(إيران لا تستطيع السيطرة على البلد دون تمزيق نسيجه الاجتماعي، وتنفيذ التغييرات الديمغرافية فيه)
الميثاق| عقدت أطراف الإطار التنسيقي الشيعي اجتماعا مع مقتدى الصدر، هل تعتقد أن هذا الاجتماع جاء عبر دعم خارجي في محاولة للتهدئة؟
الكندوري| بالرغم من أن مثل هذا الاجتماع بين الأطراف الشيعية الفائزة والخاسرة، هو هدف إيراني بالمقام الأول، إلا إننا نعتقد أن الرغبة في عقد مثل هذا الاجتماع موجودة بالأساس عند الطرفين، فمن ناحية مقتدى الصدر وتياره، يعتقد أنه من خلال هذا الاجتماع يعطي رسالة للجميع بأنه هو الأكبر وقادر على ضم الجميع تحت لوائه، أما من ناحية القوى الشيعية المنضوية تحت "الإطار التنسيقي" فإنها تعتقد إنها من خلال هذا الاجتماع سوف تنجح بإقناع الصدر بالوصول إلى صيغ توافقية يضمنون من خلالها عدم المساس بمصالحهم المتجذرة في المؤسسات الحكومية وعدم المساس بمكاسبهم السياسية، وفي الوقت نفسه لا يمانعون من قيادة الصدر للمرحلة القادمة في السياسية العراقية. لكن من خلال التصريحات الصادرة من التيار الصدري التي تلت الاجتماع، يبدو أن الصدر لم يغير رغبته بتشكيل حكومة أغلبية مستبعدًا التحالف مع أحزاب الإطار التنسيقي، وهذا ما سيفتح الباب واسعًا على احتمال التصادم فيما بينهم.
الميثاق| أحد وسائل الضغط الجماهيري هو العصيان المدني، هل تعتقد أن العراقيين مهيؤون لهذا الخيار ومدى فعاليته؟
الكندوري| أن احد الوسائل السلمية الفاعلة لدى الجماهير في كل دول العالم هي آلية العصيان المدني حينما تصل الجماهير إلى مرحلة اليأس من تحقيق مطالبها عن طريق الآليات الديمقراطية المتعارف عليها، وبالتالي فإن توصيف الحالة بالعراق يقودنا إلى أن الجماهير العراقية قد وصلت بالفعل إلى هذه المرحلة التي لا تستطيع أن تقوم بالتغيير المطلوب في بنية النظام السياسي الذي تم فرضه على العراقيين من خلال الانتخابات الزائفة أو من خلال التظاهرات السلمية التي خرج بها وأبرز مثال على ذلك تظاهرات تشرين التي سقط فيها مئات القتلى وآلاف الجرحى، وعلى هذا فإن العصيان المدني ربما تكون هي الوسيلة السلمية الأخيرة المتاحة للعراقيين لإحداث التغيير المطلوب قبل حدوث الكارثة، والأمور مهيئة لانطلاق العصيان المدني وجميع أسبابها متوفرة، والمتبقي هو عملية تنظيم الجماهير وقيادة هذا العصيان المدني من قبل ثلة وطنية تصل بالجماهير العراقية لأهدافها المنشودة، ونعني بالكارثة التي يخشى أن تقع فيها البلد، هي احتمالية اندلاع حربٍ أهلية يقودها الشعب ضد هذا النظام الفاشي والفاسد، أو احتمالية قيام حربٍ ميليشياوي بينية في صراع على السلطة كما يلوح بالأفق حاليًا .
الميثاق| ما هي خيارات الشعب العراقي ضد العملية السياسية بعد مقاطعة الانتخابات ودور القوى الوطنية في بناء عراق وطني جديد؟
الكندوري| لقد ضرب الشعب العراقي مثالًا رائعًا في مقاطعته للعملية الانتخابية التي جرت مؤخرًا والتي لم تبلغ نسبتها وبأفضل التقديرات الـ 12%، وهذا يعني أن ما لا يقل عن 88% من الشعب العراقي رافض للعملية السياسية الحالية ولا يثق بمخرجاتها، وقد ثبت للجميع عمق النظرة التي ينظر بها الشعب العراقي للعملية السياسية الجارية حاليًا في العراق، فهي انتخابات مشكوك بنزاهتها وبنسبة المشاركة فيها، حيث أفرزت كتلا سياسية غارقة بالفساد مثل التيار الصدري وباقي القوى السنية أو الكردية، ورأينا كيف أن الأحزاب الخاسرة التي كانت تطمح بنسب أعلى في تمثيلها النيابي، كيف تتقاتل من أجل حصتها في البرلمان والحكومة القادمة من أجل المحافظة على مكاسبها السياسية والاقتصادية وليس من أجل خدمة المواطن، وأنها مستعدة لإدخال البلد في إتون حرب أهلية على أن تتخلى عن مناصبها ونفوذها بالدولة في العراق.
