ماكرون الفرنسي يكرم "الخونة"
بقلم| وليد الزبيدي
(عضو اللجنة العليا للميثاق الوطني العراقي)
يثير تكريم الرئيس الفرنسي ماكرون لـ "الحركيون" الكثير من ردود الأفعال داخل فرنسا وخارجها واشتعلت وسائل الإعلام الجزائرية غضبًا بسبب ذلك الإعلان.
من هم "الحركيون" ولماذا تصاعدت ردود الأفعال تلك؟
ارتبط معنى كلمة "الحركيون" في الذهنية الجزائرية والفرنسية وفي أدبيات المقاومة في العالم على الأقل خلال العقود الخمسة المنصرمة بـ "الخونة" و"الجواسيس" و "أعوان المحتل"، وبدأت قصة هؤلاء بعد أن تصاعدت المقاومة الجزائرية ضد قوات الاحتلال الفرنسي، تلك الثورة التي انطلقت في الأول من تشرين الثاني من العام 1954، وبدأ اليوم الأول لها بخمسة هجمات شرسة شنها المقاومون الجزائريون ضد القوات الفرنسية التي احتلت البلاد اعتبار من العام 1830.
سارعت القوات الفرنسية لاستمالة ضعاف النفوس من الجزائريين، وبدأت بتشكيل ما سمي بـ "الحركيون" وكانت مهام هؤلاء الذين بلغ عددهم 200 ألف شخص بالتجسس على المقاومين الجزائريين والوشاية بهم وكتابة التقارير عنهم، وأسندت القوات الفرنسية للعساكر من "الحركيون" وكان بينهم عدد كبير من الضباط برتب عالية مهام قتالية ضد مجاميع من المقاومة، وكان هؤلاء يطاردون المقاومين ويعتقلون ويعذبون الكثير من المقاومين، ويزخر سجل هؤلاء بتلك الأحداث المخزية، وتواصلت مطارداتهم ووشاياتهم برجال المقاومة الأبطال منذ العام 1955 أي بعد سنة تقريبا من بداية المقاومة الجزائرية حتى طرد القوات الفرنسية في العام 1962 وهو عام استقلال الجزائر، لكن حجم الجرائم التي ارتكبها "الحركيون" خلال تلك السنوات فاقت التصور، ولم ينتظر المقاومون طويلا، فقد باشروا فورا بالتخلص من هؤلاء، وجرت عمليات تصفية واسعة لهم وخلال فترة وجيزة تم قتل قرابة خمس عشرة ألف شخص ما دفع بالأخرين للهرب الجماعي باتجاه فرنسا، واعتقد هؤلاء أن فرنسا ستكرمهم للخدمات الدنيئة التي قدموها لقواتهم الغازية، إلا أن السياقات الصحيحة تفرض غير ذلك، فالنفس البشرية في جميع الأوقات والظروف لا تستسيغ الخونة وتحديدا الذين يتعاونون مع المحتل ضد أبناء جلدتهم، فتم عزلهم في مخيمات لا تتوفر فيها أبسط مقومات العيش، ومنذ ذلك الوقت يطلق عليهم الفرنسيون قبل الجزائريين صفة "الخونة" ووصل الأمر إلى أبناء هؤلاء وحتى أحفادهم، الذين دفعوا ثمنا كبيرا لما ارتكبه الأجداد والآباء من خطايا بحق عوائلهم وشعبهم.
وفي الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي الأسبق تشارل ديغول لمناسبة استقلال الجزائر في العام 1962 وصف هؤلاء بقوله (هؤلاء لعبة التاريخ، مجرد لعبة).
وجدير بالذكر، أن تجربة "الحركيون" ليست الوحيدة، فقد يلجأ المحتل في الكثير من التجارب لتوظيف ضعاف النفوس للعمل ضد الأحرار من المقاومين، ففي فيتنام كانت تسمية هؤلاء بـ "القرى الاستراتيجية" وفي فلسطين أسس مصطفى دودين في العام 1978 ما سمي بـ "روابط القرى" للتجسس على المقاومين الفلسطينيين، وفي العراق تم تأسيس "الصحوات" لمطاردة المقاومين والوشاية بهم وتعذيب وقتل من يقع بأيديهم، وكان ذلك لصالح المحتل الأميركي المجرم أواخر العام 2006 وخلال السنوات اللاحقة.
يضيف تكريم ماكرون لـ "الحركيون" العديد من علامات الاستفهام على سلوك فرنسا إزاء العرب والمسلمين وبدون شك يسيء للشعب الفرنسي كثيرا.