الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات لقاء العدد (14) مع السياسي والباحث في مركز الأمة للدراسات والتطوير الأستاذ إياد العناز

لقاء العدد مع السياسي والباحث في مركز الأمة للدراسات والتطوير الأستاذ إياد العناز

الميثاق: كيف تقرأ أوضاع العراق بعد 18 عاما على غزوه واحتلاله؟

العناز: علينا أن ندرك حقيقة واضحة وميدانية وهي فشل الإدارة الأمريكية في إقامة نظام سياسي في العراق واعتباره واحة ديمقراطية للشرق الأوسط وأنموذجا للعلاقة بين الشعب وحكومته؛ فأصبح العراق مرتعا للفساد السياسي والاقتصادي ونهب المال العام، وضَيعة كبيرة تدار من قبل النظام الإيراني، ومثالا للقتل والتدمير والترويع وسفك الدماء ومزيدا من الاغتيالات والاعتقالات وعمليات الخطف وصورا لمدن وأقضية أصبحت أطلالا وخرابا وملايين النازحين والتاركين لدورهم ومدنهم بسبب الإجراءات التعسفية والعمليات العسكرية التي دارت رحاها طيلة السنوات الماضية، هذا هو العراق الذي بشرت به الإدارة الأمريكية وهذه هي سياستها تجاه شعب العراق الذي أرادته ليكون دليلا صارخا لسياستها الرعناء.

العراق بعد مرور 18 عاما على احتلاله أصبح بلدا ضعيفا منهكا تتقاذفه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتنعدم فيه سبل العيش الكريم والحياة السعيدة الهانئة، شعبه يعاني ويكابد ويصارع ضنك العيش في ظل انعدام الخدمات والعناية الصحية والرعاية الاجتماعية والتربوية والتعليمية وزيادة البطالة وانتشار الرشوة والمحسوبية والفساد، والافتقار لأبسط مستلزمات الحياة.

الميثاق: شكلت مخرجات المؤتمر الثاني للميثاق الوطني العراقي مرحلة جديدة في مسار العمل الوطني لمواجهة تداعيات فشل أحزاب السلطة وتغولها، كيف ترى هذا المسار الجديد لإنقاذ العراق؟

العناز: حدد المؤتمر الثاني للميثاق الوطني أسس واستراتيجية للعمل الوطني الموحد لإنقاذ العراق وإبقائه موحدا، ورسم صورة عملية ميدانية للتغيير نحو عراق جامع بعيدا عن الأنانية والإقصاء وتحقيق رؤية مستقبلية شاملة تؤخذ بنظر الاعتبار إرادة شعبنا العراقي المجاهد وقواه الوطنية المناهضة للاحتلال الأمريكي والنفوذ والتمدد الإيراني.

وقد جاء انعقاد المؤتمر في وقت مهم يشهد مرحلة خطيرة يمر بها العراق وشعبه الكريم الذي تفيض جراحه دما منذ أكثر من ١٨ سنة، فضلا عن معاناته من آثار الاحتلال الأمريكي والتغول الإيراني، وقد أكدت منطلقات ونتائج المؤتمر الفعل التاريخي للقوى الوطنية الرافضة للواقع السياسي القائم في العراق، وجاء المؤتمر ليؤكد على حقائق ميدانية ويرسم رؤى ناصعة حددها في مفاهيم وطنية اتسمت.

بالصوت الحر والمواقف الوطنية والأهداف الجماهيرية والوعي الشعبي في تعزيز مفهوم الانتماء للوطن والتماسك الاجتماعي الذي يعزز قوة والتحام أبناء الشعب العراقي الواحد الذي حاول الاحتلال التأثير عليه وزرع الفتنة الطائفية السياسية، وقد أكد المؤتمر أن الواقع يتطلب إعدادا وتغييرا شاملا بأسس وركائز متينة تحدد المستقبل لعودة العراق وشعبه المكافح لدوره الريادي الوطني وتأثيره بالعالم العربي والإسلامي والحفاظ على ثرواته وعوائده المالية، والنهوض بالعراق من واقعه المرير ومآسيه المستمرة منذ 18 عاما.