وبالتالي فإن الشعب العراقي وقواه الفاعلة كانت نظرتها صائبة في رفض العملية السياسية ورفضها الانتخابات النيابية التي أجريت مؤخرًا وعليها أن تطعن بشرعية أي حكومة أو برلمان ناتج عن انتخابات قاطعها أغلبية الشعب العراقي.
الميثاق| ما رأيكم بدور بعثة الأمم المتحدة برئاسة بلاسخارت بالعراق وتعاطيها مع الملفات العراقية؟
الكندوري| الممثلة الأممية جنيني بلاسخارت لا تمثل نفسها إنما تمثل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وكل تصرفات هذه الممثلة تدل على أن الدول الكبرى الفاعلة لا تريد لهذه العملية السياسية الفاشلة في العراق، أن تسقط وتصر على بقاء هذا النظام حتى بعد أن ثبت فشله طيلة 18 سنة. لذلك فأن مواقف هذه الممثلة لم تكن في معظمها لصالح طموحات الشعب العراقي، وأفضل مثال حينما لم تكن لها مواقف مساندة لتظاهرات تشرين السلمية، كما وتعمدت لقاء القتلة من قادة المليشيات والذي ليس لهم تمثيل حكومي أو سياسي بالأصل لتتفاهم معهم متجاوزة بذلك تكليفها الأممي الذي يفترض عليها تقديم النصيحة والمشورة للحكومة العراقية فقط.
وعلى هذا فإن العراقيين لا يعتقدون أن البعثة الأممية كان لها دور إيجابي في حل المشاكل العراقية، وكان لها دور سلبي في التعاطي مع الملفات المهمة والحساسة في العراق.
الميثاق| اتسعت ظاهرة قتل العراقيين في السجون الحكومية ما هي أسباب ومخاطر ذلك على حياة المعتقلين؟
الكندوري| لقد تزايدت ظاهرة قتل الأبرياء في داخل السجون الحكومية بشكل كبير في الفترة الأخيرة وبالذات في فترة ما بعد الانتخابات النيابية التي جرت مؤخرًا، وقد استغلت السلطات المسيطرة على السجون العراقية والتي في جلها ترع انتماءاتهم إلى مليشيات معروفة ذات نفوذ واسع، الفوضى الحالية التي تعم البلد بسبب تنازع الأطراف السياسية على نتائج الانتخابات وتقاسم الكعكة الوزارية. فنرى أنه يتم التخلص من هؤلاء الأبرياء والذين لديهم الأدلة على الإجرام الميليشياوي، بالتخلص منهم لأسباب منها تردي الوضع الصحي أو نتيجة للتعذيب، ومع أن عمليات تصفيتهم واضحة لكل المجتمع الدولي، لكننا لم نسمع إدانة واحدة من أي دولة أو منظمات حقوقية لها القدرة على فضح تلك الممارسات.
الميثاق| هناك من يتطلع الى الخارج لكسب الود والتفريط بوحدة العراق والارتباط بمشاريع أجنبية مشبوهة؛ كيف تقرأ ذلك؟
الكندوري| مع الأسف طغت على بعض أفراد الشعب مشاعر اليأس من إصلاح الأمور في هذا البلد، وبدأ البعض يفكر أن الحل لا بد أن يكون من الخارج، وأن العراقيين قد فقدوا القدرة على إصلاح الأمور بهذا البلد نتيجة لبطش السلطات الحكومية ومن ورائها المليشيات المسلحة والمنتشرة في عموم البلد، وبدأ البعض يفكر بالانفصال أو يطرح مشاريع الفدرالية والحكم اللامركزي، وبهذه المناسبة نوجه خطابنا إلى الطبقة الواعية والمثقفة من أبناء شعبنا، بأن عليهم اخذ دور المسؤولية في توضيح المسائل لعموم شعبنا والتحذير من الأفكار أو الخطط التي تتعلق بدول الخارج والرجاء منها بإيجاد الحلول للوضع العراقي المعقد، وتثقيف الجماهير على حقيقة أن من المستحيل أن يأتي الحل من الخارج، وأن الحل لا بد له أن يكون عراقيًا خالصًا، وأن الشعب قادر على استعادة حريته وسيادة بلده بقوة الجماهير، بينما الحلول التي تأتي بها دول الخارج تراعي مصالحها بالدرجة الأولى، ولا تعير أي أهمية لمصالح الشعب وبأي شكل من الاشكال.
