الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات فشل الحكومة في إدارة قمة بغداد.. رمزية ضائعة وفرصة مهدورة

فشل الحكومة في إدارة قمة بغداد.. رمزية ضائعة وفرصة مهدورة

ثائرة أكرم العكيدي/كاتبة وباحثة

رغم الآمال التي علقتها الحكومة العراقية على قمة بغداد كفرصة لإثبات الاستقرار السياسي وتعزيز الدور الإقليمي للعراق إلا أن القمة عكست مشهداً مغايراً تماماً، يكشف عن عجز إداري وخلل في الرؤية السياسية. سوء التنسيق البروتوكولي إلى تأخّر جدول الفعاليات، مروراً بضعف البنية التحتية وعدم جاهزية المواقع الرسمية، بدأ واضحاً أن الحكومة لم تكن على قدر الحدث؛ بل إن مشاهد الارتباك اللوجستي تسربت إلى وسائل الإعلام، مثيرة السخرية أكثر من الاحترام.

فكان من الأهمية بمكان أن تبادر الحكومة الاتحادية قبل انعقاد القمة العربية، إلى عقد مؤتمر حوار وطني شامل وموسع، تشارك فيه جميع القوى السياسية والمجتمعية الفاعلة، بهدف معالجة المشكلات الداخلية العالقة وإيجاد الحلول الناجعة لها في أسرع وقت ممكن؛ لإن نجاح القمة العربية مرهون بنجاح الحوار الوطني الداخلي. فالقوة في استضافة مثل هذه المؤتمرات الإقليمية لا تكمن في المظاهر الخارجية والإنفاق الباذخ على التجميل والترتيبات اللوجيستية فحسب، بل في قدرة البلد المضيف على تقديم نموذج ناجح للاستقرار والوحدة الداخلية وتحقيق طموحات شعبه ومواطنيه.

السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بإلحاح هل نجحت القيادة السياسية العراقية في معالجة المشكلات الداخلية المزمنة قبل الالتفات إلى استضافة حدث إقليمي بهذا الحجم؟ أليس من المنطقي والأجدر أن تنصبَ الجهود أولاً على معالجة التحديات المحلية المستعصية التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطن العراقي؟

يواجه العراق اليوم مجموعة من التحديات الداخلية الملحة التي تتطلب معالجة سريعة وناجعة، منها؛ أزمة النفط في إقليم كردستان، فتوقف ضخُّ النفط من الإقليم يشكل أزمة اقتصادية خانقة تؤثر على موارد البلاد. وكذلك مشكلة العملة والنظام المصرفي، تعاني العملة العراقية من تقلبات حادة، فضلاً عن المشكلات التي تواجه المصارف العراقية التي ينعكس أثرها سلباً على المواطنين والتجار على حد سواء ورواتب موظفي إقليم كردستان، تمثل مشكلة مستمرة منذ سنوات دون حل جذري مما يؤثر على آلاف العائلات العراقية.

إن الاتفاق والوحدة على الصعيد الداخلي يمثلان الركيزة الأساسية لأي تحرك خارجي ناجح. فكيف يمكن للعراق حماية نفسه من الأطماع الخارجية في ظل انقسامات داخلية عميقة؟ القوة الحقيقية تكمن في وحدة الصف وتوحيد القرار السياسي والإستراتيجي والاقتصادي.

ولكن التحديات لا تقتصر على الجبهة الداخلية فقط. فقد أوضحت المصادر بأن الحكومة الكويتية اشترطت حضور أميرها أو ولي العهد بشرط أن يتم إدراج فقرة صريحة وواضحة لا لبس فيها تنص في البيان الختامي للقمة، تعترف رسميًا الحكومة العراقية بسيادة الكويت على خور عبد الله وفق اتفاقية 2013، مع مطالبة السوداني بتأكيد هذا الالتزام وقراءته شخصيا من قبله. وفي تطور لافت، نقلت شخصية وزارية خليجية بارزة لمكتب السوداني بأن وزير الخارجية الكويتي تواصل مع نظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي، داعيًا إلى خفض مستوى التمثيل في القمة أو إرسال وفود دبلوماسية ثانوية، في حال رفض العراق إدراج هذه الفقرة، وهو ما يهدد بإضعاف الحدث وإحراج حكومة بغداد؛ حيث طالب بدوره السوداني من أمير قطر التدخل شخصيا لحث الكويت بعدم إدراج هذه الفقرة لأنه سوف تحرجه أمام خصومه والشارع العراقي ويظهر بمظهر الخانع للإملاءات..

