بقلم| ثائرة اكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
مع اقتراب موعد الحسم، إذ لم يتبقى إلا أيام معدودة على إجراء انتخابات مجالس المحافظات فإن ما يجري في الشارعين الشيعي والسني يبدو أكبر من انتخابات مجالس محلية. ولعل التجسيد الأكبر لذلك وما يوازيه من تحشيد سياسي وجماهيري يتعلق بالمحافظين الذي يتولون قيادة المحافظات في ظل غياب المجالس التي تحكم عملهم وتشكل رقابة عليهم مرة، وقيداً على سياقات عملهم مرة أخرى.
حتى قبل بضعة أشهر، لم يكن يبدو من المرجح أن تجرى الانتخابات المحلية في أي وقت قريب. ورغم أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وعد في برنامج حكومته بصياغة قانون جديد للانتخابات في غضون ثلاثة أشهر من توليه منصبه، إلا أن العديد من المراقبين توقعوا معارضة كبيرة من شأنها أن تؤخر إقرار القانون جاءت نقطة التحول في 26 آذار 2023، عندما دفعت الأحزاب التي شكلت حكومة السوداني، عبر تصويت في وقت متأخر من الليل في البرلمان، إلى تشريع لتعديل قانون انتخابات 2018 وإلزام الحكومة بإجراء انتخابات مجالس المحافظات بحلول 20 كانون الأول 2023 وأكد مجلس الوزراء ذلك في حزيران بتحديد موعد 18 كانون الأول.
المؤشرات حتى الآن تؤكد الذهاب إلى إجراء الانتخابات رغم ما يحصل حالياً من مواجهات في الشارع لا سيما على صعيد محاولات إحراق بعض مقرات الأحزاب الشيعية لا سيما دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وهو الخصم الأشد للصدر، وكذلك مقرات تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم. وسواء أُجريت الانتخابات أم لا، لا سيما في حال تصاعد الصراع حد المواجهات المفتوحة فإن نتائج الانتخابات يمكن أن تُنذر بمخاطر أخرى، خصوصاً إذا جرى التلاعب بخريطة الحكم المحلي وبالتحديد مناصب المحافظين.
يمكن لأي مراقب قراءة طبيعة التنافس على مجالس المحافظات العراقية المقرر إجراء انتخاباتها في 18 كانون الأول الجاري، بمعزل عن مجمل الصراع السياسي في العراق. فعلى الرغم من أن العملية السياسية الحالية في العراق بدأت قبل عقدين من الزمن وبالذات بعد نيسان 2003 حين أسقطت دبابة أميركية ضخمة تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في قلب بغداد، فإنها لا تزال تعاني إشكاليات التأسيس. ومن بين أبرز إشكاليات التأسيس التي انعكست لاحقاً على كل مخرجات تلك العملية هي ما تسميه القوى السياسية العراقية التوافق وهي صيغة تتناقض مع ما أقره الدستور العراقي الذي كتبته القوى السياسية نفسها وعرضته على التصويت في جو مشحون بالتعبئة الجماهيرية مما جعله يحظى بنسبة تصويت مرتفعة حصل على 82 في المائة من أصوات العراقيين رغم مقاطعة العرب السنة في محافظات الأنبار وصلاح الدين والموصل وكركوك وديالى بنسب كبيرة.
ففي الوقت الذي بدأت حرب المحافظين بشكل مبكر في محافظة نينوى ذات الغالبية السنية شمالي العراق، عندما جرى تفعيل عملية اجتثاث المحافظ نجم الجبوري بتهمة الانتماء إلى حزب البعث رغم أنه كان قائد العمليات العسكرية التي أدت إلى تحرير الموصل من تنظيم داعش وشغل منصب المحافظ لسنوات، لكن الصراع الأكبر على المحافظات الشيعية في الوسط والجنوب. فالمحافظات الغربية اشتدّ الصراع فيها الآن بعد إقصاء رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وهو ما سوف يؤثر كثيراً في صيغة الحكم المحلي بعد معرفة نتائج الانتخابات، لكن المشكلة الكبرى تبقى في المحافظات الوسطى والجنوبية بسبب الصراع الحاد بين التيار الصدري وقوى الإطار التنسيقي. فالصدر لم يشارك في الانتخابات لكنه في الوقت نفسه لا يسمح بتغيير المعادلة داخل تلك المحافظات لجهة تغيير المحافظين لصالح هذا الطرف أو ذاك.
