جهاد بشير
يحط العراقيون رحالهم على رأس قرن جديد من تأريخهم المعاصر بذكريات ثورة العشرين الكبرى؛ التي تعد محطة فارقة ليس على مستوى محلي فحسب بل على صعيد المنطقة التي كانت خاضعة بالكلية لاحتلال واسع المديات بمشاريع كان لها ما بعدها من مخرجات وآثار ما يزال بعضها حتى اليوم فعّالاً وذا أثر.
وإذ يطيب لبعض المؤرخين تسمية الاحتلال استعمارًا في مغالطة عجيبة؛ فإن إدراك العراقيين المبكر لحقيقة الوجود البريطاني في بلادهم عكس نضجًا منقطع النظير في التعامل مع واقع أُريد لهم أن يخضعوا له تحت عناوين زائفة وأوهام تتكئ على مصطلحات لها دلالات أبعد ما تكون عن الحقيقة ـ من قبيل “الحرية” و”الخلاص” ـ ؛ فكان لهذا الإدراك نتاجه توصيف الاحتلال أولاً، وتشخيص مشكلة العراق ثانيًا، ثم بالانتهاء إلى القرار الحاسم بالمواجهة في سبيل الانعتاق والتحرير.
إن الحديث عن مآثر ثورة العشرين طويل وذو شجون، لاسيما ما يتعلق بريادة فرسانها بكافة أطيافهم وسماتهم: من علماء دين، ووجهاء وشيوخ، ومثقفين وأميين، ورجال ونساء، ومقاتلين ومحرّضين، وسياسيين وأدباء، وقرويين وحضريين؛ وغيرهم من مكونات المجتمع العراقي الذي ما انفك يعطي دروسًا على مدار التأريخ في استعلاء الدين والقيم وأنماط الحياة الراشدة السويّة، على كل المظاهر الطارئة والمؤقتة ـ من قبيل: الطائفية والعرقية والمناطقية ـ التي تسندها إرادات وأفكار غازية تريد صناعة الفوضى لكي تقتات عليها.
مرّت مائة عام على موقف العراقيين الكبير الذي صار “أيقونة” في التاريخ المعاصر، وللمتأمل أن يرصد آثار ثورة العشرين على مدى عقود بعد انقضائها بغض النظر عن نتائجها الآنية أو مآلاتها المباشرة؛ ويكفي لكل مبتغ للحق أن يستطلع آراء شريحة متباينة الأعمار والثقافات في العراق، حينما تجري ـ على سبيل الافتراض ـ مقارنات بين واقع البلاد وأهلها على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في حقبة ما بعد الاحتلال البريطاني، وبين نظيرتها بعد الاحتلال الأميركي مطلع الألفية الثالثة ومزاعم خروجه بعد نحو عقد من الزمن؛ إذ ترجح كفة الأولى بلا نزاع حين تتجه آمال العراقيين وأمنياتهم إلى العودة بالزمن عقودًا عديدة، وما ذلك الفرق إلا بسبب مخرجات ثورية قامت على عزم وهمّة، وشمولية ليس الأولى من نوعها؛ فأثمرت ولو بعد حين، وأنتجت واقعًا يرضاه الجميع.
أمّا في المشهد الحاضر؛ فإن مقاومة الاحتلال الأميركي ومشاريعه ـ التي سارت على خطى ثورة العشرين وصنعت مشاهد عجيبة فاقت سقوف التوقعات ـ جوبهت بالصدود ووضعت في طريقها أنواع من العثرات، وتم التآمر عليها لتختفي تمامًا، بعد شيطنتها ووصمها بـ” الإرهاب”، وإسكات كل صوت ـ في إطارها ـ مناهض لمشاريع ومخرجات جيء بها بالقوة ووضعت عليها وصاية دولية وإقليمية بهدف فرضها واقعًا يُراد له أن يتسيد على الأرض ولاسيما العملية السياسية وحكوماتها المتعاقبة.
ومن هنا، فإن فرضية المقارنة بين الواقعين تحتاج إلى ضابط معتبر يتحقق به قانون العراقيين في مواجهة الاحتلال على اختلاف زمانه؛ لأن حقبة ما بعد ثورة العشرين يلزمها نظير في حقبة العراق في ظل الاحتلال الأميركي، وحيث لم تشهد البلاد ثورة في الثانية مماثلة للأولى في تكاملها وجبهاتها وأطرها العامة والتفصيلية ـ بصرف النظر عن الظروف والأسباب ـ فإنه لا ينبغي الانسياق وراء العواطف والركون إلى تمني المستحيل بالرجوع إلى ما لا يمكن العودة إليه، بل اللازم الإقدام على ما يمكن تكراره واستئنافه، والمضي في تتبع خطى الأولين لبلوغ مشهد جديد تتحقق فيه التطلعات ويتغير فيه نمط التفكير من التعلق بالأمنيات إلى صناعة الواقع.
يقف العراقيون اليوم على حافة مشهد جديد في زمانه، أصيل في حقيقته؛ إذ باتت الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى ليكمل فيها الأحفاد مسار الأجداد، ولمّا كانت شرارة ثورة العشرين مشكاة للعراق ومكوناته كافة، فإن شرارة ثورة تشرين الشبابية مؤهلة لذلك أيضًا، وقادرة على أن تبني قواعد أكثر اتساعًا، وتهيئ مخرجات أوفر نتاجًا؛ إذا ما تكاملت رؤاها، وثبتت على مبادئها، واستعلت ثوابتها على محاولات استمالته