الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

تقارير قدوة النساء في التحرير.. ما هي قصة أول متظاهرة في بغداد؟

؟

في الـ (24 من تشرين الأول/ أكتوبر) المنصرم، ومنذ ساعات الصباح الأولى جلست تفترش ساحة التحرير وهي ترتدي لون الحداد الذي لم يفارقها منذ عام 2006 وهي برغبة الانتقام لتلك السنوات بذات اللون الذي يفسره البعض عقابًا في بعض المناسبات.

أسفل نصب الحرية للفنان الراحل جواد سليم، وحيثما كانت معتادة اختارت أن تجلس رفقة العلم العراقي الذي كانت تصطحبه معها، لكن هذه المرة ليست بصفة متسولة، بل مشاركة للنصب غايته، ذلك النصب الذي يرمز إلى الحرية.

“لم يعد هناك متسع من الوقت أو شيء يمكن انتظاره من هذه الحكومة”

ألم المأساة

ملامحها كانت توحي إلى بلوغها النصف الأول من عقدها الخامس، أم لخمسة أبناء، فقدت زوجها الذي كان يعمل سائقًا لشاحنات البضائع على طريق (كردستان – بغداد) منذ عام 2006 ، لكنها تأكدت من وفاته بعد سنوا أربع من ذلك التاريخ، ريثما اكتملت إجراءات التحقيق.

استجابةً لدعوات أطلقها شباب على مواقع التواصل الاجتماعي للخروج بتظاهرات يوم ( 25/ تشرين الأول/ أكتوبر) لاستكمال التظاهرات التي خرجت في الأول من الشهر ذاته تنديداً بنظام الحكم والفساد الذي طال العراق على مدى 16عامًا، كان سبب جلوس تلك المرأة في ذلك المكان.

“لم يعد هناك متسع من الوقت أو شيء يمكن انتظاره من هذه الحكومة، فبعد فقد الأزواج والأبناء كنا نعتقد أن للكرامة ثمن ولم نكن نعلم إنهم لا يكفون لثمنها، لذا فلابد من النزول إلى الشارع”، هكذا تقول أم عبير.

وتضيف لوكالة “يقين” أنه بعد المجازر التي ارتكبت بأحداث الأول من تشرين وراح ضحيتها 110 أشخاص وآلاف الجرحى، بينهم من يعانون من إعاقة جسدية، وكذا واعتقال المئات، حسب الاحصاءات الرسمية، فضلًا عن حرق وإغلاق عدد من القنوات التلفزيونية “كيف يمكن لأي عراقي شريف السكوت أكثر؟”.

“النار قد شوّهت وخفَت جميع ملامحه، لكنها لم تستطيع أن تخفي تعب السنيين من عينيه”

بَعدَ أبيه.. يحرقه العشق وضيق الحال

بعد مقتل أبيه في أحداث الطائفية التي شهدها العراق في نهاية عام 2005، تحمل ابنها الوحيد علي عبئه إعانة الأسرة وإكمال دراسته الجامعية حتى وفاته في إحدى المستشفيات الحكومية متأثراً بحروقه بعدما أقدم على حرق نفسه.

أمُّهُ تقول والبكاء قد أجهشها: “الفساد الذي دفع ولدي الوحيد على فعلته وحرمه بأن يتزوج عشيقته التي تعرف عليها إبّان مرحلته الجامعية، إذ لم تتوفر العلاجات الكافية في المشفى ولم نكن نملك المال الكافي لأن نذهب به إلى مشفى أهلي”.

مستدركةً حديثها، “حتى فارق الحياة وهو يقول لا ألوم أهلها على رفضي، فمن منا يقبل بتزويج ابنته إلى شاب يرتدي نفس البنطال لمدة شهر! فهل التقدم لخبتها سبع مرات يعني أن هذا يكفي لأن تكون زوجةً له؟”.

وتضيف قائلة: “النار قد شوّهت وخفَت جميع ملامحه، لكنها لم تستطيع أن تخفي تعب السنيين من عينيه، لقد كان يمتلك جميع مقومات الشاب، لكن الفساد الذي نخر جميع مفاصل الدولة قد حرمه أبسط حقوقه؛ لينتحر ويتركني وحيدةً أمام مسؤولية أربع بنات”.

لكن هذا كله لم يكف بأن تعيش بكرامة، بل جعلها أمام تحدي إعالة البنات اللائي كُنَّ جميعهن طالبات مدرسة، باستثناء عبير البنت الأكبر التي كانت في مرحلة الجامعة؛ لتُجبر الأم على العمل في بيع المناديل مقابل توفير قوتهن وتحمل التكاليف.

“أَلا يكفي أن نموت من أجل العراق”

ثلاث ضحايا ثمن مستقبل عبير

أم عبير تقول إن “أرباح عملي كانت لا تكفي لتغطية مصاريف البنات جميعهن، وعبير فقط من كانت في مرحلتها الأخيرة من الدراسة؛ لذا أُجبرت على أن أجعل شقيقاتها يتركن المدرسة، وأن أُوفر مصروفهن إلى عبير”.

وعلى الرغم من أن العمل بأي صورة كان فهو لا يخرج من خانة الجهاد والاجتهاد، إلا أن فساد الحكومة المستشري أدى بنسبة كبيرة من المجتمع للانحدار في عصاباتٍ منظمة للمتسولين تتخذ من بيع المناديل أو العلكة ذريعة لعملها، جعل من أم عبير موضع شكٍ من هذه المهنة.

إذ غالبًا ما كانت الشرطة تلقي القبض عليها على أنها متسولة حتى تتمكن من إقناعهم بأنها ليست على هذا النحو فيتم إطلاق سراحها.

في إحدى المرات ألقت الشرطة عليها بذات التهمة فتقول لوكالة “يقين”: “عندما كنت أخرج إلى العمل أترك البنات داخل المنزل وأقوم بإقفاله حتى أتمكن من العودة ومعي ما يكفيهن من الطعام، فأخبرت الشرطة بذلك بأن الوقت قد تأخر، ولا يمكن أن اترك البنات دون طعام أو علم بأني أين ذاهبة؛ فذهبوا معي إلى المنزل وتأكدوا من أني لست متسولة ولم أكذب”.

حينها أصبح مسؤولي مركز التوقيف على معرفة من أم عبير، فعندما كان يتم اعتقالها من أي مفرزة شرطة يتم إطلاق سراحها من قبل مسؤولي المركز.

لكنها تقول: “اعتُقلت مرات عديدة حتى تمكنت من إقناع الشرطة بأني أمارس عملي لا غير، فكيف سيمكنني أن أقنع الناس بذلك؟ أفلا يكفي أن أعيش كل هذا الوقت تحت هذا الاتهام بأن أخرج للمطالبة بعراق يضمن لجميع حقه؟”.

مسحت أم عبير دموعها وقبَّلَت العلم العراق الذي كان برفقتها، واختتمت حديثها مبتسمةً وهي تقول: “أَلا يكفي أن نموت من أجل العراق؟ أليس هناك ذمةً للدماء؟ فها أنا اليوم هنا لأرسل للعالم كله رسالةً مفادها أن العراق لن يموت ما دامت نسوته قد خرجنَ مطالبات بحقه قبل رجاله، وقد سبقتُ الجميع لكي أقول للنساء، قد حان الوقت لأن يرتفع صوتكن”.

المصدر:وكالة يقين

مقالات متعلقة