الميثاق: ماهي مخاطر تغول سلاح الميليشيات وارتباطه بالمشروع الإيراني التوسعي؟

العناز: من أبرز ملامح ومعطيات الاحتلال هي سماحه بالنفوذ والهيمنة الإيرانية على العراق وتدخله في الشأن الداخلي العراقي باستخدام جميع الوسائل والأدوات في إحكام السيطرة على مؤسساته الحكومية، وحتى الحكومة وأجهزتها العسكرية والأمنية فقد اختارت العديد من الشخوص والوكلاء التابعين لها وأغدقت عليهم المال والسلاح لتمكينهم من السيطرة والنفوذ بممارسة الإرهاب واضطهاد المواطن العراقي الذي يقف بوجه المشروع الإيراني في العراق، النظام الإيراني وميليشياته في العراق استطاع فرض سيطرته بالقوة على المناطق والمدن العراقية وإنشاء العديد من الواجهات والمكاتب والمصالح التجارية لتكون أدواته في تكوين دوائر واسعة لدعم ومساند المشروع الإيراني، وتمكنت هذه الواجهات والأدوات من تعزيز هذا الجانب الذي جاء متزامنا مع العقوبات الأمريكية على النظام الإيراني.

الميثاق: هناك من يراهن على الانتخابات المقبلة لتحقيق التغيير: هل تعتقد أن موجبات التغيير الحقيقي ستتوفر من انتخابات يتوقع تزويرها كسابقاتها؟

العناز: العراق مقبل كما تريد أدوات العملية السياسية نحو انتخابات تسعى فيها هذه أحزاب السلطة إلى إعادة تكوين نفسها وخداع الجماهير مرة أخرى، ولكن الأمور أصبحت أكثر وضوحا أمام الشعب العراقي وأصبحت العملية السياسية تشكل كاهلا وعبأ ثقيلا على حياة ومستقبل المواطن العراقي الذي أيقن أنه ذاهب للمجهول باستمرار العملية السياسية والانتخابات الصورية التي تخدم بقاء الأحزاب الفاسدة وسيطرتها وهيمنتها على ثروات العراقيين، ولا تمتلك القدرة على قيادة البلاد أو إيجاد الحل للأزمات الداخلية والخارجية التي تعصف بالبلاد.

تبقى العملية السياسية رهينة لمصالح الأحزاب وبوابتها في التحكم بمستقبل العراق ونهب ثرواته رغم جميع الإشكاليات والإخفاقات التي رافقت المهزلة الكبيرة والفضيحة الواسعة لانتخابات عام 2018 والعزوف الجماهيري عن المشاركة فيها حيث بلغت نسبة عدم ذهاب المواطنين إلى مراكز الاقتراع 80% إضافة الى فضيحة التزوير الشامل في مجمل المراكز الانتخابية، بالإضافة إلى عدم وجود ما يمنع تكرار عملية تزوير الانتخابات القادمة وسرقة واغتيال صوت الجماهير الذي تسعى إليه هذه الأحزاب الفاسدة.

الميثاق: بماذا تفسر تردد إدارة بايدن في استهداف ميليشيات إيران وقواعدها ونفوذها في العراق؟

العناز: تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى إرسال المزيد من الرسائل وتقديم العديد من الإشارات إلى شركائها الأوربيين باستعدادها للبدء بالمفاوضات والحوار مع طهران وآخرها التراجع عن آلية (سناباك) المتعلقة بالعقوبات الأممية على إيران وإشعار مجلس الأمن الدولي بذلك مع عدم اتخاذ أي إجراءات تجاه المشاكسات التي تقوم بها عناصر الميليشيات المسلحة على شركات الدعم اللوجستي التابعة للتحالف الدولي، في الأيام الماضية داخل العراق، والتزامها سياسة ما تسمى ضبط النفس! في حين يواصل مسؤولو النظام الإيراني تصريحاتهم وتهديداتهم بتقليص التزام طهران ببنود الاتفاق النووي ورفض بعض عمليات التفتيش المفاجئة التي تقوم بها وكالة الطاقة الذرية.

لا تسعى إدارة بايدن إلى مواجهة حقيقية مع النظام الإيراني وأدواته وميليشياته أو توجيه ضربات موجعة لهم ولمواقعهم وهذا يساعد على استمرار التمادي في إعمالهم وزيادة نفوذهم وتأثيرهم على الأوضاع السائدة في العراق؛ وهذا واضح من خلال التصريحات التي ترد على لسان قياداتهم الأمنية والاستخبارية التي تواكب مسيرة المشروع السياسي التوسعية في العراق.

