محطات من تاريخ الجيش العراقي
ماض حافل بالبطولات والتضحيات ومستقبل مجهول بيد الطغاة
بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة عراقية)
منذ تأسيسه سنة 1921 وليومنا هذا يشارك الشعب الجيش العراقي احتفالاته بذكرى تأسيسه ومن جميل الصدف أن يتزامن عيد الجيش العراقي كل سنة بعد أيام قليلة من احتفالات العالم برأس السنة الميلادية الجديدة، وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) كانت تمنح للعسكري بصورة عامة إجازات دورية منتظمة، أمّا العسكري المسيحي، فيمنح إجازة خاصة لأيام متعدّدة يتمتع بها مع عائلته بغض النظر عن إجازته الدورية الطبيعية، باستثناء حالات الإنذار القصوى عند اندلاع المعارك، ففيها تتوقف جميع الإجازات الاعتيادية والاستحقاقات للمنتسبين كافة. ونفس هذا التوجّه ينطبق على المكوّن الأيزيدي والصابئي خلال أعيادهم الدينية، وهذه من الميّزات الحسنة والبارّة في سلوكيات الجيش العراقي وتقاليده العريقة حتى في أحلك الظروف.
وعلى مر التاريخ والأزمان شهدت بلاد الرافدين العديد من الحروب التي خاضتها، تارة لصد هجمات الغزاة والمعتدين دفاعًا عن نفسها وتارةً أخرى للحفاظ على وحدة وتماسك أراضيها والحيلولة دون تشرذمها وتفتتها إلى دويلات صغيرة ضعيفة، وتارةً ثالثة لإزالة آثار العدوان، وطرد المعتدي الغاصب، واسترداد السيادة الكاملة على الأرض.
تاريخ العسكرية في العراق ضارب في القدم ويُخبرنا التاريخ أن أول جيوش التي عرفها الإنسان تشكلت على هذه البقعة من الأرض، بداية من الممالك السومرية مرورًا بالإمبراطورية الأكادية والبابلية وصولًا للقرن التاسع قبل الميلاد حين وضع الآشوريون الأسس التي يعرفها العالم اليوم لبناء وتشكيل الجيوش النظامية.
وبحسب الدراسات يعد الجيش العراقي من أقدم الجيوش النظامية في العالم، وأنه اكتسب على مدار تاريخه قدرات هائلة على الصمود والنهوض مجدداً بعد كل كبوة، والأدلة والبراهين على ذلك كثيرة وكبيرة.
حظى الجيش العراقي بمكانة عظيمة واحترام شعبي ودولي لتاريخه العريق ودوره الوطني داخليا وإقليميا بل وعالميا، ولم يكن الجيش يوما مجرد أداة للحروب بل كانت المؤسسة العسكرية نواة للتنمية الشاملة وقاطرة التحديث بالمجتمع التي تنصهر بها كل الخلافات محققا الاندماج الوطني واليد العراقية القوية مائة وواحد من السنة مرت على تأسيسه ذلك الجيش الشرس أقدم جيوش الشرق الأوسط في العصر الحديث. خرج من رحم الحرب العالمية الأولى وصراع الأضداد ابان تنامي الاستعمار البريطاني، الذي زحف ثلاث سنوات نحو العراق (1914-1917)، محملاً بأحدث الأسلحة..
كان تأسيس الجيش العراقي في 6 يناير (كانون الثاني) 1921 مغامرة وطنية، بعدما ترك الأتراك بغداد تحت ضربات الإنجليز وبلا جنود محليين، تشكلت أولى وحدات القوات المسلحة العراقية في تلك السنة خلال الانتداب البريطاني للعراق، حيث تشكل فوج موسى الكاظم واتخذت قيادة القوة المسلحة مقرها العام في بغداد، تبع ذلك تشكيل القوات الجوية العراقية عام 1931 ثم القوة البحرية العراقية عام 1937 وصل تعداد الجيش إلى ذروته مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية ليبلغ عدد أفراده 1,000,000 فرد.
بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أصدر الحاكم المدني للعراق بول بريمر قراراً بحل الجيش العراقي فأعيد تشكيل الجيش وتسليحه من جديد.
