الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات لقاء العدد (15) من صحيفة الميثاق مع الكاتب شاهو القره داغي

لقاء العدد (15) من صحيفة الميثاق مع الكاتب والباحث السياسي شاهو القره داغي

الميثاق: بماذا تفسر استهداف مطار أربيل مجددا وما هي رسائل الجهات المنفذة للهجوم؟

شاهو القره داغي: هناك عدة رسائل من الممكن قراءتها من خلال استهداف مطار أربيل للمرة الثانية خلال هذا العام بعد استهدافه في شهر فبراير أيضا:

أولا: التغيير في نوعية الهجوم واستخدام طائرة مسيرة فيه رسالة واضحة بقدرة الميليشيات على تطوير أساليب هجومهم على واشنطن وحلفائها في العراق كما يفعلون في اليمن ويستهدفون المملكة العربية السعودية من هناك، وهذا الأمر سيزيد من مسؤولية وأعباء الأجهزة الأمنية في الإقليم للتصدي لهذه المخاطر مستقبلاً.

ثانيا: الهجوم رسالة واضحة من طهران عن طريق وكلائها بأن الإقليم لن يكون البديل المناسب للقوات الأمريكية في حال انسحابها من باقي مناطق العراق وتمركزها في الإقليم، حيث تعمل هذه الهجمات على إظهار الإقليم كمنطقة مخترقة أمنيا ولا يمكن للأمريكان أن يشعروا بالأمان فيها أو يعولوا على الانتقال إليها مستقبلاً بسبب تكرار استهدافها من قبل الميليشيات.

ثالثا: الحادثة جاءت بعد هجوم "الموساد الإسرائيلي" على المفاعل النووي الإيراني، وعلى الرغم من الأبعاد الداخلية للحادثة، إلا أنه من الممكن أن نقرأها كرد إيراني على المحور المعادي لطهران وكأنهم نجحوا في الرد على إسرائيل عن طريق هذا الهجوم.

الميثاق: رغم أن مسؤولًا كرديا اتهم صراحة ميليشيا أحد أذرع إيران بالعراق باستهداف الإقليم إلا أن الحادث لم يتجاوز الإدانة؟

شاهو القره داغي: كانت هناك إدانة دولية واسعة للحادثة ومن الواضح أن الميليشيات الموالية لإيران وراء الحادثة وخاصة أن الأجهزة الأمنية في الإقليم اتهمت بوضوح ميليشيا كتائب "سيد الشهداء" بالوقوف وراء القصف الأول، ومن سياق الهجوم وأسلوبه يتضح أن هذه الميليشيات هي التي تقف وراء الحادثة، وعندما نرى السفير الإيراني السابق في بغداد يقول إن الهجمات على القوات الأمريكية سوف تستمر وإقليم كردستان لن يكون آمانا لهم فهذا يعني أن العمليات تُدار من وكلائهم في العراق.

وقد رأينا عتبًا سياسيًا كرديًا أيضا على الأمريكان، عندما كتب السياسي الكردي المخضرم محمود عثمان عندما قال: "إذا لم تستطع القوات الأمريكية الدفاع عن نفسها عند مهاجمتها، فعليها مغادرة المنطقة المجاورة لمطار أربيل لتجنب وقوع إصابات بين المدنيين. لماذا يجب أن ندفع ثمن تقاعسهم عن العمل؟" وهذا يوضح الانزعاج الكردي من غياب الحماية الأمريكية لمصالحها في أربيل، وخاصة أن مثل هذا الهجوم يؤثر سلبيًا على سمعة الأمن والاستقرار في الإقليم وسبب الهجوم تواجد القوات الأمريكية.

الميثاق: هل نحن أمام أحداث مماثلة قد تطال الوجود الأمريكي في العراق لتعزيز موقف المفاوض الإيراني مع إدارة بايدن فيما بخص البرنامج النووي الإيراني؟

شاهو القره داغي: تكرار الهجمات الميليشياوية في العراق على الأهداف الأمريكية في عهد بايدن يأتي بعد إدراك طهران بأن هذه الإدارة تختلف تمامًا عن إدارة ترمب التي لم تكن تتسامح مع هكذا عمليات وكانت ترد بشكل فوري وقاسي، تحاول إيران أن تبرز قوتها وقدراتها للجانب الأمريكي وتجعل من ملف انسحاب القوات الأمريكية من العراق من ضمن ملفات التفاوض مع أمريكا للحصول على تنازلات من الجانب الأمريكي، وتريد جر أربيل أيضا إلى صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية لتحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات، ومن الواضح أن إدارة بايدن تطمح باتفاق مع إيران ولذلك تتغاضى عن هذه الهجمات أو تندد بالهجوم دون أن تلحقه بردود عسكرية على أرض الواقع.

