لقاء العدد مع الكاتبة فخر الحصيني
(الباحثة السياسية بالشأن العراقي)
الميثاق/ كباحثة ومتابعة للشأن العراقي هل تفاجئتم بنتائج الانتخابات وما تمخض عنها من مواقف؟
الحصيني/ من يتابع الأحداث والتطورات في العراق بدقة والطريق الأعوج والمنحرف الذي تسير فيه العملية السياسية، وفساد الأحزاب السياسية، لن يتفاجأ بهكذا نتائج، بل أتت نتائج الانتخابات الصورية مثلما توقعناه تمامًا، لأنّه منذ 2003 لم تتمخض حكومة " الماريونيت " أو الدمى المتحركة عن أيّ انتخابات حقيقية، فمسرحية الانتخابات لم تتوقف منذ العرض الأول على يد المؤلف (بول بريمر)، والمخرج (الحكومة الأمريكية)، ومساعد المخرج (إيران)، والدمى المتحرّكة كل من دخل العراق بصحبتهم بعد 2003. وفي كل عرض جديد يتكرر السيناريو ذاته كل أربع سنوات سواء على المسرح نفسه أم غيره وبوجود نفس الدمى أم غيرها فالقصة واحدة، حبكة تجد في معاناة شعب مادةً هزلية تضحك بها على جمهور مغفل يزيدُ هزليّة المشهد بالتّصفيق لقاتليه.
الميثاق/ جمهور ثورة تشرين منهم من قاطع وشارك بالانتخابات ما هي حصيلة الموقفين؟
الحصيني/ إنَّ كلّ من شارك في الانتخابات ناخبا كان أم مرشحا له نصيب ليس فقط الخسارة بل الخسران الكبير، خسارة تتمثّل في كونه مجرد دمية يحاول أن يضفي شرعية للاشرعي، فلا يُعّتد بأيّ قرار له أو صوت وإن "حاز" على كرسي، وخسران متمثل في كونه موصوما بالخيانة لأرضه، وشعبه ودينه،
أمّا من قاطع فقد أثبت أنّه قيّم الموضوع بواقعية، وأيضا كان الرابح الحقيقي في هذه المعادلة أمام من شارك؛ ويكفيه أنه لم يكن ألعوبة بيد الفاسدين والسراق والقتلة والمجرمين.
الميثاق/ في مفارقة خيمت على مسار الانتخابات وهي أن أعضاء مفوضية الانتخابات هم من مرشحي الأحزاب الحاكمة ومع ذلك اتهموها بالتزوير والتلاعب بالنتائج كيف تفسرين ذلك؟
الحصيني/ هي ليست أحزابا وإنّما عصابات وميليشيات وهذا تصرف يتماشى مع كونهم مجموعة من اللصوص، فاللصوص لا يثقون ببعضهم في انعكاس لتصورهم عن ذاتهم اللصوصية فهم يريدون أن يتأكدوا ألّا يسرق الغنيمة لص آخر؛ والغريب في الحقيقة أن هذه المرة بسبب مقاطعة الشعب العراقي للانتخابات التي أحرجتهم جميعا وكشفت زيفهم وتضليلهم؛ الأحزاب الفاسدة واللصوص هي من نزلت هذه المرة إلى الشارع متظاهرة ضد الشعب العراقي الرافض لوجودها وتسلطها، مع أنهم كانوا يتهمون الشعب العراقي بالخائن لأنه خرج إلى الشوارع مطالبا باستعادة الوطن من المحتل وأذنابه.
