مسرحية الفتح المرعب
بقلم| أ. مكي النزال
الاحتلال الأمريكي للعراق مسرحية رعب كتبها مؤلف شرير وأخرجها عبقري لا يقل إرهابًا عن (ألفريد هيتشكوك) الذي صارت أفلامه مسلّية وممتعة قياسًا بفصول هذه المسرحية.
فلقد كان الفصل الأول مشحونًا بالخوف من بلد يمتلك القدرة على تدمير العالم، ففيه أسلحة نووية وأخرى كيماوية وثالثة جرثومية، وكل هذه الأسلحة ستستخدم حتمًا لقتل شعب هذا البلد ثم الدول المجاورة ثم العالم البريء!
هذا البلد يتعاون مع أعتى إرهابي في العالم وهذان الحليفان سيمضيان معًا ليحولا العالم المتحضر إلى آخر متخلف يحكمه دكتاتور سينتصر على الحرية والديمقراطية فيحول الحضارة إلى هيئة الإنسان الحجري الأولى.
في الفصل الثاني – المشهد الأول - انتخى أخيار العالم فحشدوا حلفًا من الأبطال يقودهم رجل خاطبه الله وأمره أن يخلص العالم من المجرمين فحمل صليبه متوكلاً على ترسانة من أقذر الأسلحة التي باركها قساوسة وأئمة وملوك ورؤساء وروج لقدسيتها إعلاميون وخطباء بعضهم إسلامي للنخاع وآخرون يقدّسون القومية ومجموعة من الوطنيين الذين يتحرقون لإنقاذ وطنهم من الأرواح الشريرة وتحويله إلى جنة لا يجوع فيها المواطن ولا يعرى ويسير بين الحدود آمنًا مطمئنًا لا يخشى حتى الذئب على غنمه.
وفي المشهد الثاني تدخل جيوش بوش الفاتح – بطل المسرحية – فتُسقط الأصنام ويخرج عدد من الكومبارس لتقديم الورود وإرسال القبلات في الهواء ويبدأ الحفل الراقص على وقع قرع طبول الفاتحين المنتصرين الذين جاءوا بالحرية والرخاء وسحق الظلم والاستعلاء وحقن الدماء.
يحلم المتدينون بمساجد قبابها من ذهب، وشاربو الخمر بأفضل ويسكي إسكتلندي، ومحبو النساء بإرساليات مستعجلة من روسيا وآسيا، والشعراء بأجواء حالمة ستعينهم على كتابة معلقاتهم التي طالما انتظروا فرصة ولادتها، والملحدون بحرية الكفر، والعاهرات بأفضل النوادي الليلية.
أسدل الستار على المشهد وأغمض الجميع عيونهم ليحلموا بفصل يتيح لهم تحققها وحين رفع الستار عن الفصل الثالث صرخ الجميع صرخة ذهول تلتها صرخات خوف ثم صرخات ألم ثم زخات لا تنتهي من دموع كأنها الجمر! فالمؤلف اللئيم سفه احلامهم الوردية بمشهد من الدماء تسيل من أجسادهم والقيود تكبلهم والأكياس تغلف رؤوسهم ونساؤهم تصرخ ألمًا وحسرة على فقدهم.
وتتوالى الفصول في ظلام دامس وهلع مرعب، فلقد سادت الطائفية والقتل على الهوية وتفشت الأمّية وتبدّل الحاكم بألف وقطعت الطرقات بحواجز الاسمنت الأصم وقطعت الأشجار وقصفت المدن بالطائرات وتفاقمت الأزمات وأُزهقت الأرواح وظهر السلاح وتبددت الآمال بأيام النزهات وبالليالي الملاح.
الفصل الذي نعيشه اليوم سينتهي بمزيد من الاحتقان بين سني ستان وشيعي ستان ويقسم الوطن إلى أوطان ويكرس حكم العمائم المتفقة على اقتسام الغنائم.
سيبقى حكم سادة الخضراء للديار مع ترقيع محسوب وتبادل سمج في الأدوار.
ولمن يسأل عن الفلوجة فلقد كتب لها أن تبقى الضحية مهما آلت له النتائج الحربية في معركتها الطاحنة الحالية وكذلك الحال مع المدن التي خرجت من يد سلطة بغداد صار لا بد أن تستعاد. وتبقى هذه المدن مجهولة المصير فإن سيطرت عليها المليشيات حلت عليها اللعنات، كيف لا وهي المتهمة بالإرهاب فلا بد من عقاب يبلغ حد العذاب بالإفقار والإذلال، وإن بقيت خارج قبضة الحكام فمصيرها الموت الزؤام من قصف يومي وحصار وستدفع ثمن حلم الحالمين بدولة للمسلمين.
الكل أدى دوره، فالسياسيون الصغار ساندوا الكبار في التدليس وتزوير الحقائق بما أعجز إبليس، والطيبون ذرفوا الدموع وأشعلوا الشموع ورفعوا أياديهم بالدعاء لأبرياء جياع ونازحين تائهين في مدن الضياع.
الإعلام غطى على الجريمة ببراعة وزوقها بوضاعة.
المجتمع الدولي – وهو منتج المسرحية الوضيع - سخر من الجميع، ونجح في إراقة المزيد من الدماء من العراقيين الأبرياء كما نجح في تمزيق نسيج العراق المجتمعي المتهالك أصلاً والواقع في ألف بلاء.
الحالمون بدولة مدنية عراقية تشرذموا بين عائد للطائفية وآيس من أحلامه الوردية، والاحتلال كسب ما لا يقل عن سنتين من الوقت لإكمال مشاريعه السياسية في العراق والمنطقة العربية.
العرب حائرون بعد فشلهم في اليمن وليبيا عسكريًا وفي العراق سياسيًّا ولا أراهم إلا يندبون حظهم العاثر على فادح الخسائر وهم ينتظرون مفاجأة ما في بلدانهم (ما تبقى منها) قد تطيح بهم سيما وقد تخلت عنهم حليفتهم وحاميتهم الكبرى وصارت تتلاعب بهم بسخرية.
ولست أزعم أني أعرف كيف ستنتهي المسرحية!