الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات قضبان الـذل وزنازين الموت...

بقلم| زياد المشه‍دانـي

تبرر الحكومات في العراق والمنظمات الحقوقية التابعة لها ظاهرة تعذيب السجناء في العراق، بأن التعذيب في السجون موجود في كل الأنظمة الدكتاتورية، بمعنى أن التعذيب في السجون يوجد منذ تأسيس الدولة العراقية؛ ليبرروا إجرامهم؛ لكنهم يتناسون أن السجون منذ 2003 بُنيت على أسس الاحتلال، فلا يوجد وجه مقارنة بينها وبين النظام الوطني مهما كان.

(أموات يتنفسون) هكذا يمكن أن نصف وضع السجناء داخل السجون العراقية لأنهم يتعرضون إلى تعذيب مشدّد وقاسي جدًا فضلا عن تجويعهم ونشر الأمراض بينهم في زنازين تنعدم فيها الحياة، وبحسب تقرير الأمم المتحدة لعام (2021) الذي يغطي الفترة من (1يوليو) عام (2019)الى (30 ابريل) من عام (2021) فإن غالبية المعتقلين تعرضوا للتعذيب المشدّد، مؤكدا على أن الغالبية منهم تعرضوا للعنف المفرط كالصعق الكهربائي والخنق والوضعيات المجهدة، والاعتداء الجنسي؛ لانتزاع اعترافات بجرائم لم يرتكبها المعتقلون، بل ولا يعلمون عنها شيئا، يمارس هذا الإرهاب الحكومي مع جميع المعتقلين ويزداد سوءا وشدة مع معتقلين من أبناء المحافظات المنكوبة المحافظات الشمالية والغربية وديالى، وتتعرض هذه المناطق إلى حملة تطهير وإبادة جماعية منذ احتلال العراق وإلى يومنا هذا، ووجود آلاف المغيبين من أبناء هذه المحافظات شاهد على حجم المأساة التي يتعرضون لها من قبل الحكومات والميليشيات الطائفية.

ومن الوسائل الرخيصة التي يستخدمها ضباط التحقيق هو تهديد المعتقل بالاعتداء على زوجته وأهله وفي أكثر الأحيان يأتون بأهل المعتقل ويهددونه إن لم يتحمل وزر جريمة لم يرتكبها، وقد اطلعت على قصة تعذيب مؤلمة، وهي قصة حقيقية: رجل وأبناؤه الثلاث وابن اخته تم اعتقالهم بدوافع طائفية، وبعد التعذيب بالصعق الكهربائي قتل أحد الأبناء أثناء التعذيب؛ فارتعب ابن اخت الرجل وانهارت أعصابه وبدء بالاستنجاد وطلب العفو من نائب الضابط المسؤول عن تعذيبهم؛ فاشترط عليه نائب الضابط مقابل عدم تعذيبه واغتصابه أن يقوم هو باغتصاب خاله أمامه، وفي حالة انهيار هذا الشاب هاجم خاله للتخلص من التعذيب، دافع الخال عن نفسه ثم تدخل ابنه فضرب ابن أخت الرجل الكبير، وتشاجروا أمام أعين الجنود الذين يضحكون باستهزاء وهم يحرضون ابن الاخت على المهاجمة بشراسة أكبر وإلا سيواجه المصير نفسه! وبعد فشل الشاب عن تنفيذ أوامر السجان المخزية، تم إدخال العصا بفرج ذلك الشاب وصعق كهربائي لعضوه الذكري مما تسبب بموت عضوه، في مشهد يلخص حجم المأساة والمعاناة والحقد الذي يحمله الطائفيون الولائيون ضد أبناء الشعب العراقي.

السجون العراقية أصبحت أداة قذرة بيد الأحزاب والميليشيات تدر لها أموالا طائلة من خلال مساومة ذوي المعتقلين وسلب أموالهم مقابل عدم تعذيب أبنائهم أو لتحصيل معلومات بشأن أولادهم وغالبا ما تنتهي الأمور إلى سرقة الأموال وعدم تحقيق الوعود التي أطلقها السجانون، وهناك من العائلات التي باعت منازلها من أجل أبنائهم.

ولم يكتف المسؤولين بهذه الجرائم البشعة بل أخذوا بترويج المخدرات داخل السجون، حتى أصبحت تجارة المخدرات رائجة داخل السجون يشرف عليها ضباط ومسؤولون كبار في النظام البائس، الذي يحرص على قتل المعتقلين بالتعذيب أو بالمخدرات، فلم يكفهم التعذيب النفسي والجسدي والتجويع فاتجهوا لتدمير المظلومين عن طريق الإدمان.

وأشارت التقارير الصادرة من الأمم المتحدة إلى أن العديد من ذوي المعتقلين قدموا شكاوى الى مكتب مفوضية حقوق الإنسان العراقية بهذا الشأن إلا أن المفوضية والسلطات تتجاهل تلك الشكاوى، وأكدت التقارير الأممية أيضا وجود ظاهرة "الإفلات من العقاب" خصوصا المسؤولين الحكوميين وأفراد قوات الأمن وعناصر ميليشيا الحشد الشعبي والأجهزة الأمن في إقليم كردستان.

ومع أن العراق من الموقعين على عدة معاهدات دولية تحظر التعذيب إلا أن 90% من المعتقلين يتعرضون إلى تعذيب مفرط ينتهي بعضها بموت المعتقل قبل محاكمته. وتم توثيق وفاة مئات المعتقلين قبيل إطلاق سراحهم وانتهاء محكوميتهم التي هي في أصلها باطلة؛ هذا فضلا عن اكتظاظ السجون بالنزلاء والإهمال الصحي المتعمد وانعدام الخدمات الطبية، ونشر الأوبئة والأمراض المزمنة التي تؤدي إلى موت المعتقلين لاحقا.

ومن جانب آخر يدفع النزلاء أموالا طائلة كي يتمكنوا من الأكل والشرب في السجون، بل وحتى نقلهم إلى المحاكم يجب أن يدفع المعتقل ثمنها الباهض، وإلا فإن المسؤولين سيعرقلون سير المحاكمات، كل هذا يجري بعلم السلطات الحكومية، التي تتجاهل كل القوانين التي تكفل حق السجين بالأكل والشرب والمعاملة الإنسانية، ووفقا لاتفاقية جينيف فإن السجون تعد دورا للإصلاح وإعادة التأهيل لمرتكبي الجرائم لكن ما يحدث في العراق هو أن المسؤولين يحتاجون إلى إعادة تأهيل لارتكابهم جرائم بحق المعتقلين لأنهم جعلوا السجون مقبرة لآلاف الأبرياء والمظلومين، وإن كتب له النجاة من الموت فإنه سيخرج مشوها نفسيا وجسديا، ناقما على الحكومة والدولة كلها إن وجد ما يسمى الدولة. السجون في العراق هي صورة من صور المأساة الحقيقية التي يتعرض لها الشعب العراقي.

مقالات متعلقة