الميثاق: انفجار مدينة الصدر عده مراقبون أنه رسالة لمن يهمه الأمر بأن معاقل التيار الصدري وطموحاته المستقبلية مرهون بسلاح الميليشيات وقدرتها على فرض الأمر الواقع؟

شاهو القره داغي: يحاول مقتدى الصدر أن يقدم نفسه كطرف مميز ومخالف للميليشيات الوقحة كما يسميها، وعدم الظهور كموالي لإيران بل كعراقي مستقل يحاول التوازن بين العلاقات الخارجية والداخلية، ويعمل على الحفاظ على جمهوره وقاعدته الجماهيرية بناء على هذه الأسس، وبالرغم من امتلاكه لميليشيات مسلحة مثل باقي الأطراف السياسية على الساحة العراقية وتحالفه مع قادة المحور الإيراني، إلا إنه يتعمد التركيز على البُعد العراقي مع اقتراب الانتخابات لتمايز نفسه عن الميليشيات الموجودة على الساحة، ولضمان حصوله على الأصوات الكافية وخاصة أنه يطمح منذ الآن بالاستحواذ على رئاسة الوزراء للحكومة القادمة.

الميثاق: هل ترجح تصاعد التوتر والصراع بين التيار الصدري والميليشيات كلما اقتربنا من الانتخابات؟

شاهو القره داغي: من الممكن أن تتتطور المشاكل بين التيار الصدري وباقي الميليشيات ولكن من الصعب أن تصل إلى نقطة التصادم، وخاصة أن هذه الأطراف تُدرك أن الدخول في حرب داخلية سيعني خسارة كل المكاسب والامتيازات التي حصلوا عليها خلال الأعوام الماضية، وبالتالي الأفضل تقاسم السلطة والنفوذ وإدارة العلاقات بطريقة سليمة لحماية مصالحها، وخاصة أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر معروف بتناقضاته وتقلب سياساته بشكل سريع وتحوله من جبهة إلى أخرى.

فمن المؤكد أنه مع اقتراب موعد الانتخابات قد يتصاعد الخلافات بين القوى السياسية، وهذه الخلافات ستؤثر سلبيًا على أرض الواقع، لأن عمليات الانفجارات والانفلات الأمني والفوضى تجسد الخلافات السياسية، وخاصة أن هذه الأطراف لا تخضع للمعايير الديمقراطية في تسوية خلافاتها بل تلجأ إلى السلاح والعنف والتفجيرات لإرسال الرسائل إلى الخصوم، وفي ظل غياب جهاز أمني حيادي ومستقل وغير مخترق فالعمليات ستستمر بسبب عدم قدرة الأجهزة الحالية على مواجه الأذرع المسلحة للأحزاب السياسية

الميثاق: يلاحظ أن حكومة الكاظمي تكتف بالإدانة والتعهد بملاحقة حاملي السلاح المنفلت من دون وضع حد له؟ كيف تقرأ ذلك؟

شاهو القره داغي: حكومة الكاظمي حاولت التصادم مع الميليشيات وتطبيق القانون في موقفين واحد منها في البصرة والآخر في بغداد عند اعتقال عناصر من الميليشيات في الجرم المشهود، ولكن ردة فعل الميليشيات والاستعراضات العسكرية والتهديدات دفعت الحكومة إلى التراجع وترك الميليشيات بحرية، وهذا الأمر ظهر في خطاب زعيم عصائب أهل الحق عندما قال: إن الحكومة لديها وظيفة وهي أخذ البلاد نحو الانتخابات وإدارة الأزمة الاقتصادية والصحية، وليس من صلاحياتها الاقتراب من سلاح الفصائل أو التدخل في موضوع استهداف القواعد العسكرية الأمريكية، وهذه الرسالة وصلت إلى الكاظمي وأدرك استحالة مواجهة الميليشيات حتى لو ترقت عملياتها إلى عمليات إرهابية باعتراف الأجهزة الأمنية، ولكن بخلاف الجماعات الأخرى فإن هذه النشاطات الإرهابية لا تدفع الدولة للتصدي للإرهابيين أو توصيفهم بالإرهابيين خوفًا من ردة فعلهم، ومن الواضح أن الكاظمي يُدرك أنه يتعامل مع إداة إيرانية على الساحة العراقية وليس مع جماعات عراقية محلية وهذا يدفعه للحذر في التعامل مع الميليشيات وأصحاب السلاح المنفلت، ولكن في النهاية تردد الدولة في وضع حد للسلاح المنفلت يزعزع الثقة بهذه الحكومة ومدى قدرتها على إدارة الانتخابات المبكرة وتهيئة الأجواء المناسبة وهي عاجزة عن السيطرة على السلاح الذي له تأثير مباشر على الانتخابات، وخاصة أن الميليشيات تجهز نفسها للمشاركة أيضا وتعد أنصارها بزيادة رصيدها في البرلمان القادم.

