فشل التجربة العراقية في تحقيق الأمن بعد 2003: دروس يجب أن يتعلمها السوريون
الكاتب والإعلامي/ ياسين التميمي
منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، أُغرِق البلد بمشاريع أمنية وعسكرية ضخمة، اتخذت من "إعادة بناء الدولة" شعارًا لها، لكنها في جوهرها كانت أقرب إلى إعادة إنتاج الطائفية وترسيخ الانقسام الأهلي بدلًا من تحقيق الأمن والاستقرار. اليوم، وبعد أكثر من عقدين، يمكننا الجزم أن التجربة العراقية في إدارة الملف الأمني فاشلة بامتياز، ليس فقط من حيث النتائج، بل من حيث البنية التي بُنيت عليها هذه المنظومة.
رُصد أكثر من ثلث الميزانية العامة للدولة العراقية على مدى سنوات لصالح الأمن والدفاع، في وقت عانى فيه المواطن من انهيار في الخدمات الأساسية. أنشئت جيوش وميليشيات متعددة الأسماء والولاءات: الشرطة الاتحادية، الشرطة المحلية، قوات الرد السريع، مكافحة الإرهاب، حرس الحدود، الجيش، وقوات الحشد الشعبي، وكلها خاضعة لقيادات أمنية متشظية على أسس طائفية، وليست وطنية. المفارقة أن هذا الإنفاق الهائل لم يُفضِ إلى استقرار، بل إلى فوضى أمنية دائمة، وانتشار للسلاح، وغياب لسلطة الدولة في كثير من المناطق.
الطائفية كانت ولا تزال قلب هذه المعضلة. إذ تم إقصاء أهل السنة من مواقع القيادة والإدارة الأمنية، في حين نُشرت القوات الأمنية بمختلف تشكيلاتها في المدن السنية، لا كقوة حماية، بل كأداة قمع ومراقبة، تمارس التمييز، وتُذكّر الأهالي يوميًا بأنهم مُتهمون ومشبوهون في وطنهم. وهكذا تحولت "الدولة" إلى خصم بدلًا من أن تكون مظلة أمان.
هذه التجربة يجب أن تكون جرس إنذار لسوريا. أي مشروع لإعادة بناء الأمن في سوريا ما بعد الحرب يجب أن ينطلق من فشل النموذج العراقي، لا تكراره. الحل ليس في تعدد القوى أو بناء أجهزة على أسس طائفية أو مناطقية، بل في إشراك جميع مكونات الشعب السوري في المنظومة الأمنية. يجب أن يكون أبناء الساحل شركاء حقيقيين لا مجرد أدوات لهيمنة النظام، وأن يكون لأهالي السويداء والدروز مكانٌ في صناعة الأمن لا على هامشه، وأن يُعاد الاعتبار لأبناء العشائر والمناطق الشرقية، لا كمخزون بشري للتجنيد، بل كشركاء في بناء أمنٍ يخصهم ويحميهم.
الأمن لا يُبنى بالمال ولا بالسلاح، بل بالعدالة والثقة والتمثيل العادل. وأي محاولة لإنتاج أجهزة أمنية على شاكلة العراق، ستكون وصفة جاهزة لإعادة إنتاج الكارثة.
لقد أثبتت السنوات أن المحاصصة، سواء كانت طائفية أو حزبية أو مناطقية، لا تنتج أمنًا، بل تنتج دولًا موازية، وسلطات متضادة، وفسادًا مؤسسيًا. وإن أراد السوريون تفادي المصير العراقي، فعليهم أن يبنوا أمنهم على أساس وطني جامع، لا فدرالية أمنية انفصالية، وأن يتعلموا من الدرس العراقي القاسي قبل أن يُفرض عليهم تكراره.