كان للجيش العراقي معارك وملاحم عراقية وعربية؛ حيث كان له دور ملحوظ عام 1948 إبان الحرب العربية – الإسرائيلية، وكذلك بالمعارك التي تلتها في 1967 و1973 وتوجد إلى يومنا هذا مقبرتين لشهداء الجيش العراقي في سوريا والأردن، في العام 1958 كان الجيش العراقي يتألف من أربعة فرق مشاة: فرقة مشاة 1 في الديوانية وفرقة مشاة 2 في كركوك وفرقة مشاة 3 في ديالى وفرقة مشاة 4 في الموصل.
الجيش العراقي هو الجيش الأوحد من جيوش الدول العربية شارك مع دول المواجهة (سورية، الأردن، مصر) في كل الحروب العربية ضد الدولة العبريّة في فلسطين، فقد شارك في حروب عام 1948، 1967، 1973، وقبل ذلك أسهم في القتال ضد الإنكليز والعصابات الصهيونية في فلسطين قبل عام 1948، من ضباط ومتطوعين عراقيين، وأن الجيش العراق خاض أطول حرب خلال القرن العشرين ضد إيران، استمرت ثمانية أعوام.
في حرب تشرين أو حرب أكتوبر مع الكيان الصهيوني عام 1973، سقطت في أرض الكنانة مصر، ثلاث طائرات عراقية أثناء اشتباك جوي مع طائرات إسرائيلية، وتناثرت جثث طيّاريها وبقيت أشلاؤهم مغروسة في صحراء سيناء، تروّي دماؤهم الزكية ذلك التراب للدلالة على وقوف العراق وجيشيه إلى جانب أشقائه العرب. أما في سورية وخلال الحرب ذاتها فقد استشهد على أرض الشام 330، ضابطا وضابط صف، وخمسة عشر طيارًا شاركوا بأرواحهم للدفاع عن دمشق من أن تسقط بيد الصهاينة.
ومنذ ذلك التأريخ وإلى يومنا هذا يطلق على (الشهيد) وصف تأريخي ومعنوي بأنه (سارية علَمْ العراق)، وأُطلق أيضًا شعار سامي آخر هو (الشهداء أكرم منّا جميعًا)، فضلًا عن شعارات أخرى لها مغزى معنوي وإنساني وبطولي
يُعدّ العراق الدولة الوحيدة الذي قام جيشه باستخدام قوّته الصاروخية في ضرب الكيان الإسرائيل من أراضيه، بواقع 39 صاروخ أرض-أرض نوع سكود، وذلك أثناء حرب الخليج الأولى عام 1991.
عام 1988، كان عام الذروة للجيش إذ بلغ أوجّ قدراته وخبراته العسكرية، ووصل عدد أفراده إلى قرابة المليون مقاتل، ينتسبون إلى سبعة فيالق نظامية، وفيلق أول الخاص وفيلق للحرس الجمهوري، أما مجمل عدد الفرق فوصلت إلى أكثر من (70) فرقة، كاملة العدد والعدّة وجاهزة للدخول في أي معركة.
