الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات عاشوراء .. شعارات رنانه .. وواقع مرير..

عاشوراء ..شعارات رنانه ..وواقع مرير ..

ثائرة أكرم العكيدي

كاتبة وصحفية



لن يفهم الحسينَ إلا من هو حر في هذا العالم، لأنه يشعر ويدرك معنى أن تدفع الدم من أجل الحق. عاشوراء ملجأ المظلوم ولا تختص بالشيعة أو غيرهم لأنها درس يتعلم منه المرء أن الظلم أينما كان وكيفما كان لا يدوم ولن يدوم.
الشعب العراقي شعب منكوب مستضعف؛ ولذلك فالثورة ضرورة بحقه لا خيار، والكلمة الأخيرة دائما هي التي يكتبها الشعب؛ وعندما نستشعرُ هذهِ المناسبة فباعتبارِ سيدنا الحسين رمزا للنضال ضد الظلم والطغيان، ومسيرة الحق طويلة لأن حجم الاستبداد والظلم كبير، ولكن لكل ظالم نهاية ولكل جبار خاتمة تليق بجبروته، ومهما كان الطاغية يعيش دور المتوهم بأنه "ربهم الأعلى" فسيأتي اليوم الذي يكتشفُ فيه أنه كانَ مخدوعا بنفسه، فلا يضل ربي ولا ينسى ولا يضيع حق وراءَهُ مُطالب.
الحكومة والبرلمان والسياسيين ورجال الدين منذ ٢٠٠٣ ولغاية اليوم كانوا في كل عام في مثل هذا الوقت يمارسون الخداع الجماعي، بشكل يقرب من الشيزوفرينيا، بحيث يُذهل المتابع من شدة تطرفهم بين النموذجين.. الدعوة للحق، نظريا، ولمنع الحق عمليا؛ رؤس كبار تقيم مجالس عزاء، ويقتلون الشعب ظلما وجوعا وفقرا وطغيانا ويلطمون ويبكون على الحسين!!
وقد بحثت لتفسير الضحكة، وما كتب عنها المفكرون والفلاسفة؛ فلم أجد ضحكة ملعونة وداهية خبيثة كضحك سياسي العراق على ذقون الفقراء والمساكين؛ رفقاً بأنفسكم يامن تدعون زعامة العراق، ورفقا بمشاعر الناس، ياممثلين على مسرح الدولة؛ ستنتهي صلاحيتكم بعد حين، فلا إيران وتغولها، ولا برامجكم السياسية تغفر لكم جرائمكم وخطاياكم، اتقوا الله فيمن اعتقد للحظة أنكم جئتم من أجله، كفاكم قبحا تحملون راية الكفاح عن إيران وأمريكا؛ والشعب المظلوم هو من يدفع صفقاتكم.. نفاق ودجل ساسة المجتمع باسم الحسين رضي الله عنه؛ ياترى من يغِيرُ على هذه الرؤوس العفنة التي تمسك السلطة بيد من حديد.
شهر محرم وذكرى ثورة الحسين رضي الله عنه لأبد أن تتجسد بالثورة على الشعارات الكاذبة والأفعال المزيفة حتى تكون منطلقا لتصحيح، "هيهات_منا_الذلة" ليست شعارا فقط، وإنما كيف نكون أحرارا ولا نركع لأحد، لو كنا على منهج الحسين رضي الله عنه لما سرقانا ونهب ثرواتنا حفنة من الساسة المزيفين الذين يلطمون في عاشوراء، شلة من المسؤولين يسرقون عشرات لملايين من الدولارات شهريا، وغالبية الشعب العراقي تحت خط الفقر لا يمتلك لقمة يومهّ، هؤلاء المسؤولون يدَّعون انتماءهم إلى الحسين رضي الله عنه، ويسعرون الحروب فتسقط أرواح الأبرياء وتهدر الثروات بسبب نزهة شخصية ومصالح فئوية، يجورون على أموال الفقراء والمساكين فيغتصبونها لتزداد ثرواتهم وأرصدتهم في البنوك الغربية
الإصلاح معدوم، والتدمير مستمر، والإعمار ومشاريع التنمية متوقفة، نسب الرسوب في مدارس والكليات تنذر بخطر داهم، المسؤول الذي يسرق لو حوكم فستكون محاكمته صورية ثم يُهرَّب إلى الخارج ليستمتع بما سرق، الساسة الفاشلون يرفعون رايات (يا ثارات الحسين) ولكنهم كمثل الحمار يمل أسفارا؛ ثارات الحسين لم تكن شخصية أو انتقامية أو دموية, فليس للحسين ثأر شخصي أو قبلي أو طائفي كما يروج له الطائفيون الفاسدون، الحسين ليس قبيلة ولا طائفة ولا عرق؛ الحسين تجسيد لمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انطلاقا من قوله تعالى ((وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)) هذا هو مقصود (يا ثارات الحسين) يا أهداف الحسين, و يامبادئ الحسين التي نادى بها وضحى وبذل النفس والنفيس من أجلها؛ فلم يخرج بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرج مصلحا آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، لم يكن هدف أهل البيت استعباد الناس ولا قتلهم أو تشريدهم؛ فتبا لكل من غدر الحسين وخالف نهجه بقتل وتجويع الناس وتشريدهم.
الأحزاب والسياسيون في العراق يسعون بكل الوسائل الخبيثة لتحقيق مصالحهم غير آبهين بحال الشعب العراقي الذي ينظر إلى المآسي التي تحيط به بكل ألم ويسخر منها صبرا واحتسابا، أمام مشاهد مخزي للسياسيين وهم يتقاسمون الغنائم الوزارية ويتدافعون كالاطفال على قطعة الحلوى؛ متجاهلين أقوال الحسين وآل البيت الأطهار ، يروجون للطائفية والقتل والتشريد للتمسك بكرسي السلطة، ويتناسون أن ال البيت والحسين لم يكونوا طالبين لسلطة أو زعامة.

