الباحث : حسين صالح السبعاوي
عندما أنشأت المنظمات الدولية كان الهدف منها الحفاظ على السلم العالمي وعدم الانجراف وراء الحروب العبثية التي دمرت أوروبا وحلفائها وأعدائها معاً وقد قتل بسببها الملايين دون هدف سامي لهذه الحروب التي عادة ما كان سببها ساسة متهورين ورجال دين متطرفين وأرباب أموال جشعين لايشبعهم إلا تراب القبر. وبعدما رفضت الشعوب الأوروبية هؤلاء الساسة ورجال الكنيسة وأرباب المال وفقدت الثقة بهم وبالفكر والتراث الأوروبي القديم ورفضتهم رفضاً تاماً حتى قال أغلبهم عن الخراب الذي أصابهم بسبب الحروب لو لا الخراب الذي نزل بالأخلاق الأوروبية لما نزل هذا الخراب في مدنها من قتل وتهجير ودمار للبنى التحتية. أمام هذا المشهد المأساوي ظهر بعض العقلاء من المفكرين والساسة في محاولة لبث روح الأمل من خلال استعادة الحياة لبعض معانيها وحوافزها وهكذا سرعان ما بدأت هذه الدول بإنشاء مؤسسات تحمي حقوق الإنسان وتمنع نشوب الحروب بينهما وتحاسب المتسببين فيها ومن أبرز هذه المؤسسات :
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ١٩٤٨ التابع للأمم المتحدة .
إتفاقية جنيف ١٩٤٩ في سويسرا
محكمة العدل الدولية ١٩٤٥ في كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية .
منظمة العفو الدولية ١٩٦١ .
منظمة هيومن رايتس وتش ١٩٧٨ في نيويورك/ أمريكا .
نظام روما الأساس للمحكمة الدولية ١٩٩٨ .
مجلس حقوق الإنسان ٢٠٠٦ في جنيف سويسرا .
وهناك منظمات إقليمية أخرى تقوم بنفس المهام أو ما يشبه هذه المهام. والمتابع لتاريخ تأسيس هذه المنظمات يجد أن جميعها قد تأسست بعد الحربين العالميتين وبعد إنهيار الإتحاد السوفيتي سابقاً عام ١٩٩١ .
في بداية تأسيسها قامت هذه المنظمات بمهامها التي أوكلت إليها على أفضل وجه وقد كان لها دورا بارزا في منع نشوب الحروب بين الدول. كما حكمت على الكثير من المسؤولين الذين ارتكبوا جرائم حرب ضد الإنسانية وعمليات التطهير العرقي. ففي يوغسلافيا مثلا حكمت محكمة العدل الدولية على رادوفان كرادزيتش بالسجن المؤبد وحكمت على جنرالات الحرب في فترة الصراع بين البوسنة والهرسك.
بقيت هذه المنظمات تمارس عملها بكفاءة وجدية إلى عام ١٩٩١ عندما تفكك الاتحاد السوفيتي واستفردت الولايات المتحدة بالقرارات الدولية وفرضت هيمنتها على المؤسسات الدولية الحقوقية والإنسانية منها فبدأت هذه المؤسسات تفقد دورها الريادي وتتلاشى شيئاً فشيئا حتى أصبحت فاقدة الأهلية وقراراتها لا تساوي الحبر الذي كتبت فيه وتحولت من الفعل الميداني المؤثر إلى القول غير الدسم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع .
أما في دولنا العربية وخاصة في العراق الذي يعاني من إحتلال غاشم وصراعات داخلية قتل بسببها الآلاف وهجر الملايين وانتهكت حقوق الإنسان العراقي بأبشع الطرق على أيدي الحكومات المتعاقبة بعد ٢٠٠٣ وميليشياتها الطائفية نجد أن هذه المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة تقف مكتوفة الأيدي متفرجة على كل ما يجري ولا تحرك ساكناً بل وصلت الجرأة فيها أن تدعم الحكومة وميليشياتها على حساب المضطهدين من الشعب العراقي .