يمتلك الجيش العراقي ثلاث مقابر لشهدائه خارج حدود الوطن، الأولى في مدينة نابلس الفلسطينية، حيث تضم رفاة أكثر من (50) شهيداً والثانية في مدينة جنين، الفلسطينية وتضم (194) شهيدًا، أكثر من نصفهم مجهولي الهوية، وجميعهم استشهدوا خلال حرب عام 1948، وأرضها ملك للدولة العراقية منذ ذلك الوقت. وهناك مقبرة ثالثة تقع في محافظة المفرق الأردنية ضمت تحت ثراها (36) شهيدًا سقطوا خلال عام النكسة 1967. وبذلك يكون عدد الشهداء الذين روت دماؤهم أرض فلسطين خلال حرب عام 1948، وما بعدها (250) شهيدًا، ما عدا الذين نُقِلَت جثامينهم إلى العراق، عشرة منهم ضباط والباقي من ضباط الصف والجنود
نصب الجندي المجهول، هو قبر رمزي تُشيّده الدولة تخليدًا لجنودها الذين يُصرَعون في ساحة المعركة ويُصعب التعرّف إلى هوياتهم. وكتقليد شائع اتبعته أغلب الدول بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، نظراً للعدد الهائل من الجنود الذي سقطوا خلال المعارك ولم تعرف أسماؤهم، فدُفنوا حيث ما قُتلوا. وحذا العراق حذو تلك الدول وشيّد صرحاً لذلك في بداية ستينيات القرن الماضي، فتمَّ بناء نصب الجندي المجهول في الساحة التي سُميت باسمة آنذاك، بمنطقة العُلوية وصمّمه المعماري رفعة الجادرجي. لكن في منتصف السبعينيات قررت الحكومة العراقية تشييد نصب جديد أكثر إجلالاً وعظمة، بما يلائم ويوازي تضحيات الجندي العراق في المعارك التي خاضها خلال تأريخه الطويل ودفاعه المستميت عن تراب الوطن. وبعد اختيار التصميم الفائز الذي صمّمه النحات خالد الرحال، بوشر العمل فيه أواخر السبعينيّات وافتُتح عام 1983، وتزامن افتتاحه مع مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب العراقية الإيرانية وتصاعد ضراوة المعارك فيها.
ومن نافلة القول، أن نصب الجندي العراقي المجهول هو من النُصُب القليلة في العالم التي يضم تحت بلاطه رفاة جندي مجهول الهوية لا يعرفه إلا الله، جيء به من جبهات القتال بعد استشهاده في إحدى المعارك مع العدو الإيراني وقتئذٍ، وقد وري الثرى بمراسيم عسكرية مهيبة وموسيقى جنائزية في حينها، تقدّمهم رئيس أركان الجيش وألوية وعمداء وكبار المسؤولين في الدولة العراقية. وأن مصمم النصب الفنان خالد الرحال، هو الآخر دُفن فيه بعد وفاته، تحت أحد أقبيته التي تحمل الرقم (7) حسب طلبه في وصيته الخاصة. ومن البديهي ولعدم الازدواجية في تشييد النصب نفسه في مدينة واحدة فقد أزيل النصب السابق قبل الانتهاء من إنجاز النصب الجديد واُستُبدِل اسم الساحة التي كان فيها إلى أسم متآلف بالمعنى، هو (ساحة الفردوس).
يعتبر الجيش العراقي الحديث أكثر جيوش المنطقة خوضا للحروب بداية من حروب الاستقلال الأنجلوعراقية مرورا بالحروب القومية في 48 و73 ثم حربي الخليج الأولى والثانية وصولا إلى حرب العراق مع قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني والدول المتحالفة معها.
وصل الجيش العراقي أوج قوته عام 1990 حيث بلغ تعداد مقاتليه في الصنوف المختلفة مليون مقاتل، ما جعله يحتل المرتبة الرابعة عالميًا بين الجيوش الأكثر تعدادًا في ذلك الوقت. لم تخل هذه المسيرة الطويلة من الاشتباك السياسي، فشارك الجيش بشكل كبير في رسم سياسات العراق الحديث منذ تأسيسه وإلى اليوم.
ولمن لا يعرف فإن الجيش العراقي ومنذ تأسيسه وعلى مدار تاريخه كان جزءا لا يتجزأ من شعبه العظيم ومن أسباب قوة هذا الجيش أنه لم يعتمد يوماً على المرتزقة الأجانب وإنما اعتمد على أبنائه الطيبين الغيارى.
مؤسسة الجيش العراقي مؤسسة عسكرية عراقية مرموقة. ولعقود من الزمن يشهد لها الأعداء والخصوم قبل الأصدقاء، إنها كانت المصنع والمدرسة التي خرجت عشرات الآلاف من الأبطال الميامين ذوي البأس، وممن شاركوا في التصدي لكل التحديات التي واجهت بلدهم، ومن كل صنوف القوات المسلحة. تجد هذه المؤسسة نفسها الآن أنها أمام اتهام خطير وحالات تشكيك بالولاء تمس سمعتها في الصميم.