من الصعب التوصل إلى توقعات دقيقة فيما يتعلق بالنتائج، ولكن التوقعات تشير إلى أن الأحزاب والائتلافات الكبرى سوف تحتفظ بالأولوية. وهذا يعني أنه من بين مجالس المحافظات الخمسة عشر المتاحة، من المرجح جداً أن تسيطر على المحافظات الجنوبية التسع وبغداد أحزاب الإطار التنسيقي أو تلك المتحالفة معها. وسيتم تقسيم الأنبار وصلاح الدين بين الحلبوسي ومنافسيه، رغم أن تقدم لن يفوز بعدد المقاعد الذي يأملونه بسبب إقالة الحلبوسي من منصب رئيس البرلمان. وستكون ديالى وكركوك ونينوى محل نزاع شديد بين العديد من التحالفات الكبيرة. وفي كركوك، سيحاول كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني الفوز بمقاعد كافية للسيطرة على منصب المحافظ، أو على الأقل منع الآخر من القيام بذلك. وهذا يمكن أن يوفر للأحزاب العربية السنية والتركمانية فرصة للتحالف مع أي منهما من أجل اقتراح مرشح توافقي. وفي نينوى، قد يكون الحزب الديمقراطي الكردستاني قادراً على زيادة مقاعده في مجلس المحافظة من أجل الاحتفاظ بمنصب نائب المحافظ أو حتى للضغط من أجل منصب المحافظ. قد يؤدي ذلك إلى قيام الحزب الديمقراطي الكردستاني بممارسة المزيد من السيطرة على سنجار، ولكن إذا فشل ذلك، ستكون هناك جهود منسقة من قبل الإطار التنسيقي وحلفائه لإضعاف نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني في نينوى من خلال إجراء تغييرات كبيرة على المناصب الأمنية والإدارية حيث يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بسيطرة اسمية. ولن يتمكن المستقلون، أو الأحزاب الجديدة والناشئة، أو من هم خارج الحكومة، في أي محافظة من الفوز بأغلبية المقاعد. ونظراً لمقاطعة الصدريين، وخسارة الحلبوسي لمنصب رئيس البرلمان، وزيادة الضغط على الحزب الديمقراطي الكردستاني من بغداد، يبدو أن هناك عملية إعادة توازن جارية داخل الكتل العرقية الطائفية الرئيسية الاطار التنسيقي في مواجهة الصدريين، والحلبوسي في مواجهة منافسيه، والاتحاد الوطني الكردستاني مقابل الحزب الديمقراطي الكردستاني. قد تعكس النتائج هذا التحول في السلطة، لكن من غير المرجح أن تكون نتيجة واضحة ودائمة.
الصيغة التوافقية التي تحولت إلى محاصصة شاملة في توزيع المناصب، بدءاً من المواقع السيادية رئاسات الجمهورية والحكومة البرلمان مروراً بالوزارات والهيئات والمحافظات والوكالات والنقابات والمديريات العامة، لا تنسجم مع مخرجات الانتخابات البرلمانية التي أُجريت منها 5 دورات حتى الآن وأنتجت 7 حكومات.
هذه الصيغة انعكست على الحكومات الحكومة الاتحادية مثلما انعكست لاحقاً على الحكم المحلي. المحافظون ومجالس المحافظات ولعل المتغير الذي لم تكن تتوقعه القوى السياسية هي الاحتجاجات الجماهيرية الكبرى التي اندلعت في الأول من أكتوبر تشرين الأول عام 2018، وامتدت إلى عام 2019 وأدت إلى إسقاط حكومة عادل عبد المهدي عام 2020، والتي هددت الصيغة التي بُنيت عليها العملية السياسية لولا أن جرت مجابهتها بالحديد والنار الأمر الذي أدى إلى مقتل نحو 600 متظاهر وجرح الآلاف.
أما على مستوى الأحزاب، فهي الأخرى أصبحت تطرح نفسها لمجرد قدرتها على التسجيل كحركة سياسية لدى مفوضية الانتخابات، أو قدرتها على عقد مؤتمرات تأسيسية تحضرها جموع ترتدي البدلات الرسمية وربطات العنق، دون امتلاكها مشاريع سياسية واضحة واعتمادها على شعارات ثورية ليس لها وزن في الساحة السياسية.