الميثاق: أزمة النازحين تتفاقم والتغيير الديمغرافي يزحف على المدن الغربية، ما هو المطلوب وأين يكمن فشل وإخفاق البعثة الأممية في العراق لحل هذه المعضلة؟

العناز: لم تتمكن حكومة بغداد من معالجة الأزمات الاجتماعية التي مر بها العراق عبر الأحداث التي وقعت في السنوات الماضية وأدت إلى كارثة إنسانية تمثلت بنزوح (6) مليون نسمة من المحافظات والمدن الرئيسة التي شهدت المواجهات العسكرية والأمنية وعمليات التهجير والتغيير الديمغرافي ما بين عامي (2012-2017) ولم تكن لديها الأسس والأفكار التي تمكنها من وضع البرامج والخطط الإيجابية في معالجة أوضاع النازحين وكيفية احتوائهم وتوفير مستلزمات الحياة لهم عبر وسائل اجتماعية تعين المواطن وتحفظ له كرامته وإنسانيته.

استمرت هذه الأزمة الإنسانية وأوجدت حكومة بغداد بعض الإجراءات الخجولة وحاولت فيها إعادة العوائل النازحة إلى مناطقهم ولكن ما يزال هناك أكثر من مليوني إنسان عراقي نازح ويسكن المعسكرات التي أعدت لهم خارج المدن ويعاني فيها الأهالي العديد من المشاكل والمصاعب وصعوبة العيش وقلة الموارد المالية ومشاكل في النواحي الصحية والتعليمية والتموينية ووجود الأطفال الذين يفتقدون أسس صحيحة لبدأ عملية التعليم وافتقارهم إلى وثائق مدنية ولا يحق لهم التعليم دون الحصول عليها بسبب صعوبة الحركة والتنقل والإجراءات الروتينية التي تمنعهم من الخروج من المعسكرات ومتابعة الحصول على هذه الوثائق، كما أن الظروف الصحية أدت إلى انتشار جائحة كورونا وبدأت تقلق العوائل النازحة وتخشى على أبنائها من الإصابة بسبب اكتظاظ المعسكرات بالعوائل وسط ظروف صحية سيئة وغير سليمة ولا تتمثل فيها وسائل الوقاية والعلاج.

وأمام هذه المشاهد الإنسانية المؤلمة والواقع المرير للعوائل النازحة نرى أن موقف حكومة بغداد يبتعد عن التعامل الميداني الصحيح بل إن التزام الحكومة ضعيف وما زالت هناك عقبات عديدة لم تستطع المؤسسات الحكومية من معالجتها رغم مرور أكثر من (5) سنوات على هذه المأساة وأهمها عدم اكتمال عملية البناء والإعمار للمنازل والدور المهدمة في الأماكن التي شهدت عمليات القصف الجوي والميداني والمواجهات العسكرية بين جميع الأطراف الداخلية المتحاربة وعدم الإيفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها حكومة بغداد بإعادة الخدمات واستكمال رفع الألغام الأرضية وخاصة في المزارع والحقول التي تسببت في خسائر جسيمة بالأرواح وضياع في الممتلكات مع انعدام فرص العيش والعمل للعوائل النازحة التي ترغب في العودة لدورها وأماكن سكناها ويفترض أن تكون مراحل ضمن أطر ورؤى واقعية وقرارات واضحة وبحالة طوعية وصور كريمة تحفظ للإنسان حياته.

ستبقى مشكلة العوائل النازحة قائمة وتهدد الأمن الاجتماعي للعراق كونها أصبحت وبفعل وسيطرة بعض الأحزاب السياسية على قرار عودتهم؛ كونها تتعامل مع هذا الملف الإنساني بصورة سياسية وليس اجتماعية بعد أن أصبح ملف عودة النازحين مثلا في منطقة جرف الصخر التابعة لمحافظة بابل ذات أبعاد سياسية وسط عجز حكومي ونفوذ إيراني متزايد ضد أي حل ميداني وواقعي لأهالي هذه المنطقة بمنع (140) ألف نسمة من العودة لمنازلهم وسيطرة الميليشيات المسلحة عليها منذ الأول من تشرين الأول عام 2014.