شهد التاريخ حروباً كثيرة في سبيل الوصول للعرش على سلم من الدم، وتحت شعارات سميت دينية، ولكنها في الحقيقة أقرب ما تكون إلى العصبية الجاهلية، مثلما هتف المهلهل بن ربيعة يا لثارات كليب وخاض حرباً مجنونة أكلت الأخضر واليابس كان ذلك قبل الإسلام، وما يفعله الساسة اليوم هو رفع الشعار ذاته لكن مع وضع اسم الحسين مكان اسم كليب، ليُخرج الشعار في صيغة دينية، يستطيع بها التستر على هدفه في التحشيد والتجنيد لحربه التي كان يأمل من خلالها تأسيس دولته في العراق. وما أن وصلوا إلى هدفهم، حتى أذاقوا من يدعون تمثيلهم سوء العذاب فالفقر والجوع والأمراض تعج بها المناطق الشيعية التي يدعي من يحكم العراق اليوم أنهم جاؤوا من أجلهم.
لكنهم يستعملون اسم الحسين لغرض إثارة الأحقاد التاريخية، وتتهدج أصوات منشدي الروضات الحسينية، لدغدغة مشاعر الجمهور، واستثمار محبة الناس للحسين، للشحن الطائفي، فالطريقة التي يجري بها تذكر الحسين، والدعوة إلى الثأر له رغم أن الثأر انتهى انتهى منذ 1400 سنة تقريبا، والجزاء عند الله تعالى، لا تعني إلا سفك المزيد من الدم باسم الحسين، واستهداف من يسميهم الفاسدون الطائفيون ب"معسكر يزيد" ليشغلوا الشعوب بالحروب عن واقعها المرير.
لن يخرج المسلمون من سلسلة الحروب الطائفية المتوالية، إلا إذا استفادوا من تجربة الحسين بطريقة أخرى، غير تلك التي تشحن بها العواطف للنيل من النقيض الطائفي الذي لا يتحمل أي مسؤولية عن مقتل الحسين. لن نخرج من الحروب الكريهة إلا إذا تم التوقف عن استغلال دم الحسين لتحقيق مكاسب سياسية لأحزاب طائفية كشف الناس حجم فسادها وعدم أهليتها الدينية والسياسية، عندما وصلوا إلى السلطة باسم الحسين ودمه. على المسلمين اليوم أن يتجاوزوا مأساة كربلاء، لأنه ثبت بالتجربة أن عدم تجاوزها يعني تحول كل مدنهم بشكل أو آخر إلى فاجعة كربلاء، عليهم أن يدركو أن تذكر كربلاء بالطريقة الحالية ليس أكثر من مناسبة ولهم أن يتساءلوا: لماذا شُنَّتْ كل الحروب التي كانت باسم الحسين، ضد المسلمين عبر تاريخهم؛ أليس غريباً أن كل الحروب التي رفعت شعار يا لثارات الحسين كانت عبر التاريخ حروباً بين المسلمين أنفسهم..
خلاصة القول: كيف يمكن أن يصان الدين وتُصان وحدة الثقافة ووحدة الحضارة إذا لم تُصَن وحدة الأرض ووحدة الشعب قضايا التحرّر والهوية الوطنية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الظلم أينما كان وكيفما كان، هي كلها قضايا إنسانية عامة لا ترتبط بمنهج فكري محدّد ولادين أو مذهب معين ...

مقالات متعلقة