وأيضا الغياب اللافت لزعماء دول مؤثرة أو تمثيلها بمسؤولين من الصف الثاني أو الثالث أرسل رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لا يرى في القمة ما يستحق الحضور الرفيع وهو فشل دبلوماسي قبل أن يكون تنظيمي.

ولايمكن أثناء استعراض أسباب فشل قمة بغداد إغفال مسألة أن القمم العربية الشاملة باتت أقل أهمية في ظل تفضيل الدول العربية للقمم الثنائية أو الإقليمية التي تتناول قضايا محددة، تماماً كما حدث في زيارة ترامب إلى السعودية وقطر والإمارات؛ هذا النوع من الزيارات واللقاءات الثنائية بات يفضله القادة العرب وباتوا يبدون اهتماماً أقل بحضور القمم العربية التي لا تلبي أولوياتهم الوطنية المباشرة، والتي تنتهي غالباً إلى بيانات إنشائية لا إلى قرارات عملية.

ولا شك أن زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الخليج أشاحت بالأضواء بشكل كبير عن قمة بغداد العربية، التي عقدت في 17 أيار بحضور عدد محدود من القادة العرب.

وقد أثار الغياب الجماعي للعديد من الرؤساء والملوك العرب تساؤلات حول أسباب ضعف التمثيل، ما دفع مراقبين إلى وصفها بأضعف القمم في تاريخ الجامعة العربية.

كما أن زيارة ترامب ليست العنصر الوحيد الذي ألقى بظلال على قمة بغداد، بل ثمة عناصر عديدة جرى تداولها، على أنها لعبت دورا في إحجام بعض القادة العرب عن المشاركة، ومن أبرز تلك العناصر: النفوذ الإيراني وزيارة إسماعيل قآني قائد فيلق القدس إلى العراق قبل القمة بأيام الأمر الذي اعتُبر رسالة واضحة عن حجم التأثير الإيراني على الدولة العميقة في العراق، حتى وإن كان رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، يحاول أن يتمايز بمواقفه ويظهر انفتاحا على الدول العربية والخليجية.

إلا أن قمة بغداد تحولت من أن تكون كما أرادتها وراهنت عليها حكومة السوداني مناسبة لإعادة رسم دور العراق الإقليمي، لكنها تحولت إلى حدث باهت كشفت مجرياته عن ضعف تنظيمي وارتباك سياسي، وضع علامات استفهام جديدة حول كفاءة مؤسسات الدولة في إدارة الفعاليات الكبرى.

ورغم الحديث الرسمي عن تحضيرات استثنائية وحرص على إنجاح القمة، بدت التفاصيل على الأرض مختلفة تمامًا: مواعيد غير دقيقة، فوضى في الترتيبات اللوجستية، ضعف في التنسيق البروتوكولي، ومرافق غير جاهزة لاستقبال الوفود بالشكل اللائق.

أحد أبرز مؤشرات الإخفاق تمثل في مستوى الحضور الدولي. إذ اقتصر تمثيل العديد من الدول على وزراء أو موظفين من الصف الثاني ما أرسل إشارات دبلوماسية واضحة بأن القمة لم تنجح في جذب ثقة المجتمع الدولي أو إثبات جدواها السياسية.

وأن ضعف الحضور لم يكن نتيجة ظرف طارئ بقدر ما هو انعكاس مباشر لتضارب الرسائل السياسية الصادرة من بغداد، وتدهور الثقة في قدرة العراق على أداء دور فعّال في ملفات الإقليم. ووصفت بأنها فاشلة على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، رغم الجهود العراقية لتنظيمها. فيما يلي أبرز الأسباب التي ساهمت في هذا التقييم.

القمة واجهت انتقادات واسعة منها:

  • غضب شعبي وسخرية رقمية: داخلياً لم تمر القمة مرور الكرام، وسائل التواصل الاجتماعي ضجت بسخرية شعبية مريرة من الإنفاق الضخم على حدث بلا مردود في وقت يعاني فيه العراقيون من أزمات الكهرباء والماء والتعليم. بدا كأنّ الحكومة تنظم احتفالاً في جنازة وطنية.
  • فرصة مهدورة: في النهاية، قمة بغداد كانت فرصة للعراق ليعود لاعباً إقليمياً، لكنها تحوّلت إلى مرآة عاكسة لفشل داخلي لا يمكن إخفاؤه بالمراسم. الفشل في إدارة القمة ليس مجرد خلل تنظيمي، بل مؤشر على غياب الرؤية، وافتقاد الدولة لقيادة قادرة على تحويل الرمزية إلى تأثير فعلي.
  • ضعف الحضور القيادي العربي: فرغم مشاركة 20 دولة عربية حضر القمة خمسة رؤساء فقط، بينما أرسلت غالبية الدول وفودًا منخفضة المستوى. هذا الغياب عكس فتورًا دبلوماسيًا وأضعف من رمزية القمة، خاصة في ظل الأزمات الإقليمية المتصاعدة.

