الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات فقط في العراق.. الموت وحده يتنفس ..

فقط في العراق.. الموت وحدة يتنفس ..
بقلم| ثائرة أكرم العكيدي

(كاتبة وباحثة)
من أهم الدلائل على سقوط الحكومات التي عادة ما تتخذ حلولا ترقيعية لذر الرماد على العيون في جعل المصيبة تسكن وتعاشر مخيلات الشعب، هو ما يحصل فعلياً منذ سنة ٢٠٠٣ وليومنا هذا من كوارث وفواجع سواء كانت مفتعلة أم قضاء وقدر أم سهواً وإهمال وبالتالي المصائب والمآسي بات العراقيون يجمعون في كل المنابر العامة، في ظل عجز وفشل خيارات الحكومات المتعاقبة على حكم البلد على أن أنباء من قبيل فقدان العشرات من الشباب والأطفال والنساء في حوادث متعددة، ذهب ضحيتها الآلاف من الأبرياء لم تعد تقض مضاجعهم بنفس القدر الذي كانت عليه في ماض ليس بالبعيد، بل ويؤكدون أكثر من ذلك بأن كل الكوارث باتت مرتقبة وملازمة لهم كظلهم، ولذلك هم باتوا يهيئون أنفسهم من الناحية النفسية قبل تلقي أخبارها في المحطات الإذاعية والتلفزيونية.
العراقيون وأجسامهم أعمار مقصوفة باستمرار، مباغتة ومتواصلة كلعنة ميتافيزيقية تخترق أمكنة العراق وناسه، مجزرة بلا فاعلين حقيقيين بات الموت لا يحتاج حتى لقتلة يحدث هكذا كسقوط من السماء، لم يلزم لهذه الكارثة سوى شائعة واحدة سرت وأبلغتهم بالموت تفجيراً فهربوا منه إلى موت آخر دهساً أو حرقا أو اختناقاً أو غرقاً أو حتى من تسمم غذائي.
هكذا يموت العراقيون حرائق وتفجيرات وغرق تشارك فيها القوي السياسية والحكومة والميليشيات، ولو نظرنا بموضوعية واستقراء إلى الموت كظاهرة تقع الذات الإنسانية فريسة لها مهما طال هروبها وترحالها، لوجدنا أن الناس ينظـرون إلــــيها بوجهات نظـر مخـتلفة تنطلق عموماً من الابستيمة الثقافية التي تتحكم برؤى هذا الإنسان أو ذاك، فالموت في رأي البعض حادثة خارجية تمر بالإنسان لا يعنيه الآن الخوض بها ويحاول تجاهلها وجعلها بعيده عن مدار اهتمامه، بل لا يساوره أي قلق من المــــوت وفعله الذي يعد نهاية الإنسان الحقيقة التي لا شك فيها أبداً، وهنالك صنف آخر يرى أن الموت ليس حادثة خارجة عنا وغريبة عن خريطة أجسادنا بل هي تشكل جزءاً أساسياً من كينونتنا ووجودنا الذي سينتهي عاجلاً أو آجلاً، فالموت وفقاً لهذه الرؤية داخل في نسيج الموجود البشري ولا يمكن اعتباره شيئاً طارئاً أو حدثاً عابراً يمر بنا كما يمر بالذات البشرية في حياتها أي شيء عرضي، وفي العراق الجريح ينظر الفرد العراقي للموت، برؤية تتماهى وتتساوق مع الاتجاه الثاني الذي يري في الموت جزءاً من قوته اليومي المعاش، ولهذا يرفض مقولة الفيلسوف ماركوس اورليوس التي شبه بها الموت بسقوط ثمرة تامة النضج فها هو يموت كل يوم وبعده لم يكتمل نضجه في أساليب وفنون استثنائية انفردت بها الميليشيات الخارجية والداخلية في العراق، الذين قتلوا بدم بارد مواطنين ليس لهم في هذا الحمل لا ناقة ولا جمل وكانوا ضحية الصراعات السياسية والأحزاب الحاكمة في العراق.
والله اليوم أجد نفسي في أعماق كل الأشياء التي تتعلق ببلادي، يخال لي بأنني خلقت لأكتب هذا الوجع الطويل الممتد، أكتب الإنسان الذي يسير على قلبي والدم ينزف من على جوانبه، ذلك المتسلق أحلامه على جبال مبللة بالخذلانات اللا متناهية، أبحث عن الحب لأكتبه فلا أجد إلا أبجديات النشيد الأول القادم من أعماق بلادي، أبحث عن السخرية التي توهمك بالتعافي من واقع متفحم بالسواد فلا أجد إلا الصرخة المدوية في جوعها المميت، أفتش عن رقصة للعرسان لتبهج أيامهم الآسرة فألقاني مخنوقة بأنين مفروش على وجه البلاد كله، أتحاشى شروخها الموغلة في الخاصرة فتشدني ندوب أخرى موزعة على الجسد كله، يموت العراقيون بكل الطرق التي تخطر على ذهن بشر، يموتون بنيران الجوار، يموتون برصاص أبناء بلدهم قبل رصاص الأعداء يموتون وهم يقاتلون، يموتون وهم في بيوتهم، يموتون في الحرب وبعد الحرب يموتون وهم يتذكرون ابتسامات أحبائهم ..
