بقلم: زينب زكي غائب
خلق الله الإنسان و ميّزه بالعقل وبدأ بتعليمه فقال تعالى (وعلّم آدم الأسماء كلها) ومن ذاك الوقت بدأ السعي لطلب العلم؛ فالعلم استثمار العقل في ملاحظة الطبيعة ومعرفة تكويناتها وكيفية الاستفادة منها، فبالعلم اكتشف الإنسان المادّة وصنفها واخترع الطاقة وسعى لتجديدها، وهنا بدأت حاجة الإنسان تتطور وتزيد يوما بعد آخر لتغدو الحاجة هي أم الاختراع، فعندما احتاج الإنسان إلى الطعام اخترع آلات الصيد، واحتاج المأوى فابتكر صناعة المواد البنائية والإنشائية وأوجد علم الرياضيات والقياس والهندسة، واحتاج الأمان والصحة والتواصل الاجتماعي والنقل والكتابة واحتاج إلى التوقيت وحساب الأيام، وما إلى ذلك من تطور الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية و الاتصالات والتكنلوجيا الحديثة. فالحرب العالمية الأولى والثانية تركت أثرا فتاكا على الإنسان إلا أنه أبدى تطورا في العلوم والتكنلوجيا
وهنا لبُّ ما أومئُ بالإشارة إليه فالدول المتقدمة علميا وصلت إلى أن التقدم العلمي يؤدي بالنهاية إلى تقدم الأمّة ونجاحها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؛ وأن العدو الأول لأي أمّة هو الجهل، وأنَّ المنجي من ذلك هو البحث العلمي؛ فقامت الدول بإنشاء مراكز للبحث العلمي التطبيقي مثل الوكالات الاستكشافية في مجال علوم الفلك والطبيعة والفضاء والصناعة العسكرية وعلوم السموم التي انبثق منها الدواء وعلم التكنلوجيا والاتصالات؛ وصارت الدول تتسابق بعجلتها العلمية؛ ومن يصل أولاً سيحظى بالسيادية الأولى، ولذلك ذهب بعضهم إلى أن العلم والتطور هو أصل السيادة و منبعها. ومن هنا فالمعاهد البحثية العلمية التطبيقية هي التي تضع الفرضيات والنظريات التطويرية للبلد؛ وهذه المعاهد التطويرية احتاجت إلى باحثين وعلماء ومطورين ووهو ما أدى إلى ظهور الجامعات والمدارس التأهيلية للبحث العلمي؛
فنجد في كل بلد متطور نوعين من التعليم:
الأول: التعليم البحثي الذي يقوم في الجامعات والمدارس ووظيفته إظهار جيل مفكر يقوم بالتخطيط للوطن من خلال الدراسات والأبحاث الأكاديمية التطبيقية البحتة.
أما الثاني: فهو التعليم المهني الذي يقوم بإعداد جيل من العمال التقنيين الذين يقومون بتنفيذ ما نصت عليه البحوث التي قام بها أصحاب الشهادات الأكاديمية و ينفذونها على أرض الواقع للتطوير الصناعي والزراعي وغيره مما يساهم بتقدم البلد.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ الدول المتقدمة وصاحبة القوة والنفوذ حاولت بشتى الوسائل احتكار التقديم العلمي، فوضعت خططا تخريبية لكل منافسيها نجحت في بعضها وفشلت في البعض الآخر؛ فساهمت بتهجير العلماء من بلدانهم للعمل لصالحها، واغتيال العلماء البارزين في التطوير العسكري كما حصل أيام الحرب العالمية الأولى والثانية؛ لأن المنافسة على امتلاك الطائرات المدرعة والدبابات والقنابل كانت على أشدها، لأن الدولة التي تتوصل لابتكار السلاح أولاً هي التي يمكنها حسم الحرب و الغنائم لصالحها.
وهنا نشير إلى عراقنا المظلوم والجريح الذي ضاعت فيه القيم السامية في توظيف العلم وضاع مشروع البحث العلمي التطبيقي، فتناسى العراق حكومة وشعبا بسبب السياسيات الحكومية البائسة، بأن الهدف من الجامعات هو إنشاء جيل باحث في العلوم التطبيقية وإنشاء الخطط وكيفية التقدم، من أجل العمل الصناعي و تحسين الانتاج الزراعي والتجاري الذي يقوم به العمال التقنيون وليس الخريجون الأكاديميون؛ لكن ما يجري في العراق هو تكديس للباحثين من خلال إنشاء وافتتاح جامعات حكومية وأهلية دون المستوى المطلوب ودون دراسة الحاجة لهذا الكم الهائل من الجامعات التي لا تحظى بتقييم إيجابي ولا تدخل حتى في التصنيف العالمي للجامعات؛ حيث تجاوز عدد الجامعات أكثر من 85 جامعة بين حكومية وأهلية
وبدلاً من أن تقوم الدولة بتنظيم الناشئة، قامت بدفعهم نحو الجامعات وتكديسهم وخنق مؤسساتها بتوظيفهم في حين أنها كانت من المفترض أن تقوم ببناء المصانع و المنشآت واستصلاح الأراضي واستثمار الأنهار وتوظيف الشباب التقني العامل؛ إلا أن السياسات الحكومية هي منح الأحزاب المتسلطة في العراق مزيدا من المال من خلال إنشاء الجامعات الخاصة بعيدا عن فائدها للمجتمع والتقدم في البحث العلمي.