الميثاق: كيف تقرأ خارطة التحالفات السياسية ودور إيران في عملية تعزيز حظوظ أذرعها في الانتخابات المقبلة؟

شاهو القره داغي: ليس من المتوقع أن تجري تغييرات جوهرية في خارطة التحالفات خلال الانتخابات القادمة، خاصة أن أصحاب السلاح والمال من الآن يستعدون للمشاركة في الانتخابات وبدعم خارجي، بينما الأطراف المستقلة أو الأحزاب التي انبثقت عن المظاهرات فيبقى تأثيرهم محدودا، وهذا يبدو واضحًا من خلال استهداف واغتيال وتصفية بعض الأصوات التي كانت تستعد للمشاركة في الانتخابات وتفعيل السلاح لتصفية المنافسين منذ الآن؛ وبعض الأطراف الدينية التي تشعر بنفور المواطنين عن خطاب الأحزاب الدينية قد تلجأ للشعارات المدنية كتكتيك مؤقت لكسب الأصوات ثم تعود لاحقًا للتحالفات الطائفية والتخندقات المذهبية بعد انتهاء الانتخابات.

الميثاق: هل ترجح تأجيل الانتخابات؟ أم أننا سنشهد تزويرا يفوق ما قبله لتعزيز الهيمنة على كل مقدرات العراق؟

شاهو القره داغي: هناك استعداد داخلي ودعم دولي لإجراء الانتخابات على الرغم من غياب الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات بصورة ناجحة ونزيهة بعيداً عن أيادي الفاسدين، ولكن التأجيل أيضا يبقى وارداً وخاصة أن هناك أطراف سياسية تأمل بتأجيل الانتخابات إلى موعدها الدستوري في أبريل من عام 2022 لأنها تخشى من أن لا تكون الرياح كما تشتهي السفن وخاصة أنها ترى اندفاع التيار الصدري لإجرائها في موعدها المحدد وقدرتهم على كسب 100 صوت.

من المؤسف أن عمليات الغش والتزوير والتلاعب ستكون حاضرة في الانتخابات القادمة كما كانت حاضرة في الانتخابات السابقة لعدة أسباب أهمها: بقاء العوامل التي تؤدي إلى التزوير والتلاعب بالنتائج وعدم وجود معالجة حقيقية، وعلى الرغم من وجود الإشراف أو الرقابة الدولية ودخول منظمات دولية لغرض متابعة العملية إلا أن هذه المحاولات غير قادرة على منع التزوير والتلاعب بالنتائج في ظل السلاح المنفلت وقدرة الأطراف السياسية على استخدام أموال الدولة لشراء الذمم و التأثير على إرادة الناخبين .

الميثاق: كيف تقرأ مسار العلاقة الجديدة بين العراق وإدارة بايدن وانعكاسها على مسار الأحداث بالعراق؟

شاهو القره داغي: من المهم أن يكون للعراق علاقات سليمة مع كل الدول، وكانت المفاوضات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية فرصة لبناء علاقات سليمة على أسس واضحة، ولكن المشكلة أن الطرف العراقي لا يملك إرادة حرة في هذه المفاوضات، ورأينا كيف تصاعدت ضغوطات الأطراف الموالية لإيران مع بدء المفاوضات الثنائية وكيف أن إيران تضغط على الأطراف العراقية بخصوص هذه المفاوضات، وبالتالي يصعب بناء علاقات سليمة على أساس المصلحة العراقية ومصالح العراقيين، بل سيكون محور الحوار تحقيق المطالب الإيرانية والتركيز على الانسحاب كجزء من المطالب الإيرانية من وكلائها في العراق وهي تهدد باستمرار الصواريخ العشوائية على العاصمة بغداد في حال لم يتم الخضوع إلى مطالبها

العراق بحاجة إلى التعاون والتنسيق مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الأمر ظهر جليًا من خلال عجز القوات العراقية لوحدها عن مواجهة التحديات الأمنية ولكن الطرف الإيراني يضغط باتجاه انسحاب كافة القوات الأجنبية من العراق حتى تفرغ لها الساحة بالكامل؛ وتكون اللاعب الوحيد في الساحة العراقية، والإصرار على هذه النقطة بالذات ليس فيها مصلحة عراقية بقدر ما هو مطلب إيراني دون النظر إلى المخاطر الأمنية التي قد تلحق بالعراق.

الميثاق: هناك من يعتقد أن إدارة بايدن في بصدد استدارتها عن الملف العراقي؟

شاهو القره داغي: الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع أن تتخلى عن الملف العراقي بشكل كامل، ولكن هناك احتمالية دائمة بقرار أمريكي بالانسحاب من العراق نتيجة لتصاعد الضغوطات عليها، والطرف الأمريكي قد كرر عدة مرات بأن على السلطات العراقية حماية المصالح الأمريكية في العراق وأن هذا العمل وظيفة الحكومة العراقية ومن الواضح أنهم قد يتخذون قرارات أخرى في حال شعروا أن البيئة غير آمنة وهناك مخاطر حقيقية على مصالحهم ونفوذهم.

مقالات متعلقة