إن مجرد سكوتها على هذه الجرائم فهو انحياز للجلاد ضد الضحية. وقد تابعنا جيدا دور ممثلة الأمم المتحدة في العراق جينين بلا سخارت الهولندية الأصل كيف تمارس عملها بإنحياز فاضح ومكشوف في دعمها للحكومة وكيف تجري اللقاءات مع قادة المليشيات وكأنها تلتقي مع ناشطين مدنيين وليس مع قادة مليشيات مسلحة ارتكبوا أبشع الجرائم ضد الشعب العراقي؟!
علماً أن ممثلة الأمم المتحدة في العراق لم تأت من الوسط المدني المهتم بالشؤون الإنسانية فحسب بل هي عملت في الوسط السياسي والأمني والعسكري سواء في بلدها الآم هولندا عندما عملت ٥ سنوات وزيرا للدفاع أو في أوروبا التي عملت منسقاً أمنياً بين دول الإتحاد الأوروبي وبين الولايات المتحدة في حلف الناتو. إذن فهي خبيرة أمنية إضافة لمهامها الإنسانية كممثل الأمين العام للأمم المتحدة.
وكذا بقية المنظمات الدولية التي تعمل في العراق أو العاملة في مقراتها التي نشأت فيها لم نجد لها أي دور إيجابي يخدم المظلومين من الشعب العراقي فإما تكتفي بالحياد السلبي الذي يساوي بين الجلاد والضحية أو منحازة لصالح الحكومة وميليشياتها بينما يدفع الشعب ثمن هذا الصمت المريب والإنحياز الفاضح .
إن فقدان هذه المنظمات لدورها الحقيقي الذي أنشأت من أجله ستكون هي الخاسر أيضأ إضافة لخسارة الشعوب المظلومة التي تعاني الويل بسبب هذه السياسة الازدواجية لها وقد لا حظنا في السنوات الأخيرة أن هذه المنظمات فقدت مصداقيتها لأنها تتبع سياسة إزدواجية مع إتهام لبعض موظفيها بالفساد ، فإنها تسكت عن إنتهاكات الأنظمة التي مرضياً عنها أمريكاً ودوليا وتصعد ضد الدول الغير مرغوب فيها أمريكياً. وبهذا السلوك تفقد المنظمة مهنيتها وحياديتها وأصبحت طرفاً سياسياً وشاهد زور على الجرائم التي تحدث وقد ابتعدت بعيدا عن مهامها الوظيفية التي أوكلت إليها .
إن عدد الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب العراقي تحتاج إلى مجلدات ضخمة لتدوينها وهي واضحة وضوح الشمس من خلال عدد الضحايا والمغدورين والمخفيين قسريا وعدد النازحين والمهجرين الذين تجاوز عددهم الأربع ملايين مواطن. ألا يكفي كل هذه الجرائم وأعداد الضحايا أن يتحرك مكتب المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية أن يقيم دعوى قضائية ضد المجرمين؟ وهي جرائم تطهير عرقي وجرائم قتل جماعي وجرائم ضد الإنسانية، ومع كل هذا لم يتكلف بتقديم دعوى ضدهم وهي من أهم مهامه في موقعه الوظيفي. ولم تنتفض الأمم المتحدة لتقف بوجه هؤلاء القتلة وتردعهم بل على العكس نجد أن ممثلها في العراق تسكت على هذه الجرائم وتحسن صورة الحكومة عندما تقدم تقاريرها سواء للأمين العام أو لمجلس الأمن الدولي .
على هذه المنظمات أن تعلم بأن الشعب العراقي قد فقد الثقة بها وأنها الخاسر الأكبر في ممارستها لهذه الإزدواجية، وأن الشعب باقٍ وهم ومن يدعمونه زائلون لا محالة وغير مأسوف عليهم لأن الشعوب تدرك معنى الحرية وتدرك بأن ثمنها غالي وهي مستعدة للتضحية بكل ما تملك من أجل نيل حريتها وكرامتها.
( وإن غدا لناظره قريب )
مقال خاص براسام