ولذلك فقد الطلاب العراقيون بسبب سوء التخطيط الأمل بالتعلم، فأصبحت الجامعات مكانا للنزوات والرحلات الترفيهية والأعمال التي يزيلون بها كبت مراهقتهم؛ مبتعدين عن الهدف الحقيقي وهو التعلم ونهل العلم ومواكبة التطور العلمي؛ حتى أصبح حلم الطالب الجامعي هو الحصول على الدرجات الامتحانية فقط ليأتي يوم التخرج وحصوله على الشهادة ليبحث بها عن عمل يعيل بها نفسه
وليس هذا فحسب بل تمادت الدولة بتقديم المميزات المالية للموظفين الحاصلين على تعليم، وهذا دفع أغلب الموظفين بل كلهم للتوجه إلى الجامعات للحصول على شهادات دون جهد منهم (وذلك بالاتفاق مع جهات تمنحهم الشهادة العلمية دون ما جهد) فنجد الكثير من ضباط العراق قاموا بالتوجه لجامعات الحقوق دون أن يباشروا بالدوام ثم يحصلوا على الشهادة بدون حتى دخولهم إلى الامتحانات الدورية، ناهيك عن عدم إيجادهم اللغات المطلوبة كالإنجليزية مثلاً في حال لو تمّ تمثيل الدولة أمام الآخرين، وكذلك نجد الكثير من المسؤولين وأبنائهم لا يدفعهم الدخول للجامعات سوى نيل الشهادة الجامعية _ولا يبذلون أي جهد يذكر_ للحصول على مناصب في الدولة يدفعهم إليها آباؤهم و أحزابهم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الانحدار بل تمادت الدولة كثيراً بافتتاح أبواب الجامعات الأهلية التي مهدت الطريق للموظف الفاسد لنيله الشهادات العلمية التي لا يملك صاحبها منها إلا حبرًا على ورق؛ ليطالب بتقلده مناصب الدولة لأنه يملك الشهادة الجامعية التي نالها بالوساطات والرشا؛ حيث يمارسون استغلال مناصبهم في إغواء الفاسدين من عمداء الجامعات لنيل مطالبهم البخسة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الانحدار وإنما افتتح هؤلاء الفاسدون مدارس أهلية للتعليم مع وظيفتهم الحكومية التدريسية مثلا التي قصروا في تأديتها مبتعدين عن الناشئة في مدارس الدولة متجهين لمشاريعهم ذات الهدف الرخيص؛ لينقسم بذلك المجتمع إلى طبقتين من المتعلمين: الأولى هم المغبونون من ذوي التعليم الحكومي غير المجدي، والثاني طبقة التعليم الأهلي الذي لا جدوى سوى الالتجاء إليه.
وما زاد الوضع سوءا وفسادا وباء (كوفد-19) ومسألة التعليم الإلكتروني الذي فتح باب الغش في الامتحانات وقلب موازين التعليم المتدهورة أصلا، فأضافت الجائحة عبأ على أرباب الأسر الفقيرة بسبب التعليم وضرورة توفير الأجهزة الإلكترونية لأطفالهم لينالوا حقهم بالتعليم.
فالتعليم في العراق أصبح أشبه بالغاية للحصول على الشهادة الجامعية للسعي خلف التعيين ومناصب الدولة دون الالتفات إلى أن بهذا العلم نستطيع تطوير أنفسنا أولاً وتطوير من حولنا والمجتمع بأكمله، وهذا ما نفقده في العراق في ظل حكوماته المتعاقبة ونظامه السياسي الذي ساهم في تدمير العلم والبحث العلمي، وفي ظل هذه الظروف العصيبة والسيئة التي يمر بها عراقنا الحبيب ليس لنا إلا أن ننتظر جيلًا جديدًا يعي أهمية العلم ويعي كيفية إعادة تنظيم هذا الشعب المظلوم بجهله.