الميثاق/ برأيك ما هو خيار الفائزين المحسوبين على ثوار تشرين في التعاطي مع الوقائع الجديدة على الأرض؟
الميثاق/ ثوار تشرين قاطعوا الانتخابات وأعلنوها صراحة، ومن يدعي تمثيل ثوار تشرين وانحرف عن مبادئها وتحقيق مطالبها هو لا يمثل ثوار تشرين؛ وقد رد عليه الثوار بطرده من ساحات التظاهر، ولا يوجد خيار لمن تم منحهم مقاعد برلمانية لأنهم رضوا لأنفسهم أن يكونوا أُلعوبة بيد الفاسدين وأن يلطخوا أيديهم بدماء الثوار؛ بخيانتهم مبادئ الثوار الذين خرجوا طلبا للحرية؛ وفي كل الثورات على مدى التاريخ تجد أصحاب المبادئ وتجد المرتزقة، فمنهم من يسقط شهيدا والآخر يسقط أخلاقيا وإنسانيا، غير أنّ الأمم التي تتعلم من التاريخ وتستثمر كبواتها تنجح في بناء فكر ثوري متزن.
الميثاق/ هناك شبه إجماع ببطلان الانتخابات وشرعيتها إلا أن قوى فائزة ترفض ذلك وتهدد باللجوء إلى الشارع، ما هي مخاطر الموقفين؟
الحصيني/ اللجوء إلى الشارع هو ذاته ما شاهدناه في محاولة ركوب الموجة خلال ثورة تشرين، جميع العصابات التي تسمى ظلمًا أحزابا أو تيارات؛ ليس لديها لا حاضنة شعبية ولا شارع، وإنّما منتسبون قد تنزلهم قياداتهم إلى الشوارع في "عركة حرامية"؛ فهم من أجل مصالحهم لن يترددوا بحرق العراق وشعبه؛ ولذلك هم خطر على العراق ويجب استئصالهم.
الميثاق/ هناك من يعول على دور إيران في تقريب مواقف أذنابها بعد الانتخابات تحسبا من انفراط عقد هيمنتها بالعراق، هل تستطع إيران ذلك؟
الحصيني/ جارة السوء إيران هي من تتحكم بالوضع في العراق وهي بالفعل تفعل ذلك في محاولة لتوحيد جبهة لعصاباتها ضد الشعب العراقي حتى لا يتكرر وضع تشرين. وحضور قاآني فورًا بعد الانتخابات هو إجراءٌ مُعتاد لترتيب لعبة الشطرنج وبيادقها.
الميثاق/ كيف تفسرين موقف حكومة الكاظمي من تهديد ميليشيات إيران بالاحتكام إلى السلاح إذا لم تصحح نتائج الانتخابات؟
الحصيني/ الكاظمي هو نتاج هذه المنظومة العفنة وحكومته تستمد قوتها من تلك الميليشيات فكيف له أن يرفع السلاح على حاميه؟ ذلك سوف يكون انتحارًا له، وهو يعرف ذلك ولن يقدم على هذه الخطوة؛ لذلك نعود إلى المسرحية كما أسلفنا ومشهد من فصول هذه المسرحية، والكاظمي كسابقيه سيأخذ دوره وثمنه ثم يرحل للدولة التي يحمل جنسيتها ثريًّا، مرفهًا لا يحتاج إلى معوناتها المجتمعية يعيش باقي حياته يتفاخر بأنّه يوما ما كان رئيس وزراء العراق.
الميثاق/ هل نحن أمام مشهد سياسي يمهد لواقع جديد الغلبة فيه لحملة السلاح ومشروعهم الطائفي؟
الحصيني/ هذا الواقع ليس جديدا، إنّه الواقع المُعاش منذ 2003؛ فالقوة في العراق لعصابات تحمل السلاح، وانتشار الفساد والتدهور على جميع الأصعدة ما هو إلا أعراض تؤكد ذلك الواقع. أعتقد أنّ الصراع الدموي القادم هو بين الميليشيات التي تسّيرها غريزة بنات آوى، أي غريزة المفترسات الثانويّة التي تقتات على بواقي الكواسر الأخرى من فتات الجيف. فالصراع القادم ميليشياوي وأعتقد أن أيران ستكون لها اليد الطولى في تأجيجه حتى تؤجج الخوف من بعبع الأشرار الوهميين والمظلومية الواهية؛ لكي تثبت لكل تابعاتها المفترسات أنّها ملك الغابة التي متى زأرت استترت باقي حيوانات الغاب.
