بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
مع بداية ثورة تشرين ونهاية عام 2019، صَوَّت البرلمان في العراق على إلغاء مجالس المحافظات المحلية؛ إثر الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي اجتاحت معظم مدن العراق ومن مطالبها حل المجالس؛ لأنها تمثل أحد أبواب الفساد والهدر المالي، إلا أن أحزاب السلطة لم يرق لها إيقاف الفساد والمكاسب الشخصية على حساب الشعب العراقي، فحاولت بكل الوسائل إعادة مجالس المحافظات وحددوا موعدا للانتخابات المحلية في تشرين الأول المقبل، وسط جدال بين الأطراف المتصارعة على السلطة حول تعديل قانون الانتخابات أو تغييره..
وبتاريخ 2 أيار 2023 وافقت حكومة المنطقة الخضراء برئاسة محمد الشياع السوداني على إجراء الانتخابات وأوعزت لوزارة المالية بتمويل الانتخابات بمبلغ 150 مليار دينار!
وستكون هذه أول انتخابات لمجالس المحافظات المحلية تجري منذ نيسان 2013 التي كان نوري المالكي يستحوذ عليها من خلال القوائم التابعة له باعتباره رئيسا للحكومة، وقد أجريت الانتخابات قبل ذلك في عام 2009. وكان من المقرر إجراؤها عام 2018، تزامناً مع الانتخابات البرلمانية حينها، لكن تأجلت أكثر من مرة.
واليوم وبعد مرور أكثر من 18سنة على أول انتخابات عامة في العراق بعد الغزو، لم يتمكن النظام السياسي في العراق من بناء دولة مؤسسات راسخة، ولم يقم بإعداد نظام رقابي مقتدر وكفوء يتولى مراقبة المعايير الديمقراطية والمجالس المنتخبة. والشعب العراقي بشكل عام ينظر إلى تجربة مجالس المحافظات على أنها تجربة فاشلة وكانت أحد أبواب الفساد الكبيرة في العراق.
فانتخاب مجالس محافظات جديدة لن يجعلها بالضرورة أفضل أو أكثر نزاهة من سابقاتها، وما دامت المجالس المنتخبة ستظل تعمل بموجب استحقاقات التوافق والمصالح المتبادلة بين القوى السياسية في غياب قوة ردع قانونية مستقلة أو صحافة حرة تعمل بلا ضغوط أو عنف، فلن يكون أمام الجمهور غير انتظار دورة انتخابية جديدة ستشهد مزيدا من المقاطعة بسبب الإحباط وخيبة الأمل. اليوم بدأت الأحزاب في العراق سباقا مبكرا وقبل أشهر لجذب الوجوه الجديدة إليها لتسويقها أمام العراقيين كمرشحين جدد في الانتخابات المحلية المقبلة، مجالس المحافظات ومع اختلاف أهداف هذه الأحزاب وتوجهاتها، تختلف أيضاً نوعية الوجوه التي تسعى إلى جذبها، مرة بالترغيب والوعود ومرة عبر محاولات الإقناع الجادة وفقاً للسياقات المشتركة بين الأحزاب وهؤلاء. وسبب هذا السعي تحسس القوى السياسية العراقية بالمجمل رغبة الشارع المتواصلة في اختيار وجوه جديدة غير تلك التي تصدّرت المشهد في السنوات الماضية.
أحزاب السلطة أصبحت تدرك أن الاعتماد على الطرق القديمة في اختيار المرشحين لم تعد نافعة، خصوصا أن الأحزاب الشيعية عادة ما تعتمد على ما يعرف ب"المجاهدين"، وهم الذين قاتلوا إلى جانب إيران ضد الجيش العراقي في الحرب العراقية الإيرانية 1980 ـ 1988 أما الأحزاب السنية فهي تعتمد عادة على الحزبيين ووجهاء المناطق، في حين أن الأحزاب الكردية تتعامل مع الترشيح بحصره في أعضاء الأحزاب واعتماد الولاء قبل الكفاءة في ذلك
ومع هذا فواقع الحال يظهر تراخي السيطرة الانتخابية واستمرار النفوذ بوسائل أخرى؛ وفي حال وقوع أي اضطراب ستؤدي إلى تهميش السلطة "المنتخبة" في مقابل سيطرة صاحب النفوذ على الأرض، وحينها فإن الإرادة الشعبية التي همشت حلفاء إيران لن تكون كافية أو قادرة على مواجهة هذا النفوذ باستخدام صناديق الاقتراع ولاسيما أن هناك منظمات تابعة لميليشيات خارجية والتي تقهقرت في خضم الحرب على التنظيمات غير الشرعية خلال العام 2008 وهرب قادتها ومعظم عناصرها إلى إيران يمكن أن تعاود الظهور مرة أخرى من أجل إعادة سيطرتها على مجتمع الجنوب العراقي، مكررة ما قامت به سابقا لتحقيق هذه الغاية من الاستعانة بحملة اغتيالات تستهدف بها سياسيين وأكاديميين وزعماء عشائر وشخصيات محلية نافذة يرفضون هيمنتها باعتبار أنها هيمنة طائفية وامتداد إيراني في مناطقهم.
