطائرة مُسيرة أميركية ببغداد في يناير الماضي.
ويرى القادة الثلاثة والمسؤول الإقليمي ودبلوماسي إيراني كبير أن مقتل سليماني الذي كان قد أنشأ محور نفوذ لإيران عبر الشرق الأوسط وقاد حلفاء سياسيين في العراق، وجه ضربة لعمليات الجماعات المسلحة وأهداف إيران الأوسع نطاقا في العراق.
وساعدت الجماعات المسلحة المدعومة من إيران الحكومة العراقية في إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش في الحرب التي دارت بين سنتي 2014 و2017.
وشكّلت هذه الجماعات قوات ما يُعرف بالحشد الشعبي الذي ينتمي شكليا إلى القوات النظامية العراقية، وتنضوي تحت لوائه العشرات من الفصائل المسلّحة، بما في ذلك جماعات شيعية صغيرة تعارض الهيمنة الإيرانية.
ورفض مهند العقابي، مدير إعلام الحشد، التعليق لوكالة رويترز على أي أمور تتعلق بجماعات مدعومة مباشرة من إيران. وقال إن هيئة الحشد الشعبي تتلقى تمويلا ومعدات عبر قنوات رسمية من خلال الدولة العراقية حتى لو كان المصدر الأساسي للمال هو إيران في الغالب.
ولطالما اعتبرت طهران شركاءها المسلحين وسيلة لإثبات وجودها في العراق والتصدي لنفوذ واشنطن، حليف بغداد المهم. وأعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 2018 فرض العقوبات على إيران بما في ذلك إجراءات تستهدف الحرس الثوري في مسعى لكبح برامجها الصاروخية والنووية والحد من نفوذها في الشرق الأوسط.
وقال قائد جماعة مسلحة قوية وعضو فيها إنّه قبل أن تعاود الولايات المتحدة فرض عقوباتها كانت طهران ترسل ما بين 12 و15 مليون دولار شهريا لحلفائها المسلحين في العراق.
وإضافة إلى تعطل التمويل من إيران، قال القادة الثلاثة إن إغلاق الحدود وجائحة كورونا قلّلا تدفق أنواع أخرى من الدعم الإيراني بما في ذلك الذخيرة وتدريب مقاتلين عراقيين يُرسلون إلى سوريا لمساندة الرئيس بشار الأسد في صراعه مع المعارضة المسلحة. وأوضح القائد الثاني أن التدريبات كانت تشمل حرب الشوارع واستخدام القذائف المضادة للدروع واستخدام الطائرات المُسيرة لتحديد مواقع العدو. وقال إن كل ذلك توقف.
وبدا من خلال الحملة السياسية والإعلامية الشرسة التي شنتها ميليشيات وأحزاب شيعية على رئيس الوزراء العراقي إثر عملية توقيف عناصر من كتائب حزب الله، أن تلك الميليشيات والأحزاب المرتبطة بها لا تزال في أوج قوّتها وباستطاعتها التحكّم في سياسات الدولة العراقية وتوجيهها بحسب ما تقتضيه مصلحتها ومصلحة إيران وصراعها على النفوذ في العراق والمنطقة.
لكنّ مراقبين يؤكّدون أن الوقت يلعب لمصلحة دعاة استعادة الدولة العراقية لتماسكها وسيطرتها على قرارها السياسي والأمني، بما في ذلك تيارات وشخصيات سياسية شيعية أصبحت تميل لدعم رئيس الوزراء وحمايته من السقوط بفعل ترسّخ قناعة لديها بأن استمرار الوضع في البلد على ما هو عليه من سوء بات ينطوي على خطر حقيقي على النظام القائم منذ سنة 2003 وتقوده بشكل أساسي الأحزاب الشيعية.
وتقوم نظرية الكتل المنحازة لرئيس الوزراء على وجوب دعمه في جهود تقليص نفوذ الميليشيات وضبط سلاحها، حفاظا على تماسك الدولة ودرءا لشبح الانهيار عن النظام الذي واجه منذ أكتوبر الماضي أكبر موجة احتجاج شعبي طالب المحتجون خلالها بإسقاطه نظرا لفساده وفشله في قيادة الدولة.
ويرى بعض السياسيين العراقيين أنّ تجنّب حكومة الكاظمي استثارة الميليشيات وعدم الدخول في مواجهة مسلّحة ضدّها في الوقت الحالي، لا يمثّل بالضرورة علامة ضعف إزاءها، بقدر ما يعني حرمانها من اختيار توقيت المعركة التي قد تكون أسهل وأقلّ كلفة بعد ترك قدراتها تتآكل بفعل الأزمة المالية وتناقص قدرة إيران على دعمها ماديا وإسنادها سياسيا.