الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات عندما تسقط الأوطان.. نحو منحدرات الخذلان..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

مرت (19) عامًا وما زلت أتخيل أن وفاتك مجرد حلم وأنّك على قيد الحياة، أتذكرك فابتسم مرة وأبكي ألف مرة رحمك الله يا أخي نفس الألم الذي كان بحنجرتي وقت موتك كنت أتسأل دائما ..

أَتَألمتَ حين أتتكَ رَصاصةُ مُعتَدٍ أم مَحبة الموت فِيكَ إيمان وسلوان، يا حُرقة الشوق في الأعماقِ ثائرة، يا عُمقَ جُرحٍ له في القلب إسكان، فما أنا أول الباكين من كمدٍ، فالشوق يا صاح إسرارٌ وإعلان، وما أرى الدمع ضعفا حين نسكبهُ، لكنما الدمع للمشتاق معوان، ماذا أقول؟ وفلام الشعر يعجزني ولا يناسبني بحرٌ ولا أوزان، فليس للشوق ألفاظ تترجمه، وليس للحزن الذباح عنوان، أقسى العذاب شعوراً لا أفسرهُ، إلا حنينا له في القلب طغيان، هذا أخي غاب عني ليتني معهُ، قد فرقتنا كما ضمتنا أزمان، هذا أخي غاب ليت الموت أنصفَنا، فلطالما جمعتنا أحضان وأوطان، وكلما كادت الأحزان تقتلنا؛ ترد أنفسنا صبرا وإيمانا، ففقدُ الأحبة شيءٌ لا مثيل لهُ، ولا يُشبهُهُ في الأرضِ أي فُقدان.

لا انتظر ردا وأعلم أني لا أملك من أمري شيئا ثم أوقن أن في الموت راحة وسكنا لمن رحل وموعظة وعبرة لمن بقي. لكن الكتابة تهدئ الألم أحيانا وعلى حدودها يسكن فؤاد أنهكه الحنين. فالحمد الله على نعمة الإيمان الذي جعل الموت جسر عبور لا نهاية حاسمة. كيف يمكن الهروب من ألم الغياب وحرقة فقد الأخ والأمان والوطن والسيادة ومن منا في هذا الوطن لم ينل نصيبا بالفقد.

مشهد اختلفت فيه المسميات ما بين يوم سقوط بغداد واستشهادك واحتلال العراق ويوم التحرير واكتمل برفع العلم الأمريكي على حطام التمثال، وإعلان الجيش الأمريكي سيطرته على بغداد، وسط حالة من الذهول والبكاء سيطرت على كل بيت عربي، وصرخات الرجال قبل النساء والأطفال اتجهت أنظار تحدق وتراقب عن كثب عبر الفضائيات وشاشات التليفزيونات هذا الحدث الجلل وتداعياته من عمليات سرقة ونهب واسعة النطاق اجتاحت البلاد دون أي حماية أمريكية بحجة عدم توفر العدد الكافي لحماية المواقع، وفوضى عارمة في بغداد وبعض المدن الأخرى، ومن الأماكن التي تعرضت للنهب والسلب تاركة جروحا عميقة فى الذاكرة سرقة 170 ألف قطعة أثرية من المتحف الوطني العراقي .. استيقظت في يوم 2003/4/9 على أصوات وضجيج ترآى لي للوهلة الأولى أنه يوم القيامة؛ أشخاص يتراكضون محملين بكافة أنواع السلع والبضائع. وسيارات كبيرة وصغيرة محمله بما لا يدركه العقل والخاطر.

وقع وطني. وسقط أمانه، وغابت شمس السلام عنه، وودعته طيور النوارس، كان يمشي مشية دائرية، يدور حول نفسه، حدثته، فلم يرد، ابتسمت له، فعبس كان لعبوسه في وجهي صوت يخبّرني أنه منذ أن اغتصبه أبنائه غادرته شرعية السمع وتطييب الخواطر، سلبوا منه الرحمة. جلس وطني على سقف بيتي مجاوراً تماماً للثريا الأمريكية البسيطة، كان مضيئاً ومهيوباً، ويحمل في عينيه سلام الدنيا كله، فتح يديه أمامي ورأيت أصوات بكاء، رأيت أطفالاً يحملون الشموع ويصلون، وهناك قرب السبابة كانت بدايات دماء. وبينما أنا أراقبه وأراقب اغتصابه لعدة أيام استفقدت أخي الذي كان يقاتل في معركة المطار أخي (ثائر) الذي استشهد في يوم (7/4) أي قبل اغتصاب وطني بيومين.

كابوس كان مخيف ومؤلم حد وجع الموت واستأصال الروح. كيف. إلى أين سأهرب وأنا في بيتي، أردت الاستيقاظ من هذا الكابوس لكني لم أفلح. عاودت النظر إلى مكان الوطن، لكنه ما عاد هناك.

نظر إلي رجل كبير في السن وقال: لا تبحثي عنه، لقد اعتقلوه. هس هس هس . لا تقولي لأي أحد.. بس هذا الذي صار.. ديري بالك .. طولي إيدك ولا تطولي لسانك. .هس هس هس ...كررت محاولة الاستيقاظ نظرت إلى شاشة التلفاز لأرى سقوط التمثال.. ينقل التلفاز على الهواء مباشرة، مشاهد لسقوط الصواريخ على المدن العراقية، كأنه فيلم السهرة العربي. جندي أمريكي ربما لم يسمع بالعراق يومًا ولا بحضارته ولا بتاريخه، يقف أمام تمثال الرئيس الأسبق صدام حسين في ساحة الفردوس في قلب بغداد، واضعا العلم الأمريكي على وجه التمثال معلنا عهدا جديدا في منطقة عانت الويلات، ومحضرا العالم لمستقبل مجهول ينتظر بلاد الرافدين؛ انهارت بغداد بلد الحضارات لقد سقطت بغداد، سقطت العراق، ومنذ ذلك اليوم والعراق يسقط يوميا تارة جراء الاحتلال الأمريكي وتارة أخرى تحت الميليشيات العميلة وتارة جراء الإرهاب والطائفية المقيتة حتى أصبحت هناك قائمة لمدمري بلاد الرافدين.