وهناك من يظن أن هذه الانتخابات قد هزت قاعدة القوة الإيرانية الرئيسة مع خسارة حليفها المجلس الأعلى هيمنته في بغداد وجنوب العراق، لكن هذا التصور غير دقيق أو على الأقل غير متكامل، لأن المجلس الأعلى قد يكون خسر جزءا من سلطته لكن نفوذه لم ينكسر، إذ أنه يستند إلى سيطرة واسعة على المؤسسة الدينية الشيعية، ويعتمد على انتشار عناصره وأنصاره في الجهاز الإداري والخدمي والأمني على الصعيدين الوطني والمحلي، إلى جانب ارتباط المجلس الأعلى بمنظمة مدربة ومجهزة وجاهزة عسكريا رغم أنها أعلنت عن تحولها إلى كيان سياسي وخيري، وحقيقة الحال أنها ما تزال أشبه بخلية نائمة تستطيع أن تعاود نشاطها المسلح في أي وقت.
اليوم الأحزاب جميعها تتوجه نحو النخب حاليا لكن هذه النخب لا تنسجم مع طبيعة الأحزاب التقليدية بل تسعى إلى التشبيك مع القوى المدنية الحقيقية، سواء من القوى التقليدية مثل الحزب الشيوعي والحركة المدنية الوطنية والتيار الديمقراطي، أو مع الأحزاب الناشئة والقوى السياسية الجديدة، التي تأسست بعد احتجاجات عام 2019.
إن العقلية السياسية القديمة لبعض الأحزاب لا تزال تتسابق على ترشيح شيوخ العشائر ووجهاء القبائل، لأن هؤلاء أصواتهم مضمونة من أبناء العشيرة والقبيلة على الرغم من اختلاف أهداف هذه الأحزاب وتوجهاتها، وتختلف أيضاً نوعية الوجوه التي تسعى إلى جذبها، مرة بالترغيب والوعود، ومرة عبر محاولات الإقناع الجادة، وفقاً للسياقات المشتركة بين الأحزاب وهؤلاء. وسبب هذا السعي تحسس القوى السياسية العراقية بالمجمل رغبة الشارع المتواصلة في اختيار وجوه جديدة غير تلك التي تصدّرت المشهد في السنوات الماضية، لكن هذا الواقع لن يكون هو السائد في نهاية المطاف؛ لأن الذين تخلوا عن المقاطعة وشاركوا في الانتخابات دخلوا مشروعا لم يسهموا في تأسيسه، وبالتالي فمجرد المشاركة واختيار قيادات محلية جديدة لن ينهي أزمة علاقة مشوهة بين قوى مهيمنة على القرار السياسي في البلاد ومتهمة بأنها بَنت قوتها مستفيدة من "الوجود الأميركي أو النفوذ الإيراني، ووفق قاعدة أن المنتصر يفرض شروطه، وبين أخرى قدمت كطرف مهزوم واضطرت في مراحل مختلفة لدفع تكاليف عالية ما زالت تعاني منها. ولكن الناخب العراقي اليوم بلغ مرحلة جيدة من الوعي بالتالي فإن نسبة المشاركين في الانتخابات باتت تعرف الوضع السياسي ومديات الاحتيال عليه.
ومن الواضح أن هذا المشهد الانتخابي سيظهر مدى قدرة الصندوق على إحداث التغيير في العراق، أو أن تثبت الانتخابات نفسها بأنها مجرد عملية تزكية للنظام القائم وشخوصه، فالتغيير المنشود هو صعود قوى تهدف إلى بناء مؤسسات قائمة على هوية المواطنة والكفاءة بدلا من الهويات الجهوية والفئوية، وإن حدث ذلك فإنه سيشكل انقلابا على المفاهيم التي استقرت في المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد الاحتلال والتي اعتمدت مبدأ المحاصة التي جلبت البلاء للشعب العراقي في كافة الصعد.
أيضا هناك مسألة كركوك وما اتفق عليه فرقاء السياسة في البرلمان إجراء الانتخابات المحلية في محافظة كركوك التي لم تجر فيها أي انتخابات محلية منذ عام 2005 بسبب المشاكل السياسية بين مكونات المحافظة التي تضم خليطا من العرب والتركمان والكورد وأقليات أخرى. وتطرح عديد من الأسئلة عن الآلية التي أقرها البرلمان لإجراء الانتخابات المحلية بكركوك وعن عدد مقاعد مجلسها وموقف مكونات المحافظة من القانون الجديد
هنالك تخوف حقيقي من عمليات تزوير كبيرة ستشهدها هذه الانتخابات أولا لهيمنة قوى سياسية معينة على مفوضية الانتخابات التي وجهت لها تهمة من الآن بأنها هي أول من بدأ بالتزوير عن طريق إتاحة تسجيل كيانات سياسية مجيرة لصالح الكورد. وثانيا لعدم وجود الضمانات القانونية والإجرائية الكافية لإجراء انتخابات نزيهة. وأيضا تمرس القوى المهيمنة على أساليب مبتكرة في عمليات التزوير بالإضافة إلى التجارب السابقة من حيث رفض القبول بالطعون المقدمة أو ضعف الرقابة وغيرها من الشبهات كلها تصب في خانة التخوف الموضوعي من حدوث عملية التزوير.
