الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات ديوك السلطة.. والدجاجة التي تبيض ذهبا..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة بالشأن العراقي)

هل تعرفون أن أسوأ شيء هو أن يصبح الوطن دجاجة.. لا أحد ينظفها.. أو يبالي بها، أو ماذا تأكل أفراخها وكيف هي أقنانهم، هل تقيهم من برد الشتاء وحرارة الصيف الحارقة أم فقط ينتظرون منها أن تبيض لهم المزيد من الذهب واللعنة عليها وعلى صيصانها.. وفوق هذا يخجلون من رائحتها وحتى وجودها...

أيوجد أسوأ من أن يتخيل المسؤولون أنفسهم أصحاب دواجن.. في الحقيقة هم من جعل من هذا الوطن دجاجة ونخشى اليوم وبعد انتهاء بيضها أن يذبحوها بسكين مثلمة! نعم هو واقع حال العراق الذي يذبح هو وأبناؤه كل يوم بل وكل ساعة.. حيث تتصارع عليه ديوك السلطة من أحزاب وميليشيات وجهات خارجية للاستحواز على خيراته والتسابق عل سرقته والفوز بغنائمه..

تدور الأيام ويمر الزمن والشعب العراقي يبحث عن حقوقه المسلوبة وقد أضناه الحرمان والمشقة والفاقة والفقر.. يبحث عن فرح وسعادة ولم يطالب باستحداث وزارة للسعادة كما هي موجودة في الإمارات وقطر ودول الخليج الأخرى.. يبحث عن لقمة العيش وعن حصة غذائية تكفيه ولو شهرًا واحدًا، ولكن بين غمضة عين وانتباهتها يصبح العراق مفلسًا يقترض من هنا وهناك في ظل حكومات وإدارات فاشلة طوال عشرون عامًا عجاف لم تجد غير النفط وارداً للخزينة، ولديها منافذ حدودية تشبّه بالدجاجة التي تبيض ذهبًا وكان بيضها لبعض الأحزاب الفاسدة والمتنفذين، في حين لم تنجح كل حكومات ما بعد 2003 التصدي لعقود وكوميشنات وإتاوات ورشى وفساد مالي قد أزكمت رائحته النتنة الشعب الحائر في أمره مع حكومات وظيفتها الأساسية في الدولة السرقة قبل كل شيء.

بضائع خاضعة للضريبة والجمرك تدخل بحاويات باطنها غير ظاهرها وأوراقها مزورة تمر بطرق غير قانونية تباع بالمليارات وضريبتها الفلاسين لقاء رشى وعمولات تدخل جيوب الفاسدين وأتباعهم في وضح النهار، حاويات تحمل أدوية فاسدة ومخدرات وأخرى غذائية تالفة وثالثة على أنها معفاة من الضريبة..

لم يؤدّ أيّ حراك سياسي في العراق إلى تحقيق التنميّة الاقتصادية والازدهار، كما طالب بهما عموم العراقيين فترات طوال، إذ استحوذت على السلطة طبقة سياسية ماكرة، لا تريد أيّ فكاك منها منذ عام 2003.

وبدلاً من إنجاز أيّ بناء حقيقي للبلاد، كانت الناس تفجع كلّ يوم وطوال 20 عاما وهي تجد الحكومات المتتالية تنفق مليارات الدولارات على الميليشيات غير الخاضعة للرقابة، وعلى شبكات المحسوبية لمجاميع من الفاسدين، مع قطاع عام غير منتج، ومشاريع عامة يخطّط لها على الورق، ولكنها لا تنفّذ وتسرق ميزانياتها بسبب الفساد. وقد ربط العراقيون الفساد عميق الجذور وإخفاقات حكوماتهم بنظام المحاصصة، وهو ترتيب تقاسم السلطة العرقي والطائفي الذي أوجدَه الأميركيون منذ احتلالهم العراق

لا ميول سياسية ولا فلسفة اجتماعية ولا عقده نفسية

هو الأضرب والأقسى والأعنف الذي ما زلنا نعيشه ونتنفسه

تغلى الأسعار ويوم بعد آخر يرتفع سعر الدولار، والمواد الغذائية فتنهار الأخلاق، يباع ويشترى الضمير وبالعصا والجهل والوعود التي صدقناها طوال 20 عاما نطرح الآمال فيتكدس مال، ونهجن الدجاج يبيض ذهبا وننفخ على السحاب ينزل عصيرا عسلا ونسرج البحر نشوي منه سمكا؛ هذا ما جاء به بريمر عندما احتل الأمريكان العراق ووعود ووعود وصدقها العراقي المسكين! يومها لا تسألني عن الدولة ولا دين بوك؛ كله عند خبر كان، إذا بقي من كان حاجة.