وبين نهب الممتلكات وانتهازية السياسيين الذين دخلوا فوق ظهور دبابات الأمريكان .. ذكريات سوداء

وصفحات لا يمكن للعالم أجمع أن ينساها، والعراقيون سنة بعد سنة يستذكرونها وقلوبهم تتمزق جراء سخطهم من حكوماتهم، لم يهدأ العراق منذ ذلك الحين، فقد تصدع بنيانه، واستنزف إلى أقصى الحدود حتى كاد أن يتحول إلى شبح دولة، بل وإلى شبح أكثر من دولة، وما يزال العراقيون يحاولون وإن كان بصعوبة، تغيير مسار التاريخ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولولا ذلك لكان الحاضر ربما أشد خطرا مما مضى.. كما شهد العراق تطور الجماعات الإرهابية وصولا إلى تنظيم الدولة (داعش) واستيلائه على أراض عراقية في عام 2014، قبل أن يشن التحالف الدولي للقضاء على التنظيم؛ والجميع يعلم من أوقد النيران ومن أطفاها. وفي ظل هذه المعارك وعدم الاستقرار تزايدت أزمات الكهرباء والبطالة، وتوسع فساد الحكومات المتعاقبة وديون لا حصر لها

كما كان لتمدد النفوذ الإيراني في بغداد بالغ الأثر على الوضع السياسي، سواء من خلال دعم شخصيات سياسية محسوبة عليها، أو من خلال دعم قوات منفصلة عن الدولة ما سميت بالحشد كانت أغلب فصائله إيرانية المنشأ، ومنذ ذلك اليوم يعيش العراق في دوامة العنف والدمار والقتل اليومي على أيدى عصابات السلاح والمخدرات والميليشيات وتجار البشر، وشهدت السنوات التالية على الغزو، انقسام العراق طائفيا، فحصلت الطائفة الشيعية على معظم الوزارات السيادية إلى جانب رئاسة الحكومة فيما استأثر الأكراد بالحكم الذاتي في إقليم كردستان العراق إلى جانب تزايد وتيرة العمليات الإرهابية عبر السيارات المفخخة والعبوات الناسفة، وعمليات الاغتيال التي تطول الجميع دون استثناء فضلا عن تعثر الخدمات الأساسية.

مضت الأيام والشهور والسنون، وتعاقبت نافورات الدم وفورات العنف، وزاد الدمار والخراب واتسعت المأساة حيث فقد مئات الآلاف من الأبرياء حياتهم، وأجبر أمثالهم على ترك مدنهم وقراهم ومنازلهم، بحثًا عن خيمة آمنة تأويهم وأسرهم، وكسرة خبر تقيم أودهم.. ووصل السيل الزبى ليكتشف العراقيون بعدها أن بلدهم مختطف من عصابات وعملاء وفاسدين فرطوا بمصالح الوطن والشعب؛ ليشهد العراق بعدها انتفاضة ثورة تشرين فهي الأكبر منذ السقوط؛ كان من المؤمل لها أن تكون ولادة استثنائية تغير كل ما جرى من ظلم واستبداد.

وإجمالي القول: إن التاسع من أبريل عام 2003 يوم خلده التاريخ، مثلما خلد مآسي مرت على بغداد منذ عهود طويلة.. بتلك المشاهد بدأ تاريخ جديد في العراق وفي منطقة الشرق الأوسط بكاملها، تاريخ دموي عنيف فتحت خلاله نافورات الدم وانهالت معاول الهدم تحطم ما تبقى من معالم في هذه المنطقة التي شهدت ميلاد أبهى الحضارات وأعظم الصروح.

عندما جاء الأمريكان وحلفاؤهم بكل أدوات الفتك، وأرفقوا غزوهم بأكاذيب عن أسلحة الدمار الشامل وغيرها وظلوا سنوات ينقبون العراق ويحفرون فيه بحثا عن سراب، وحين لم يجدوا ما يحفظ ماء الوجه، لم يتأثروا كثيرا، وأعلنوا أنهم يحملون الديمقراطية والحرية إلى هذه البلاد التي أنهكتها دكتاتورية الأشخاص والأحزاب أكثر ما نهكها دكتاتورية الفرد فأذاقت الأمرين.

المفارقة أن الإمبراطورية الأمريكية التي تمكنت بسهولة من تدمير تمثال صدام حسين وسط بغداد، لم تستطع بكل شعاراتها البراقة وادعاءاتها المدعومة بجبروت القوة الغاشمة، طيلة سيطرتها المباشرة على العراق من كتابة حتى مجرد سطر واحد مضيء في تاريخ بلاد الرافدين الجديد، لم يزرع الأمريكان في العراق إلا الأشواك والعواصف، ولم يحاولوا حتى التظاهر بأنهم يمهدون الأرض ليغرسوا بذور ديمقراطيتهم، لم يفعلوا ذلك بل حرثوا الأرض بالملح كما فعل الرومان مع قرطاجة.

مقالات متعلقة