أصبحت أصواتنا شجيه جميلة حزينة ننعي من غابوا ونردد الأسماء يا فلان وفلان وفلان، اشتهر العراق بالملابس السوداء والنحيب والبكاء هذا حال العراقيين اليوم..
الإنسان بلا قيمة في هذه البلدان المنكوبة، البلدان التي وصلت إلى مستوى اليأس الجماعي، فإذا كانت مجتمعات بعض الدول الأوروبية أو المتقدمة توصف بأنها هرمة بسبب قلة الولادات، فإن مجتمع بلدنا المنكوب يائس يعاني مع الوقت من تراجع مقومات الحياة، وامحاء الحدود بين مراحلها العمرية أو أجيالها، فحتى جيل الشباب لم يعد شابا ولا أنسى مقولة أحد الشباب ذات يوم من هذه السنوات المارقة (نحن جيل لن يقول ذات يوم ليت الشباب يعود)، ها هو الموت يتغول بجبروته بين فئات الشعب وشرائحه العمرية عدا القتل الذي مارسته الميليشيات والأحزاب والموت في التهجير والنزوح وحوادث الحرائق التي انتشرت في السنوات الأخيرة لتلتهم أجساد أكبر عدد ممكن من الأبرياء، حوادث من هذا النوع تتكرر وتضج بها وسائل التواصل ثم ينساها الناس أمام الموت المخاتل الذي يتبختر بجبروته في سراديب حياة العراقيين أمام حقيقة أن الحياة في العراق باتت جبارة أكثر من الموت، حياة شحيحة حد فقر الدم، فقر الحيلة، فقر التفكير والمخيلة، في العراق العظيم لا الحياة رحيمة ولا الموت رحيم.
ليس صحيحاً أن الأوطان لا تموت، يقتلها أبناؤها بأيديهم، بالطبع لا تدفن كما الجثامين الوطن فكرة وشعور وقشعريرة، عندما تفقد هذه الثلاثية في قلبك فهذا يعني أن وطنك مات بغض النظر أين يقع شاهد القبر، عندما تصبح الهجرة وطناً بديلاً والغربة حلماً ذليلاً يموت الوطن، عندما لا يضنيك الحنين القتال ولا تناديك العودة الوشيكة إليه يموت الوطن، الإنسان يموت مرة واحدة أما وطنه فيموت كل يوم .. موته متكرر.
هذا ليس فعل إنكار ولا شهادة مواطن عاق، ليس أصعب على الإنسان من أن يعلن وفاة أجمل شيء حدث له في حياته، أعني مسقط رأسه أن تشعر أنك لم تعد تنتمي إلى فكرة الوطن ولا تشعر بأي عاطفة تشدك إليه ولا تنتابك أي قشعريرة عند رؤيته، يمر وطنك أمامك كل يوم مرور الكرام يناديك فلا تسمع، يقع أرضاً فلا تلمه، تتظاهر وكأنك لا تعرفه تسير في موكب جنازته..
في بلاد الرافدين أصبح الموت لا يعني عبئا ثقيلا أو شبحا يطارد شعبه وذلك لسببين أساسيين، أولهما يكمن في نجاح الحكومات القائمة فيها على تدريب المواطنين بشكل ممنهج على احترام الموت وتلخيصه في كونه نتيجة حتمية لا مفر منها وخارجة عن نطاق الفعل الحكومي، رغم أن الموت بصفته تجربة قصوى لا تعاش يعتبر من أهم القناعات التي تحظى بالقبول والقدسية والاحترام في الثقافات الدينية وخاصة الإسلام، إلا أن العديد من الدراسات والتقارير الدولية المتخصصة في علوم الميتافيزيقا وما تفرع عنها من علوم حديثة على رأسها ما يطلق على تسميته بـعلم الموت أثبتت أن ارتفاع منسوب الخوف من الفناء ومغادرة الحياة هو أعدل الأشياء قسمة وتوزيعا بين البشر على اختلافات دياناتهم وأعراقهم وألوانهم.