وتمتد مسألة التمثيل إلى قرار التيار الصدري بمقاطعة انتخابات مجالس المحافظات ونتيجة لذلك، فإن قوة رئيسية في السياسة العراقية لن تشارك، وربما لن يتم تمثيل الملايين من الناس. ويخوض بعض السياسيين الذين يتعاطفون مع التيار الصدري الانتخابات كمستقلين في بعض المحافظات، لكنهم حريصون على عدم المطالبة بالتأييد الرسمي، ومن غير المرجح أن يفوزوا بعدد كبير من المقاعد. وهذا له تداعيات على كيفية حكم المحافظات التي حصلت على أصوات صدرية كبيرة في الانتخابات البرلمانية، مثل ميسان، خاصة وأن المحافظين الحاليين هم من الصدريين.
علاوة على ذلك، هناك فئة أخرى تلعب دورا رئيسيا في هذه الحالة وهي الطبقة الجماهيرية التي لم تكن على قناعة بأحقية وجود مجالس المحافظات في السابق، حيث كانت تعتبرها منبعا من منابع الفساد وباباً للسرقات على مستوى الحكومات المحلية، لكن مع الوقت تبدلت قناعتها حين ترشحت الوجوه الجديدة التي تخدعهم بتبني مطالب تشرين وشعاراتها والدفاع عنها وانتهاج منهج المدنية وفصل الدين عن السياسة لكنها لم تطبق ما ادعته في أول فرصة لها، فلم تختلف هذه الطبقة الجماهيرية عن تلك التي توالي الأحزاب التقليدية، حين خدعتها الطبقة الحاكمة بشعارات المقاومة والدفاع عن المذهب والدين والعقيدة، لكنها فعلت العكس واستغلت الطائفية والتفريق منهجاً في سياساتها.
لقد فشلت الأحزاب الجديدة والناشئة أو غير المؤسسة غير النخبوية، في تشكيل معارضة متماسكة خارج الحكومة على مدى السنوات القليلة الماضية. ونتيجة لذلك، فإن جاذبيتها للناخبين محدودة. ومع ذلك، فإنهم سوف يتنافسون في هذه الانتخابات على أمل الفوز بمقاعد في مجالس المحافظات، وأن يكونوا في النهاية في وضع يسمح لهم بالتأثير بشكل مباشر على القضايا المحلية.
ستقيس هذه الانتخابات مدى التقدم الذي أحرزه معارضو الحلبوسي منذ عام 2021. وإذا تمكنوا من الحصول على التحالفات الأصغر في الأنبار وكركوك إلى جانبهم، فإن ذلك سيمنح معارضي تقدم المزيد من القدرة على المساومة مع الإطار التنسيقي ويوفر لهم منصة أفضل للتنافس ضد الحلبوسي في الانتخابات الوطنية المقبلة. وتمثل إقالة الحلبوسي - التي من غير المرجح أن يكون توقيتها صدفة - خطوة كبيرة نحو إعادة توازن السلطة بين النخبة السياسية السنية، وقد تؤدي نتائج الانتخابات إلى ترسيخ هذا التحول. بالإضافة إلى ذلك، ستؤثر النتائج على الديناميكية المحلية في كركوك. ومن المرجح أن تتحالف التحالفات العربية السنية هناك مع الأحزاب التركمانية لتوفير أغلبية قوية في مواجهة أعضاء مجلس المحافظة من الأكراد.