ويضاف إلى ذلك انعدام الثقة بين العوائل النازحة والرئاسات الثلاث في بغداد كونها تتبع صيغ الدعايات والتصريحات الحكومية والنيابية في موضوع إنهاء هذه الأزمة وعدم رفع معاناتهم، فضلا عن وجود أدوات الفساد وحلقات المفسدين الذين يسعون للبقاء والتلاعب والاستفادة من الأموال المعدة للعوائل النازحة والتباطؤ في صرف مبالغ التعويضات المالية، وتقديم العون في مساعدة العوائل وتمكينهم من إصلاح وترميم دورهم واستمرار عملية التسويف والمماطلة التي تتبعها بعض الجهات الحكومية والحزبية على حساب معاناة النازحين.

وتبقى الأمم المتحدة وعبر منظماتها ومكاتبها وممثليها في بغداد بعيدة عن مواجهة الوقائع الميدانية على الأرض العراقية وذكر الحقائق التي يتسم بها المشهد السياسي العراقي لأنها جزء مهم من عملية دعم وإسناد العملية السياسية في بغداد والحفاظ على النظام الحالي من خلال الدعم الدولي والتأثيرات السياسية ولهذا تأتي جميع الكلمات والرسائل والمناقشات داخل مجلس الأمن أو عبر اجتماعات الأمم المتحدة بعيدة عن حقيقة المعاناة التي يعيشها أبناء الشعب العراقي.

الميثاق: حاولت حكومة الكاظمي تجميل صورتها أمام العالم باستغلال زيارة بابا الفاتكان للعراق رغم أنها فشلت في تحقيق الأمن وكف يد الميليشيات عن استهداف المتظاهرين السلميين بماذا ترد؟

العناز: عمدت هذه الأجهزة والميليشيات على إيجاد العديد من الوسائل لوأد ثورة تشرين التي انطلقت منذ الأول من تشرين الأول 2019 وقد بدأت الميليشيات بعمليات البحث والمتابعة عن قادة الانتفاضة والموجهين لها والمنظمين لأدواتها والفاعلين في استمرارها، واعتقالهم وتغييبهم وقتل العشرات منهم، ورغم جميع وسائل القمع المستمرة إلا أنهم لم تتمكن من الوصول لغاياتها الخبيثة؛ لصدق توجهات الثوار وإيمانهم بالله تعالى وحسن التوكل عليه، وسلوك الأدوات الإيجابية التي يستخدمونها والأهداف الحقيقية التي ينطلقون منها وروح التضحية والكفاح التي يتصفون بها.

هذه الروح الوثابة التي اتصف بها ثوار ساحة التحرير والميادين والساحات العامة في مراكز المدن والأقضية في المحافظات الوسطى والجنوبية أوحت للأيادي الآثمة والأدوات الخبيثة أن تبحث عن وسائل أخرى وبأطر وأساليب أكثر إيذاء للإيقاع بالثوار والناشطين المدنيين والسياسيين والإعلامين وطلبة الجامعات والمعاهد وجميع المؤيدين الفاعلين في الثورة والساعين إلى استمرار وهجها وتألقها وسبل نجاحها نحو تحقيق آمال الشعب في التغيير القادم، فأوجدت العديد من الفصائل الميليشياوية والعناصر التي تتصف بالرعونة والقتل والعنف من خلال شبكات ترتبط بها وتسعى للبحث عن هؤلاء الثوار الناشطين لإيذائهم واعتقالهم وملاحقتهم والتمكن منهم وتصفية العديد من الشخصيات الفاعلة والقادرة على التأثير في الميدان الشعبي وساحات الثوار فكانت عمليات القتل والاغتيال التي طالت العديد من النشطاء في محافظة بغداد وأحيائها ومحافظات كربلاء والنجف وذي قار والبصرة وأصبح عدد الشهداء المغدورين والملاحقين من هذه الشبكات بالعشرات بين إعلامي وصحفي وناشط مدني وسياسي وطني ورئيس عشيرة ثائر ومواطن مؤيد شريف وبدأت حملات الاعتقالات للعديد من المؤيدين للثورة وأهدافها وطالت أبناء الشعب العراقي المنتفض في جميع الأماكن والمحلات والأزقة التي يتردد صدى وروح الثورة فيها .

مقالات متعلقة