الفساد وسوء الإدارة والاعتداء على المال العام، فالحكّام يزدادون غنىً والمحكومون يرزحون تحت نير المرض والجوع والجهل، وكبار رجالات الدين المزينين لهؤلاء والأحزاب والميليشيات استباحوا دماء المواطنين يأكلون مع الآكلين هذه الأموال المولدة من تصدير النفط، لقد عكفوا في ليلهم ونهارهم يحللون الحرام ويحرمون الحلال لأولياء نعمتهم، من كبار المسؤولين والأحزاب على هذا المورد الهام، حتى انتخموا من سرقات الوطن ففي أواخر السبعينات وبداية الثمانينات تفجرت هذه الأرض الحلوب ذهباً أصفرا ترسل ذهبها لأقاصي البلدان حينها فتح شرياناً لتغذية دول الجوار بهذا الكنز العظيم، ثم ما لبث عملاؤها والذين دخلوا على ظهور الدبابات أن سلكوا ذات الطريق المؤدية إلى واشطن وطهران لملأ جيوبهم مطراً مدرارا والعراقي يتسول في شوارع بلده لا بيت له ولا مأوى ولا كرامة فقط رغيف خبز يابس رغيفه من السماء بعد الدعاء ..

تشخيص الفقر في العراق لا يحتاج إلى التنقيب عنه فمظاهر الفقر منتشرة ويمكن الاستدلال عليها من خلال المشاهد التي نراها ونعيشها يوميا وبصورة حية في الشوارع المليئة بجيوش الباعة الأطفال والمتسولات والمتسولين أما شريحة الفقراء المتعففين التي لا تجاهر بطلب رزقها ولا تمد يدها للمارة في الطرقات فهي تمضي حياتها في صمت وذل بعيدا عن الأضواء وتعيش على الكفاف من الرزق ويصل تعداد هذه الشريحة إلى الملايين ..وغالبا ما تتوقف مصادر رزقها على الإعانات القليلة التي تقدمها الرعاية الاجتماعية - هذا في حال حصولها على تلك الإعانات. وهناك شريحة أخرى من الفقراء المعاقين والعجزة الذين لا يؤهلهم عجزهم للعمل أو الخروج إلى الشارع للتسول أو حتى ارتكاب الموبقات من أجل لقمة العيش فهؤلاء يعيشون خارج دائرة الضوء تماما ومنهم من يمضي في ظروف مأساوية لا تمت بصلة إلى الحياة الإنسانية بشيء.

إن أُمنيات الأطفال النازحين وأقرانهم من المُعدَمين الذين استوطنهم اليأس لا تتجاوز ما كفله الدستور لهم من عيش كريم والتمتع بالفتات من ثرواتهم في ظل نظام ديمقراطي يحمي حقوق وحريات الجميع لكن الأمر يبدو في غاية السخرية حين نشاهد مؤسسات الدولة المعنية بشؤون المعوزين والأيتام والأرامل والنازحين مازالت معطلة وكل ما تقدمه لا يرتقي إلى مستوى المسؤولية، ومن ناحية أخرى تذهب أحيانا تلك المؤسسات إلى خلق التبريرات الواهية لتغطية الخلل الذي تعانيه في أداء واجباتها والتزاماتها حيال هذه الشريحة التي أخذت أعدادها تتزايد بشكل مخيف دون وجود معالجة

حقيقية لتداعياتها ما يشكل تهديدا على مستقبل الحياة الاجتماعية برمتها، وأمام هذه الحالة تتحمل الحكومة الحالية المسؤولية تجاه حرمان هذه الشرائح الاجتماعية من حقوقها وهي مطالبة اليوم بوضع حد لمعاناة هذه الشرائح وإدراج حقوقها في سلم أولوياتها.

لا يوجد إنسان يملك ضميراً حياً أو يملك ذرة إنسانية لا يتأثر حينما يرى معاناة عزيز قوم ذل ألم بأناس كانوا تحت سماء وفوق تراب وطن ينتمون له، وكرامتهم تسمو بكرامته وسيادته واستقلاليته.

مقالات متعلقة