أما بالنسبة للأحزاب التي تدعي تمثيل السنة، فإن إقالة رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي مؤخراً سيكون لها تأثير كبير. أولاً، سيؤثر ذلك سلباً على جاذبية حزب تقدم، وخاصة خارج محافظة الأنبار ثانياً، إذا لم يحتفظ تقدم بمنصب رئيس البرلمان، فإن بعض السياسيين سيحولون ولاءهم إلى أي حزب أو تحالف يحصل على المنصب، مما يزيد من إضعاف الحلبوسي. ثالثاً، قد تؤدي تداعيات إقالة الحلبوسي إلى تراجع الحافز لدى الناخبين للمشاركة في الانتخابات. بما في ذلك تقدم، هناك ثلاثة تحالفات رئيسية تتنافس على التمثيل السني، معظمها في بغداد والمحافظات الشمالية الخمس. وينصب تركيز تقدم على بغداد والأنبار، حيث المنافسة على القاعدة السنية أقل حدة بالنسبة للحلبوسي. كما تتحالف مع السيادة بزعامة خميس الخنجر، والقيادة بزعامة وزير التخطيط محمد تميم، وقمم بزعامة الوزير السابق خالد بتال. أما الحزب السني الرئيسي الثاني فهو حزب العزم بقيادة النائب مثنى السامرائي، الذي كان المعارض الرئيسي لحزب تقدم. والثالث هو الحسم، الذي يقوده وزير الدفاع ثابت العباسي ويضم سياسيين مخضرمين آخرين، بمن فيهم رئيس البرلمان الأسبق أسامة النجيفي. بالإضافة إلى ذلك، هناك عدة تحالفات تعمل فقط في محافظة معينة، مثل الأنبار المتحد والتحالف العربي في كركوك . ويمكن لهذه الأحزاب المحلية أن تحصل على مقعد أو مقعدين، وقد تتحالف مع أحد التحالفات الرئيسية الثلاثة بعد الانتخابات.
بالنسبة للأحزاب الكردية، تعتبر انتخابات المحافظات الاتحادية أقل أولوية من انتخابات الإقليم المقرر إجراؤها في شباط 2024. وذلك لأن الأحزاب الكردية لن تتنافس في المناطق ذات الأغلبية الكردية، بل في المناطق المختلطة مثل نينوى وكركوك فقط. ومع ذلك، ستكون الانتخابات مهمة بالنسبة للتنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وسيُظهر أيضًا ما إذا كان الحزب الديمقراطي الكردستاني يستطيع ممارسة سيطرة كبيرة في نينوى وكركوك على وجه الخصوص. وسيؤدي الفوز بعدد كبير من المقاعد إلى احتمال زيادة تواجد قوات الأمن الكردية في المناطق المتنازع عليها لأن المجالس تختار المناصب العليا على مستوى المحافظة، بما في ذلك المحافظ ونائب المحافظ. ويمكن أن تؤثر النتائج في نينوى أيضًا على السيطرة على مناطق رئيسية مثل سنجار. وفي كركوك، يريد الحزب الديمقراطي الكردستاني تعزيز فكرة أن الاتحاد الوطني الكردستاني في تراجع من خلال القضاء عليه. ومن ناحية أخرى، يأمل الاتحاد الوطني الكردستاني في الحصول على مقاعد كافية لتشجيع الإطار التنسيقي على الموافقة على اختيار مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني لمنصب المحافظ. علاوة على ذلك، فإن انتخابات مجالس المحافظات في المناطق المتنازع عليها تشكل ساحة اختبار للانتخابات الإقليم المقبلة، لأنها ستخلق زخما لهذا الطرف أو ذاك. بشكل عام، يتنافس الحزب الديمقراطي الكردستاني كحزب واحد، لكنه في كركوك يتحالف مع عدد من التحالفات.. ويخوض حزب الجيل الجديد الانتخابات كحزب واحد وهو المعارضة الرئيسية للحزبين الكرديين الكبيرين. ولم تترشح حركة كوران على الإطلاق، مما يعكس تراجعها السريع كقوة سياسية.
أحد الأشخاص الذين سيراقبون النتائج بشكل مكثف هو رئيس الوزراء السوداني، الذي لن يشارك حزبه بعد الاتفاق مع الإطار التنسيقي. ومن المؤكد أنه سيتنافس في الانتخابات البرلمانية، وستساعده نتائج استطلاعات المحافظات في تحديد الاستراتيجيات التي سيستخدمها في الدورة المقبلة. لقد راهن بحياته السياسية بأكملها على تحقيق الاستقرار في العراق بعد أحداث 2019-2022 . إن إجراء انتخابات المحافظات بنجاح. ويهدف السوداني إلى الوصول إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة مع تعزيز سمعته واستعداد حلفائه لمنحه فترة ولاية أخرى. ولذلك فهو حريص على الحفاظ على الاستقرار بعد الانتخابات.
