لقاء العدد السابع عشر لصحيفة الميثاق مع "الدكتور مثنى حارث الضاري"
(مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين)
الميثاق| توقف الكثير من المحللين والمؤرخين عند دلالات أن تكون ثورة العشرين شاخصة في عناوينها الوطنية في واقعنا الحالي؛ لماذا بتقديركم؟
الضاري| نعم هذا التوقف صحيح ومهم؛ لأن ظرف ثورة العشرين هو عين ظرفنا الحالي؛ فالعراق محتلٌ الان، ومحتله القديم (البريطاني) شريك في احتلاله الحديث، والشعب العراقي يقاوم الاحتلال الجديد (الأمريكي) ويسعى لتحرير بلده والمحافظة على وحدته البلد، واستعادة السيادة التامة على ارضه ومقدراته وقراره، وهذه هي عين الأهداف التي كان يسعى لها ثوار العشرين. ومن هنا تجد الثوار العراقيين يستلهمون تاريخ ثورة العشرين وإرثها في مواجهتهم للاحتلال الأمريكي وتوابعه وآثاره وتداعياته.
الميثاق| ونحن نستذكر مئوية ثورة العشرين كيف بدأت في مقاومة الاحتلال البريطاني وماهي مقومات انطلاقها؟
الضاري| بدأت ثورة العشرين فعليًا حتى قبل ان يتمكن الاحتلال من فرض نطاقه على العراق كله، فمقدمات الثورة ظهرت عندما تصدت له المقاومة العراقية للمحتلين في البصرة وحاولت صدهم، وتتابعت مقاومتها له سنوات بين كر وفر؛ حتى تمكن أخيرًا لظروف كثيرة ذاتية موضوعية من احتلال العراق كاملا سنة 1918 باحتلال مدينة الموصل.
الميثاق| ماذا يعني هذا الاستلهام والمقاربة مع ثورة العشرين بعد مرور قرن على انطلاقها؟
الضاري| كان للتوافق الحاصل في العام الماضي بن الذكرى المئوية لثورة العشرين والذكرى الأولى لثورة تشرين؛ دلالة مهمة، فالأهداف واحدة والوقائع تكاد تكون متشابهة، فلابد من أين يكون الاستلهام بهذه الطريقة، وأن تتم المقارنة بين ثوار العشرين وثوار العراق ومناهضي الاحتلال فيه. ومن أهم ملامح هذا الاستلهام؛ هي توحد غالبية العراقيين في مقاومة ومناهضة الاحتلالين الأمريكي والإيراني في العراق، أسوة بوحدة ثوار العشرين، وكذلك العمل على حصر الطائفية في حدودها السياسية، والسعي الحثيث لتجفيف آثارها مجتمعيًا.
الميثاق| عندما نتحدث عن ثورة العشرين وقادتها يبرز دور الشيخ المجاهد ضاري المحمود في مواجهة الاحتلال ومشروعه التوسعي؟ ماهي دلالات هذا الدور الوطني؟
الضاري| دلالاته مهمة على الصعيد الوطني الجهادي وعلى الصعيد التاريخي وعلى الصعيد السياسي، فضلا عن الصعيد الاجتماعي الذي كان الشيخ ضاري يعيه مبكرا؛ فقطع الطريق على المحتل البريطاني الذي كان يسعى لافتعال البعد الطائفي بين مكونات المجتمع؛ وبادر للمشاركة في الثورة التي كان له قبلها تواصل مع قادتها من كل الأطياف، وعمل على أن يكون حلقة وصل بين الثورة في بغداد والفرات الأوسط والمنطقة الغربية.
الميثاق| ما هي دلالة ورمزية مقولة الشيخ المجاهد ضاري المحمود يا لثارات ابن كعود بعد قتله الجنرال البريطاني لجمن؟ وكيف تنظر لدور الشيخ ضاري في توحيد العشائر العراقية لحشدها لمقاومة المحتل؟
الضاري| هذا بعد آخر ودلالة مهمة، تأتي هنا على صعيد توحيد جهود العشائر العراقية العربية في المنطقة الغربية ضد الاحتلال، وتؤكد الصلات بين قادة العشائر وتنامي الروح الوطنية ورفض الاحتلال وقيام كل منهم بدوره في المجال الذي يستطيعه، وثأر الشيخ ضاري لأحد قادة الثورة من شيوخ قبيلة الدليم، وهو الشيخ صبار الكعود -رحمه الله- الذي قتله القائد البريطاني لجمن.
الميثاق| هناك شخصيات علمائية وعشائرية شاركت في ثورة العشرين لكن لم يسلط عليها الضوء مثل غيرها هل في جعبتكم أسماء بعض هذه الشخصيات؟
الضاري| نعم هناك شخصيات عدة من هذا القبيل وجوانب غير مبرزة في جهاد بعض الشخصيات، نحو بعض الجوانب في جهود السيد نور الياسري من قادة الثورة، وأعمال بعض رجالات النجف وكربلاء، وكذلك جهود علي البازركان أحد قادة الثورة في بغداد وعبد الرحمن خضر المحامي، فضلًا عن جهود علماء بغداد والموصل في التحضير للثورة، وكذلك بعض شيوخ عشائر المنطقة الغربية كالشيخ صبار الكعود والشيخ عبد الحميد البو عيثة، الذي كان منفيا وقتها في الهند بسبب مواقفه من الاحتلال ومقاتلته له في معركتي الرمادي سنة 1917، وكذلك الجهود المحورية التي قام بها أمثال: الشيخ عبد الوهاب النائب وشقيقه الشيخ محمد سعيد النقشبندي في بغداد وديالى، وديالى، وعدم الربط الوثيق والمحكم بين ثورة شمال العراق سنة 1919 وثورة العشرين على الرغم من أنها مهدت لها ولم يكن بينهما إلا عدة أشهر فقط، وكذلك أحداث تلعفر وبطولات أهلها وتحريرها في مطلع شهر حزيران 1920، وغيرها كثير من تفاصيل الثورة وأحداثها.