يحفل تاريخ الضباط العراقيين، ومن ينضوون تحت لواء تلك المؤسسة العراقية وضباطها الاكفاء، التي تنتسب إلى وزارة الدفاع، بأنها مصنع الرجال الأسود، ومن جربتهم سوح الوغى في كل المنازلات التي شهدها العراق، في أشرس مواجهات وحالات تآمر واستهدافات مختلفة واجهها هذا البلد على مر تاريخه، وخرج منها مرفوع الرأس، وهو يذيق العدا مر الهوان.
لم يجرؤ حتى الكيان الصهيوني وقادته العسكريين، ولا مؤسسات الغرب العسكرية العملاقة أن تنال من مؤسسة الجيش العراقي، أو أن تقلل من حجم قدراته ومهارات أبطاله ورجاله الأشاوس، بل بقيت تلك المؤسسة محل احترام وتقدير لمكانتها ودورها على الدوام، وصفحاتها المشرقة في كل الحروب التي واجهتها، كانت محل ثناء الاعداء والخصوم قبل الأصدقاء، لا كما يجري الآن من محاولات من الداخل لثلم تاريخ تلك المؤسسة العسكرية العراقية، التي تعد سمعتها خطا أحمر لا يمكن أن تناله يد آثمة، مهما كان لونها أو شكلها أو مسمياتها، فقد كانوا الأمل المرتجى الذي يحفظ الديار ويحمي الكرامة، ويحافظ على شرف العراقيين من أن يتعرض للامتهان
ترى كثير من قيادات الجيش الحالي برتبها العامرة، ومنتسبيها، أنها لم تعد تتحمل المتطفلين وممن يفرضون عليها أشخاصا ليست لهم صله بهذه المؤسسة، بعض المسؤولين والخونة يزجون عناصر في الجيش ويفرضونهم فرضا لجني الغنائم والمكاسب، حملات التشويه والافتراء التي تواجهها المؤسسة العسكرية الأصيلة في تاريخها وانتمائها، تأتي من ميليشيات وعناصر خارجية لا يعرف لها تاريخ؛ تحاول محو تاريخ هذه المؤسسة لتحل مكانها.
إن مسيرة الجيش العراقي كانت حافلة بالأحداث، لكن ما يعنينا هو المراحل الانتقالية فيه، والتي جعلته بشكل وآخر خاضعاً لأبعاد حزبية وأيديولوجية..
كنا نأمل أن يصار في المرحلة الحالية إلى إبعاد الجيش العراقي عن المحاصصة والتجاذبات السياسية، على اعتبار أنها تؤثر على الولاءات، وتحدث خللاً في المؤسسة الأمنية، وهو ما تحقق خلال سيطرة تنظيم "داعش" على العديد من المدن في البلاد، فالجيش انهار بشكل غير مبرر في المناطق التي تمكن التنظيم من السيطرة عليها، والسبب في ذلك هو تشتت ولاءاته.
فبعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 على يد تحالف دولي قادته الولايات المتحدة الأميركية، قرر الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، حلّ الجيش العراقي المكون من 400 ألف جندي، ثم بعد ذلك تقرر إعادة تشكيل الجيش.
الاختلاف في العقيدة العسكرية بين قادة الجيش العراقي، بحسب متخصصين، ألقى بظلاله على واقع الجيش الذي شهد مرحلة عصيبة أخرى بعد 2014، والأخطر من هذا كله، هو أن هناك محاولات تجري على قدم وساق، لتفكيك تلك المؤسسة من جديد، بعد أن فككها الأمريكان بعد احتلالهم للعراق، وأبعدوها عن أي دور محوري في تاريخ العراق، وتحولت حتى بعد إعادة بعض هياكلها، إلى مؤسسة ثانوية ليس لها اعتبار، وتسلطت عليها جهات متعددة وسيطرت على مقدرات تلك المؤسسة وعملت على إنهاء دورها شيئا فشيئا، بل واتهامها بالتآمر على العراق، وكأن قادتها أصبحوا حجر عثرة بوجه محاولات إعادة الهيبة للمؤسسة العسكرية العراقية التي عانت ما عانت من فقدان المكانة، وهي الآن في مراحل لفظ أنفاسها الأخيرة، بعد أن تم إنهاء دورها، وكأنها أصبحت وديعة في أحد متاحف الآثار بل أنها أمست من ذكريات الماضي القريب..