وهذا يعني أن التحالفات الفردية التي تشكل الإطار التنسيقي سوف تتنافس ضد بعضها البعض في بغداد والمحافظات الجنوبية التسع، ولكنها سوف تنخرط في تعاون أكبر في المحافظات الخمس الأخرى. وذلك لأن الإطار التنسيقي يتوقع الفوز بالأغلبية العظمى من المقاعد في مناطقه الأصلية ومع قلة المنافسة فمن المنطقي أن تتنافس مكونات الإطار التنسيقي داخليا. وأبرز هذه التحالفات هي دولة القانون بزعامة المالكي، ونسخة من تحالف فتح للعامري، وقوى الدولة لعمار الحكيم ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، والأساس العراقي للنائب الأول لرئيس مجلس النواب محسن المندلاوي. ومن المرجح أيضاً أن يفوز حلفاء آخرون للاطار التنسيقي بمقاعد، بما في ذلك حزب تصميم الذي يقوده محافظ البصرة أسعد العيداني، وإبداع كربلاء التي يقودها محافظ كربلاء نصيف الخطابي .
وستكون السيطرة على مجالس المحافظات ومنصب المحافظ مهمة بالنسبة للانتخابات البرلمانية لأنها تسمح لشاغلي المناصب بتوجيه المحسوبية والتأثير على الناخبين. كل محافظ هو في الواقع رئيس وزراء محافظته، وفي الأسفل، يتولى القائم مقامون مسؤولية أقضيتهم ومناطقهم المحلية. وتتنافس الأحزاب السياسية على هذه المناصب لأنها تتيح لها السيطرة على الميزانيات، والتوظيف في القطاع العام، والتعاقدات، والسيطرة على الأمن المحلي.
وحتى لو أجريت الانتخابات بشكل سليم وناجح، فستكون هناك تساؤلات حول شرعيتها إذا تراجعت نسبة إقبال الناخبين مرة أخرى، كما هو متوقع. ومن المتوقع أن أقل من 40% من الناخبين المسجلين سيدلون بأصواتهم، ولكن من المرجح أن تكون المشاركة أقرب إلى 25% من حيث جميع الناخبين المؤهلين. تنبع لامبالاة الناخبين من السخط على السياسة بشكل عام. وتظهر استطلاعات الرأي أن الشباب على وجه الخصوص لا يعتقدون أن الانتخابات لها تأثير، ولا ينسجمون مع أي حزب أو مرشح.
وبغض النظر عن موعد إجراء الانتخابات فعليا، هناك مخاوف جدية بشأن ما إذا كانت ستكون حرة ونزيهة. وقد شهدت الدورات الماضية ادعاءات خطيرة بحدوث مخالفات، في حين أن حقيقة أن بعض الأحزاب لديها أجنحة مسلحة أو تسيطر بحكم الأمر الواقع على الأراضي تخلق منافسة غير عادلة. وفي بعض المناطق، قد تؤدي الانتخابات إلى تفاقم التوترات العرقية والطائفية إذا تم الطعن في نتائجها. تعتبر محافظتا ديالى ونينوى من النقاط الساخنة التي يجب الانتباه إليها، إلا أن كركوك، حيث لم يتم إجراء الانتخابات المحلية منذ عام 2005، يمكن أن يكون لها عواقب وخيمة . وكركوك هي محافظة غنية بالطاقة ولها تاريخ من التوترات بين مجتمعاتها العربية والكردية والتركمانية. ولم تخجل الأحزاب السياسية المتنافسة في الانتخابات من استغلال المظالم العرقية والطائفية لتحقيق أهدافها الخاصة. وإلى جانب استبعاد 197 مرشحاً في جميع أنحاء البلاد بسبب علاقاتهم مع نظام البعث السابق، قد يُنظر إلى الانتخابات على أنها مسيسة بشكل مفرط وتستخدم كأداة لتصفية حسابات شخصية، وتزييف الخريطة السياسية، ووضع الأساس للعنف الطائفي.
يبقى اجتياز المشهد الانتخابي العراقي المربك إحدى العقبات الرئيسية أمام جهود الإصلاحيين، ففي حال نجح اللاعبون الإصلاحيون السياسيون الناشئون في تشكيل جبهة موحدة وطرح برنامج سياسي ملموس، ومقاومة استقطابهم من قبل القوى الحاكمة، عندها سيكون هناك إمكانية لحدوث تغيير سياسي جوهري خلال العملية الانتخابية المقبلة..