الميثاق| ولد الميثاق الوطني العراقي من معاناة شعب يرزح تحت الظلم والاضطهاد وتحول لعنوان وطني جامع عابر للطائفية باصطفاف وطني؛ كيف تقرأ ذلك؟ وهل تعتقد أن المنهج الوطني الذي اعتمد عليه الميثاق هو من وحي ثورة العشرين؛ ولماذا؟
الضاري| بالتأكيد؛ لأن أي منهج وطني سليم وصحيح لابد له من أن يستلهم الميراث الوطني العراقي في التصدي للاحتلال في تأريخه الحديث، ويستقي من معين محطات هذا الإرث، ولاسيما من ثورة العشرين، التي هي أبرز هذه المحطات في القرن الماضي وقاعدة العمل الوطني في العراق.
الميثاق| منذ انطلاق ثورة تشرين والميثاق الوطني العراقي ومكوناته كان حاضرا وداعما ومشاركا في ثورة العراقيين ضد الطبقة السياسية ومشروع الاحتلال؛ ماهي رؤيتكم لهذا الحضور؟
الضاري| هو حضور مهم ونافع جدًا، ولابد منه لدعم هذه الثورة وإسناد جهود شبابها؛ وهو بحاجة لنشاط أكبر وتفاعل من مكونات الميثاق جميعًا مع الحراك الشبابي وثورة العراقيين المستمرة.
الميثاق| ماهي مخاطر تغول السلاح الميليشاوي في المجتمع العراقي وهل حكومة الكاظمي قادرة على الحد منه؟
الضاري| خطرها كبير وماثل للعيان قبل حكومة الكاظمي وبعدها، وليس للكاظمي -ولا أقول حكومته- لأنه رئيس بلا حكومة بتقديري، وإنما هو واجهة للقوى السياسية التي تُسيّر المشهد مستفيدة من كرسيه واسمه فقط.
الميثاق| مازالت محنة المغيبين والمعتقلين والنازحين من دون حل إنساني وسط تصميم أحزاب السلطة على التعامل معها بمنظور طائفي لماذا؟ وأين دور الأمم المتحدة وبعثتها بالعراق لحل هذه القضية؟
الضاري| نعم هذا صحيح، وهي قضايا لن تحل مادامت القوى السياسية المتنفذة تشعر أنها غير محاسبة ولا مسؤولة عن تصرفاتها، وأنها محمية من القوى الدولية والإقليمية التي يهمها استمرار هذا النظام السياسي القائم بدون مراعاة لنتائجه الكارثية ولاسيما في هذه الملفات الخطيرة. فضلا عن ذلك فإن الأداء الأممي في العراق ليس بالمستوى المسؤول؛ بسبب طبيعة وطريقة إدارة هذا الملف الحساس وغيره من الملفات الإنسانية والسياسية من قبل مكتب الأمم المتحدة في العراق، الذي أرى أنه لا يتفق حتى مع متطلبات الأمم المتحدة ورؤيتها للعمل في العراق.
الميثاق| بماذا تفسر استدارة إدارة بايدن عن موقفها إزاء إيران وأذرعها في العراق وسوريا ولبنان واليمن واحتمال عودتها إلى الاتفاق النووي؟
الضاري| سياسة بايدن ليست جديدة وليست فيها استدارة، وإنما هي مواصلة لنهج قديم اعتمدته الإدارة الامريكية ولاسيما في عهد الديمقراطيين لإبقاء الأبواب مفتوحة مع الأطراف التي تعاديها، ولكن تعتقد أنه يمكن توظيفها لتحقيق مصالحها في المنطقة، وهذا ما يحدث في العراق وما حوله، وهو السياق نفسه الذي تتعامل به الإدارة الامريكية مع إيران وفق سياسة (القفاز الناعم) التي تظهر آثارها على هيئة تخادم كبير، لا يخلو من شد وجذب بين حين وآخر لضرورات استمرار الصراع وعدم حسمه.
الميثاق| بتقديركم ماهي مخاطر هذه الاستدارة على الأمن القومي العربي وسط غياب موقف عربي للحد من تأثراته؟
الضاري| الخطر كله فيها، وما مخرجات الواقع وتخاذلات الساسة هنا وهناك المسماة تقديرا للمواقف إلا من هذا القبيل، ومنها نشوب قرن الشيطان (التطبيع)، وما استمرار الأوضاع مضطربة في العراق وسوريا واليمن إلا حصاد هذه السياسية الأمريكية (المصلحية) بامتياز.