بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (باحثة بالشأن العراقي)
حالات العنف الأسري في مجتمعنا العراقي تتصاعد يوما بعد آخر، ولكن لا صوت ينقل معاناة المعنَفين؛ وهذا ما دعا ناشطين وإعلاميين وحقوقيين ومفوضية حقوق الإنسان وفئات متعددة للمطالبة بإقرار قانون مكافحة العنف الأسري الذي لم ير النور في برلمانات الاحتلال حتى هذه اللحظة
ويعتبر العنف الأسري من أقدم الممارسات التي ظهرت في المجتمعات الإنسانية وهو مجموعة من التصرفات المسيئة التي يمارسها شخص على مجموعة من أفراد عائلته سواء الأطفال أو الزوجات أو المسنين... وأشكال العنف الأسري متنوعة فهناك الاعتداء بالضرب أو التهديد النفسي والعاطفي. وأسباب التعنيف متعددة فمنها العيش في ظروف حياتية صعبة بسبب البطالة والفقر أو ضعف الوازع الديني والأخلاقي وانعدام الانسجام بين الزوجين في مختلف مجالات الحياه نتيجة سوء الاختيار والنشأة في بيئة تعتمد على العنف وإدمان المخدرات والكحول والاضطرابات النفسيه، وهناك دوافع اجتماعية ترجع للعادات والتقاليد السلبية في المجتمع، مثل أن الرجل لا بد أن يستخدم القوة والعنف في قيادة دفة الإسرة ليثبت رجوليته، وتكون رجوليته بقدر ممارسته للقوة والعنف ضد أسرته!؛ وبذلك ترجح كفة الأقوى في إدارة الأسرة وكأننا في حلبة صراع الغلبة، والقيادة فيها لمن يقدر على طرح الأخرين؛ فالأب مثلا إذا كان في مرحلة من مراحل حياته الركن الأقوى في الأسرة فإنه بتقدم الزمان لا شك سيضعف ويتقوى عليه الأفراد الأخرون فيكون هؤلاء بمقتضى ما أسس الأب من أسلوب العنف في قيادة الأسرة، وسيكون حل المشاكل داخل الأسرة في ضوء هذه النظرية.
ويغيب عن الكثيرين أن العنف الأسري هو تهديد للمجتمع بأكمله لأن الأسرة هي نواة المجتمع وأي شيء يؤثر عليها وعلى كيانها سيؤثر بشكل مباشر على المجتمع سواء من حيث الإصبات الجسدية أو النفسية والمعنوية التي يتعرضون لها بسبب العنف الأسري؛ مما يؤدي إلى تتفكك الروابط العائلية والإحساس بعدم الأمان وارتفاع فرص ممارسة الشخص المعنَف نفس المنهج مع عائلته؛ وهو ما يقود إلى ممارسات إجرامية
ولذلك فقد هزت حالات العنف الأسري الشارع العراقي في السنوات العشر الأخيرة؛ حتى تحولت إلى ظاهرة بالمجتمع، والحالات التي يعلن عنها قليلة جدا مقارنةً بالأعداد الحقيقية المكممة الأفواه بسبب الخوف وأعراف المجتمع القاسية؛ حيث تتعرض واحدة من كل 5 نساء عراقيات للعنف الأسري البدني، بحسب دراسات منظمات حقوق الإنسان، مع أن الدستور الحالي في العراق يحظر هذه الممارسات، وينبذ كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة، ولكن عند ما يصطدم الدستور بأعراف العشائر والمصالح الحزبية، فإنه يعطل ولا يعمل به، وهذا هو الحال في العراق؛ ولذلك لا يوجد قانون عقوبات يجرم العنف الأسري إلا في قانون إقليم كردستان! بل على العكس من ذلك فإن المادة 41 (1) تمنح للزوج حقا في "تأديب" زوجته، وللوالدين حقا في تأديب أبنائهم "في حدود ما هو مقرر قانونا أو عرفا" وينص قانون العقوبات على عقوبات مخففة على الأفعال العنيفة، بما في ذلك القتل، بسبب بواعث شريفة؛ ولكنهم تعمدوا سن قوانين ضد العنف الأسري؛ مما يؤدي إلى اختراق البنود الدولية وانتهاك حقوق الإنسان. وهذا ما يفضح الحكومات ويجعلها في موقف محرج أمام المجتمع الدولي، لأن السلطات لا تتعامل بطريقة جدية وصارمة مع حالات العنف والانتهاكات، بل تغض الطرف عن هذه الانتهاكات خضوعا لرغبة بعض الأحزاب السياسية والعادات عند بعض العشائر التي تبرير العنف الأسري أحيانا كواجب وأمر حتمي؛ وتولد عن ذلك إعطاء القوي في الأسرة حقوقا وامتيازات تعسفية أكثر من الضعيف في الأسرة، وهذا ما نراه غالبا بين الإخوة والأخوات.
ولأن الأسرة هي أساس المجتمع ومصدر قوته وتفوقه فإننا نؤكد على حقيقة أن العنف الأسري أكثر فتكا بالمجتمعات من الحروب والأوبئة الصحية؛ لأنه ينخر أساس المجتمع فيهده أو يضعفه؛ وبما أن أركان الأسرة ليسوا معصومين عن الخطأ وهذه الأخطاء قد تنشأ داخل الأسرة وبين أفرادها سواء كان الخطأ من رب الأسرة: الزوج، أو الزوجة أو الأولاد، فالأخطاء في بعض الأحيان تقود إلى المشاكل والصدامات داخل الأسرة وهو أمر يحصل في بعض الأسر العراقية؛ إلا أن العنف أصبح هو الأسلوب الأكثر شيوعا لحل تلك المشاكل، مما يؤدي إلى مصادرة آراء الآخرين وكبت حرياتهم ومصادرة حل المشاكل بأسلوب الحوار الهادئ الكفيل بإزالة أسباب الخلاف وحل المشاكل التي تنشأ في الأسرة.
والتعنيف في مجتمنا لا يقتصر على الطفل فقط فهناك الاف الحالات تتكرر يوميا من المعفنَين الكبار، وان يتقبل المعنَف ظلما ويسكت لأسباب متعددة؛ فإن ذلك يفضي إلى زيادة ممارسة التعنيف وتكراره؛ ولذلك لا بد من تعديل وتفعيل قانون العنف الأسري في العراق حتى لا تتكرر المشاهد المروعة كما رأينا زوجا يحرق زوجته، وابا يحبس ابنه ويمنع عنه الطعام والشراب حتى الموت وغير ذلك من المشاهد المروعة وحالات القتل التي تحدث كل يوم في مجتمعنا العراقي أمام مرأى ومسمع المشرعين الذين لم يفعلوا ما يكفي لإنقاذ الأبرياء والمظلومين من الموت المحتم. وعلى من يتعرض للعنف ألا يسكت عن حقه مهما كان نوع العلاقة التي تربطه بالمعنِف، فحفظ الحقوق تبدأ من الإنسان نفسه ومطالبته بحقه في أن يعيش بأمان وهو حق رباني قبل أن يكون حقا قانونيا بشريا يخضع للمساومات والمصالح الفئوية والحزبية على حساب مصالح الناس وبنية المجتمع السليم.