_الجدل حول دعوة الرئيس السوري: دعوة الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم (أبو محمد الجولاني) أثارت انقسامًا سياسيًا حادًا داخل العراق. الشرع الذي تولى السلطة بعد الإطاحة ببشار الأسد، كان مرتبطًا سابقًا بتنظيم القاعدة، مما دفع بعض القوى الشيعية العراقية إلى رفض حضوره وتهديد أمنه، ما أدى في النهاية إلى غيابه عن القمة.

_النفوذ الإيراني وزيارة قاآني: زيارة قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني إلى بغداد قبل القمة بأيام، أُعتبرت رسالة واضحة عن حجم التأثير الإيراني في العراق. هذه الزيارة أثارت قلقًا لدى بعض الدول العربية، خاصة الخليجية، واعتُبرت مؤشرًا على انحياز العراق لمحور طهران، مما ساهم في تقليل مستوى التمثيل العربي في القمة.

_توقيت القمة وتزامنها مع جولة ترامب: تزامنت القمة مع جولة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المنطقة، حيث التقى بقادة خليجيين مما جذب الأنظار بعيدًا عن بغداد، هذا التوقيت غير المناسب أضعف من تأثير القمة وأدى إلى تراجع الاهتمام الإعلامي والسياسي بها.

_ سياسية باهتة وخطاب متشنج: بدلاً من أن تكون القمة منصة لتقريب وجهات النظر الإقليمية، تحولت إلى منبر خطابي تقليدي، افتقر إلى روح المبادرة والرؤية المستقبلية، وبدا واضحاً أن القمة كانت أقرب إلى مهرجان علاقات عامة منه إلى منصة سياسية ذات تأثير.

_ضعف المخرجات السياسية: البيان الختامي للقمة، رغم تطرقه لقضايا مهمة مثل الحرب في غزة جاء خاليا من خطوات عملية واضحة، البيان دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة ودعم إعادة الإعمار، لكن دون تحديد آليات تنفيذية أو تعهدات مالية ملموسة، مما خيب آمال العديد من المتابعين.

_رسائل سياسية ضائعة: الخطابات الرسمية خلال القمة لم تحمل جديدا يُذكر بل غلبت عليها اللغة الإنشائية والمواقف المكررة؛ فلم تُطرح مبادرات حقيقية للحوار الإقليمي كما لم تُفتح ملفات الخلافات بجرأة ما جعل القمة أقرب إلى حدث بروتوكولي منه إلى منصة سياسية مؤثرة.

_ الانقسامات الداخلية العراقية: الصراعات السياسية داخل العراق خاصة بين القوى الشيعية والسنية ألقت بظلالها على القمة. الجدل حول دعوة الشرع، والاختلافات في المواقف من القضايا الإقليمية، أبرزت الانقسامات الداخلية وأثرت سلبًا على صورة العراق كمضيف قادر على توحيد الصف العربي.

_غياب التوافق العربي: القمة كشفت عن غياب التوافق العربي حول العديد من القضايا، مثل الأزمة السورية، والتطبيع مع إسرائيل، والتدخلات الإقليمية. هذا التباين في المواقف حال دون إصدار قرارات موحدة وقوية تعكس وحدة الصف العربي.

_فرصة ضائعة: بالنهاية مثلت قمة بغداد فرصة نادرة للعراق ليعيد تقديم نفسه كجسر تواصل بين دول المنطقة، لكنّ الأداء الحكومي الضعيف أفقدها الزخم، وأعاد التأكيد على أن أزمات البلاد لم تعد أمنية فقط، بل إدارية وبنيوية بالدرجة الأولى.

وفيما تستمر الحكومة في تبرير ما جرى باعتباره نجاحاً نسبياً تبقى الحقيقة المؤلمة أن العراق الرسمي ما زال عاجزا عن استثمار لحظاته التاريخية، وسط دوامة من التخبط والعجز المزمن في اتخاذ القرار.

قمة بغداد 2025، رغم الجهود العراقية لتنظيمها فشلت في تحقيق أهدافها بسبب مجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية. الغياب القيادي والانقسامات السياسية وضعف المخرجات كلها عوامل ساهمت في تقويض القمة وجعلها تبدو كفرصة ضائعة لتعزيز العمل العربي المشترك.

مقالات متعلقة