الميثاق| كيف تنظر لدور الميثاق الوطني العراقي كنواة وطنية جامعة عابرة للطائفية والعرق؟
الكندوري| أننا نعتقد بأن الميثاق الوطني العراقي بمبادئه المعلنة العابرة للطائفية والعرقية وغيرها من الأمور التي تفرق المجتمع العراقي، يمكن أن تكون قاعدة صلبة يمكن البناء عليها في بناء المجتمع العراقي، والترويج لهذه الأفكار مهم خلال تصديها للأفكار التي جاءت بها الأحزاب المسيطرة على الحكم حاليًا، فالعراق لم يعرف الطائفية أو التفرقة القومية إلا في ظل حكم هذه الأحزاب، وهناك أمر مهم يجب توجيه لقيادة هذا العمل السياسي المهم، وهو بضرورة انفتاحهم على جميع الحركات الوطنية المناهضة لهذا النظام، وتنسيق علميها معهم للوصول إلى حراك جماهيري عراقي موحد لإزالة هذه المنظومة السياسية الفاسدة.
الميثاق| ماهي مخاطر عمليات التهجير الطائفي القسري التي تستهدف مدن عراقية التي تمارسها قوى متنفذه لتنفيذ مخطط طائفي يرمي الى تكريس التغيير الديمغرافي؟
الكندوري| أن من أخطر نتائج التغيير الديمغرافي الذي تقوم به السلطة الحكومية ومن ورائها الميليشيات لمكونات معينة من المجتمع العراقي كالسنة أو المسيحيين أو الأقليات العراقية، من خلال التهجير القسري، هو ضرب النسيج الاجتماعي العراقي وتمزيقه، وبالتالي فإن هذه العلميات واستمرارها ستحول المجتمع العراقي إلى مجموعات طائفية وقومية متناحرة ومتقاتلة ولن تقوم لهم قائمة في ظل إدامة مثل هذا الصراع، وستحول البلد إلى بلد ضعيف لا يقوى على شيء ويلغي تأثيره الإقليمي والدولي، وسيكون بيئة مهيئة لتفريخ شتى أنواع الجماعات الإرهابية.
نحن نعرف من يحث الميليشيات والجماعات الإرهابية على ارتكاب هذا الفعل تقف من ورائه دولة هي إيران تحاول تسخير كل إمكانياتها لتنفيذ هذا الغرض، لأنها تدرك أنها لا تستطيع السيطرة على البلد بدون تمزيق نسيجه الاجتماعي وتنفيذ التغييرات الديمغرافية فيه وبحسب الأجندة التي تخدمها.
الميثاق| ما هو الحل برأيكم لإنقاذ العراق من محنته ومن هي القوى المهيمنة على السلطة لإبقائه تحت هذا الواقع؟
الكندوري| بالتأكيد نحن نؤكد وبشكل كبير على دور الشعب وطليعته الواعية، فالشعب هو القوة الوحيدة التي تهتم لأمر البلد مقارنة بكل الأحزاب التي توالي دولٍ أجنبية، ومن أهم الواجبات الملقاة على عاتق الشعب وعلى نخبه الواعية، هو محاولة رص صفوفهم ونبذ خلافاتهم حتى يتمكنوا من الوصول إلى أهدافهم في الحصول على حرية الشعب واسترجاع سيادة البلد. ويجب أن توجه جهودهم على المسبب الرئيسي الذي يجعل البلد فاقد لسيادته ويجعل الشعب يستمر في معاناته، وهي الأحزاب والمليشيات الولائية وباقي الأحزاب التي جاءت مع الاحتلال.
الميثاق| الخاسرون والرابحون في انتخابات مشكوك بمصداقيتها يتبادلون الاتهامات في صراع خطير قد يدخل العراق في اتون حرب أهلية؟ لماذا؟
الكندوري| أن السجال السياسي الجاري الآن بين الكتل السياسية الشيعية الفائزة والكتل السياسية الشيعية الخاسرة، يعطي دليلًا واضحًا على زيف الانتخابات، وأن هذه الكتل السياسية سترضى عن نتائج الانتخابات إذا كانت لصالحها، لكن ترفض الاعتراف بها إذا كانت لغير صالحها. وبما أن تلك الأحزاب تجعل مصلحة المواطن ومصلحة الوطن في آخر أولوياتها، فإنها مستعدة للدخول في أتون حرب مليشياوية كبرى لا تبقي ولا تذر، على أن تعترف بنتيجة الانتخابات خشية من خراب الوطن. وجميع المراقبين اليوم يعتقدون أن الحالة بالعراق قد وصلت إلى مرحلة حرجة بين الكتل السياسية الشيعية وكل فريق منهم يريد أن يستأثر بكعكة الحكومة لوحدة، وهذا السبب سيجعل احتمالية التصادم والاقتتال بينهم بنسبة كبيرة.