ومع اعتياد الشعب العراقي ومنذ عقود بسبب الحروب والصراعات على تلقي أخبار الموت سواء كان جماعيا أو فرديا بنوع كبير من الأريحية أي بمعنى أن المسألة تحولت إلى ما يشبه الممارسة اليومية، وتحت وطأة كل أنواع الموت، لا يفعل العراقيون الكثير أو هم ما عاد بمقدورهم مغالبة أقدارهم الدموية، طالما أن الخوف وحده ما يسيرهم.
الهول ما عاد من الموت، بل من أرقامه، نرى كيف أن الناس لا تلتفت كثيراً للجثث لا ترتعد فرائصها من مشاهد المجازر وبقع الدم والأشلاء، حتى أن كارثة الألف قتيل لم تغير من وجهة المواطن العراقي ونيته في الوصول إلى مرقد الكاظم ومرقد الإمامين وممارسة طقوسه وشعائره، المكرسة لقتيل تاريخي هو جزء من ملحمة دموية تحتل حتى الآن المشاعر والذاكرة الجمعية لأهل العراق.
لا يبقى من كثافة الموت العراقي، الكثافة الثقيلة والهائلة سوى السخافة أو اللامعقول التافه والسخيف مشهد مراكمة الأحذية وتجميعها الموت أو الأحرى أن نسميه رفيقنا الذي لا نراه هذا ما يقوله القول ولكنا نراه، نرى الموت في شوارعنا وفي شاشات التلفاز نراه وعلى مواقع التواصل وفي اليقظة والأحلام نراه بعد كل كلمة نقولها بشأن الحكومات والمسؤولين والنواب الموت رفيقنا الذي نلعب ويلاعبنا دائما الموت هو سمفونيتنا الوحيدة التي تعاد ألف مرة في اليوم ولا تمل،
وعلى خلاف سائر الشعوب التي تنتهي حياتها بالموت فنحن تبدأ به حياتنا دفتر ذكريات يختم بتوقيع الممات، وعلى خلاف بعضهم فإننا نشعر بالموت عندما يموت لنا أحد سواء كان هذا قريبا لنا أو حتى مواطن لا نعرفه على الأقل هذا شعور الشرفاء، ولكنا لا نموت وهذا ما يثير عجبهم وعجابهم كيف لمخلوق من صلصال من حمأ مسنون أن لا يموت.. نحن لا نموت لأننا عاهدنا الموت بموتنا على أن لا ينسانا، ولكن الحقيقة نحن نموت كل يوم كل ساعة وكل ثانية ولكنا نتظاهر عكس الوقائع ومجراها أو الأصح لا نموت مادياً أما معنوياً فكلنا ميتون..
نعم إنها الحقيقة وأعرف أنها مؤلمة وغير مقبولة ولكن لطالما كانت كذلك نحن لا نعطي فقط أرواحنا قبل الميعاد وإنما نعطي أماني الطفولة والذكريات السعيدة.
وفق أي عادة أو طقس أو معتقد يتم هذا الفعل الشنيع، اليوم نرى في مكان فاجعة أكواماً من أحذية الضحايا، بشر لا يبقى من أثرهم شيء سوى الأحذية لا أثواب ولا متعلقات شخصية، ولا صورهم ولا أثر من حياتهم سوى الأحذية، هذا الفعل الغرائبي، الذي يحيل الأحذية إلى رمز للموت ودلالة على الأموات، يشكل اليوم إهانة موغلة للحياة.
الموت في العراق اليوم ليس كربلاء وليس عاشوراً ولا قدراً إلهياً ولا حتى إرهاباً إجرامياً، إنه فحسب التفاهة التي يمثلها الحذاء، ومع أن الدم العراقي استمر في النزيف الساخن، فإن التعامل معه بقي بارداً الموت وحده الذي يتنفس في العراق يعيش مع أفراحهم وأعراسهم أنه الفكرة الحقيقية الوحيدة التي تضيء سماء العراق بلا توقف، الموت بوصفه الخيار الوحيد المتاح أمام الجميع، والذي يصنع اليوم والغد، كما لو أنه "الدستور" السيد والنافذ، أنه الحال والفعل، أو هو الناظم والمسيطر، يتحرك ويحدث ويحضر دون حاجة لسياسة أو إرادة أو رغبة أو حتى حرب موجود هكذا في التراب والهواء والماء والنار حاضر في الصورة وخارجها، كامن ومتحقق كما لو أنه الثواني والدقائق والأيام كلها..
وأخيراً لا يسعنا إلا أن ندعوا لهؤلاء الأبرياء بالرحمة والغفران فهم بين يد عدل السماء بعد أن فقدوا العدل على الأرض، نعم كلنا راحلون هذا طريقنا أو دعونا نعترف بمنتهى البساطة هذا ما يريده الشرفاء الأبرياء في زمن الكلاب السفهاء..


مقالات متعلقة