ليس من الطبيعي الركون التلقائي إلى ما تفرزه الصيغ الديمقراطية في بلد مثل العراق حيث تعاني فيه ركائز الدولة من أضرار جسيمة، وما زال يخضع لوجود القواعد الأمريكية، ويسكن مجتمعه وطبقته السياسية هاجس تداعيات أحداث طائفية كما يعاني وضعا أمنيا هشا، فضلا عن أنه يشكو من غياب مؤسسات رقابية فاعلة تتكفل بحماية متطلبات النظام الديمقراطي ومعاييره، أو بيئة اجتماعية وسياسية وحتى قانونية كفيلة بتوفير مثل هذه المتطلبات والمعايير أصلا.
لقد جرى تقسيم المجتمع العراقي بعد الغزو الأميركي على أسس طائفية وعرقية تبعا لما حصل على المستوى السياسي، واقتضى الأمر أكثر من عام ليستوعب المجتمع حقيقة الجغرافيا الطائفية التي ينبغي أن تكون أحد معالمه، وجرت انتخابات العام 2005 على هذا الأساس قبل أن تتسبب بإشعال حرب طائفية أودت بحياة مئات الآلاف وتهجير نحو أربعة ملايين شخص.
وبغض النظر عن المعايير القانونية التي تتعلق باستخدام مصطلح الاحتلال فإن وجود القوات الأجنبية في العراق وإمساكها بزمام الكثير من الأمور والسيطرة عليها يضع عند الكثيرين ملامح شك على مصداقية الإجراءات الديمقراطية ومنها نظام الانتخابات.
علينا أن نعترف أيضا أن إشاعة الطائفية ليست من اختراع الاحتلال الأميركي، رغم أنه غير برئ من استخدامها وتكريسها، لكن ما حصل كان نتيجة حتمية لغلبة الأحزاب الدينية ذات البعد الطائفي التي سادت الساحة السياسية بعد الغزو، ومثل هذه الأحزاب يتحتم عليها بحكم التوزيع المذهبي في العراق أن تكون طائفية، لكن هذه الغلبة لم تعد كذلك في الانتخابات الأخيرة، حيث فشل الخطاب الديني بأبعاده الطائفية في الحشد واستقطاب الناس، وخسرت الأحزاب الدينية الطائفية عموما هيمنتها في مجالس المحافظات، وهو ما ينبغي الالتفات إليه بعناية مستقبلا.
والخلاصة المهمة من ذلك كله أن الخطاب الطائفي لم يعد جذابا كما أنه لم يعد كافيا للتغطية على الفشل والفساد، وهذا أمر مهم بحد ذاته ومؤشر لما يمكن أن يحصل في المستقبل حتى ولو كان هذا الاتجاه لا يزال مجرد هاجس شعبي أكثر من كونه تيارا فكريا وسياسيا مسيطرا.
انتخابات المحافظات لهذه السنة لن تكون أفضل ما تحقق بعد الغزو عندما خسرت بريقها بالاتهامات الجدية التي وجهت إليها، بدء من تهمة التزوير مرورا بسوء التنظيم والمحاباة انتهاء باستغلال أموال وإمكانات الدولة في الدعاية الانتخابية إضافة إلى ما ماثلها من طعون أخرى.
ومن خلال ما سيحصل في الفترة المقبلة من المتوقع أن تعمد قوى المقاومة او ما تسمى بالعارضة إلى استعادة نفوذها في بيئتها الحاضنة داخل المحافظات السنية، ومن المتوقع مع غياب مشروع مصالحة حقيقي وشامل، أن ينشأ صدام محلي بين القوى السياسية الجديدة التي باتت تشكل سلطة هذه المحافظات، وبين قوى المقاومة، ولاسيما وأن هذه الأخيرة دأبت على الإعلان أن نشاطها المسلح لن يتوقف بعد الانسحاب الأميركي وسيستمر لمواجهة النفوذ الإيراني وكذلك النظام السياسي الذي تعتبر أنه من مخلفات الاحتلال...
على كل حال، أيا كان شكل المواجهة أو نتائجها فإن صراع السلطة هذا يمكن أن يتسبب بشلل الدولة، وحينها لن يبقى لما أفرزته نتائج الانتخابات الكثير من الأهمية.