لكننا نعتقد أن الشعب في هذه المرحلة لا بد له أن يكون له موقف أمام هذا التحدي، يتمثل بعدم اعترافه بكل العملية السياسية وبكل مخرجاتها، وبنفس الوقت يمتنع عن الاستجابة لأي ميليشيا أو حزب في المشاركة في معاركهم المليشياوي ويجعل من نفسه وقودًا لنار حربهم المليشياوية.
الميثاق| هناك من يهدد بالسلاح لفرض إرادته على الآخرين؟ لماذا وهل نحن على أبواب صراع الارادات؟
الكندوري| أننا نعتقد وبشكل جازم، أن مواصفات الأحزاب لا تنطبق من قريب أو بعيد على أي تكتل سياسي حالي مشترك بالعملية السياسية في العراق، إنما هي مجرد عصابات مسلحة قامت بصنع واجهات سياسية لها حتى تتمكن من اغتصاب السلطة والسيطرة على البلد؛ لذلك فإنها لا تعترف بالتنافس الحزبي، وتتعمد في استخدام السلاح في صراعها مع باقي المنافسين السياسيين، وتعتقد أن الفوز في الانتخابات واستلام السلطة والمناصب، ما هو إلا غنيمة تفوز بها هذه الجماعة المسلحة أو تلك. واليوم انتقلت "الأحزاب" من تلك المرحلة إلى مرحلة فرض الإرادات على غيرها من "الأحزاب" بقوة السلاح وليس بالتنافس الحزبي المبني على كسب الجماهير لبرامجها السياسية.
الميثاق| كانت ومازالت الميليشيات مصدر قلق خطير على مستقبل العراق ووحدته وسلمه الأهلي؟
الكندوري| نعم كانت وما تزال المليشيات مصدر قلق لكل العراقيين وهي مصدر خطر على مستقبل العراق، وهذا لا ينطبق على الحالة العراقية فقط إنما كل الدول التي تريد التقدم لشعبها والقوة لدولها، لا تسمح بأي شكل من الأشكال في تشكيل مليشيات في بلدها، لأن ذلك سيضعف الدولة بشكل كبير، وأفضل مثال على ذلك، أن الدولة التي ساعدت على إنشاء المليشيات في العراق وهي إيران، لا توجد مليشيا واحدة في بلدها، لأنها تعرف أن تشكيل مليشيات في بلدها سيضعف دولتها ويفرقها.
الميثاق| أين يكمن خطر المشروع الإيراني التوسعي وتأثيراته على هوية العراق العربية؟
الكندوري| لا يختلف اثنان على أن خطر المشروع الإيراني التوسعي يشمل جميع دول المنطقة، فالرؤية التي جاء بها الخميني تتضمن إعادة أمجاد دولة فارس، أو على الأقل إعادة أمجاد الدولة الصفوية التي حكمت فترة من الزمن. وبالتالي فإن إيران تريد استغلال موضوع الولاء الطائفي الشيعي كحصان طروادة في تقويض سيادة دول المنطقة وزعزعة أمنها، وتحويل الأقليات الشيعية التي كانت تعيش في وئام مع باقي الشعوب العربية، إلى مجرد طابور خامس لصالح المصالح الإيرانية، فالنظام الإيراني في حقيقة أمره ليس شيعيًا ولا إسلاميًا، بل أنه يستغل تلك الدعوات لتوسيع نفوذه في دول المنطقة من منطلق إمبريالي استغلالي استعماري لا يختلف عن منهج دول الاستعمار القديم.
وعلى هذا فإن على قيادة دول المنطقة أن تتنبه إلى هذا الخطر وتحاول أن تتصالح مع شعوبها وهي تدافع عن أوطانها، لا أن تقوم باعتقال الوطنين وإعطاء الفرصة المثالية لأعداء أوطانها لبث الفرقة الطائفية التي تصب بفائدة النظام الإيراني بشكل مباشر.