الميثاق/ كيف تفسرين عزوف جمهور المحافظات الجنوبية من المشاركة بالانتخابات رغم الإغراءات والشحن الطائفي؟
الحصيني/ المثل يقول حبل الكذب قصير.. أهل الجنوب عايشوا هذا الكذب المستمر منذ ٢٠٠٣ وعرفوا خباياه حيث دخل المحتل وأذنابه وأرادوا أن يعزفوا النغم الطائفي كأن يوهموهم بمعزوفات من قبيل أنّه حان الوقت لشيعة العراق الاستفادة من خيرات العراق باعتبارهم عانوا من إقصاء مذهبي طوال العصور المنصرمة. وبعدها يستفيق من خُدع على كومةٍ من هُراء وأشلاء وطن.
إنَّ الثمن الذي دفعه أهل الجنوب حقيقةً هو ما دفعوه بعد 2003 وهو ذاته الذي دفعه أهالي باقي المحافظات العراقية الأخرى من إقصاء وبطالة وظلم وحرق لبساتينهم ومحاصيلهم الزراعية وتسميم لثروتهم السمكية كي يتم استيراد كل هذه المحاصيل من إيران، ولو ضربنا مثلا فذي قار محافظة كانت لديها ثلاثة مصانع وهي: (النسيج والسايلو والالمنيوم) وقد أُغلقت، وإغلاقها سبّب بطالة الشباب الذين لم يبق أمامهم سوى الثورة على هذا الظلم ورفضوا أن يكونوا جزءا منه. إنَّ عزوف أهل الجنوب هو نتاج للوعي المكتسب والذي ترجم لواقع تشرين والذي يخشاه المحتل وأذنابه. في رأيي إنَّ العزوف الجماعي في الجنوب هو ذو دلالة مهمة وهي أنَّ انتفاضة شعبية عامة قادمة ستكون كابوسًا على المحتل ومن جاء معه بعد أن أيقن أهل الجنوب أنَّ إيران دولة قومية لا يهمها المذهب قيد أُنملة.
الميثاق/ إلى أين يتجه العراق بفعل الانقسام السياسي والطائفي وتغول السلاح بالمجتمع؟
الحصيني/ الحقيقة هي أنه لا يوجد انقسام سياسي في العراق؛ لأنّه لا وجود لنظام سياسيي أصلا. أمّا الحديث عن الانقسامات الطائفية فهو مجرد فزاعة ترفعها الميليشيات وسيدها في قم. وما حدث من تلاحم في الشارع في ثورة تشرين لجميع العراقيين هو الواقع. وكما أسلفتُ المؤشرات تدل عل أنّ الانفجار قادم، وهو انفجار ضد إفرازات الاحتلال بأكملها.
الميثاق/ وما هو الحل لوقف حال التداعي والدخول بالمجهول؟ وهل سنشهد تجديد لثورة تشرين كرد على سراق الثورة والمتحكمين زورا بمستقبل العراق الذين أفقروا شعبه ونهبوا ثرواته؟
الحصيني/ الحل هو أن انتفاضة تشرين هي الشرارة ولا بد من استكمالها بثورة حقيقية تحت قيادة موحدة تملي على هؤلاء الشراذم في "محكومة" المنطقة الخضراء شروط الثوار ليتم التغيير الجذري والتخلص من الاحتلال وإفرازاته.
المؤشرات الإقليمية والدولية كلها تتجه نحو اليقين في كون البيئة مناسبة لذلك، داخليا بسبب الاحتقان والفساد، وإقليميا بانشغال إيران بملفات متعددة، ودوليا في وجود تغيير في مراكز القوى التقليدية.