صحيفة الميثاق تحاور الدكتور مثنى حارث الضاري (مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين في العراق)
الميثاق| طائفية العطل الرسمية وصفت بأنها فرض أمر واقع يكرس الانقسام المجتمعي، ما هي قراءتكم لهذا المنحى الطائفي الخطير؟
الضاري|
الأصل هو تعزيز القيم الوطنية وإشاعة المعاني الجامعة والتقليل ما أمكن من الصور والإشارات والشعارات الدالة على غير ذلك، أو استحداث ما هو غير موجود سابقًا؛ فهناك قواعد عامة بُنيَ عليها المجتمع وسارت عليها الدول المتتابعة، وعُرف عام استقر على مدى قرون متطاولة، روعيت فيه هذه الأمور وارتضاه الجميع، ولم تستغل مراحل زمنية أو أنظمة معينة لفرض قناعات فئة ما على فئة أخرى في الجانب العقدي أو المذهبي.
الميثاق| ألا يعدّ التصويت على عطلة (الغدير) ضرب لمفهوم الشراكة والديمقراطية التي تدعي أمريكا أنها أتت بها، وترسيخ لثيوقراطية العملية السياسية؟
الضاري| بالتأكيد هو كذلك، وفيه تناقض صارخ مع دعوات (الدولة العراقية الحديثة) وشعارات الديمقراطية والمدنية، التي صدعوا رؤوسنا بها على مدى العقدين الماضيين؛ بل فيه توجه متصاعد نحو هيمنة البعد الديني (بصورته الطائفية) على مؤسسات البلاد وسياقاتها العامة بشكل (قانوني)، بعد فرضها جبرًا على المواطنين عن طريق الممارسات والطقوس الممارسة في دوائر الدولة ومؤسساتها والعاملين فيها.
الميثاق| ولماذا في هذا التوقيت ضغط مقتدى الصدر لإقرار (الغدير) عطلة رسمية؟
الضاري| يقال: الحاجة أم الاختراع، وفي السياسة الاختراع هو الحاجة، فمتغيرات اللعبة السياسية كثيرة ومتطلباتها أكثر، هذا في الحالة الطبيعية فما بالك بحالة غير طبيعة وأوضاع شاذة -كما يجري في العراق- حيث يتداخل البعد السياسي مع الأغراض: الطائفية والعنصرية والإثنية والمصلحية الخاصة؟
الميثاق| عطلة الغدير تفجر سجالا حول حقوق الآخرين ومصادرتها؛ لماذا تصر الأحزاب الطائفية على إثارتها؟
الضاري| الإصرار دليل دامغ على الإفلاس؛ فقد تكشفت للأجيال الجديدة في العراق حقيقة ما يجري من لعبة سياسية، مؤسسة على المحاصّة الطائفية والعرقية، ومبنية على جلب المكاسب والمصالح، ومتمرغة في الفساد بكل ألوانه. ومن هنا فإنه ليس أمام القوى والأحزاب المشاركة في (عملية سياسية) بهذه المواصفات إلا أن تعمل ما استطاعت -بين حين وآخر- على إثارة العوامل المساعدة لها على البقاء، وفي مقدمتها تأجيج الطائفية والحس الفئوي ومظلومية الأقلية؛ ولكنها -بعد انكشافها- أضحت محاولات وأساليب لا تنطلي على الكثيرين، داخل العراق وخارجه.
الميثاق| برأيكم هل ستتوقف دعوات مقتدى والميليشيات باقتحام المساجد عند حدود العراق أم أنها عابرة لذلك ولاسيما أنهم أيضا يمارسون الطائفية في سوريا، وأيضا أطلق مقتدى دعوته للحجاج إلى بيت الله الحرام أن لا يدخلوا إلا من باب واحد كيف تقرؤون ذلك؟
الضاري| لا أظن أنها ستتوقف، فما دامت المعاني والمناسبات الدينية والمذهبية الخاصة تستغل لأهداف سياسية -كما هو الشأن في الحالة السياسية في العراق-؛ فسيبقى الأمر في إطار الاستعراضات المستفزة المختلطة بأعمال همجية لبعض الميليشيات، أما سوريا فنظام الأسد مستفيد من خدمات الميليشيات في قتل شعبه دون الالتفات إلى قضايا دينية أو طقوس طائفية، وعلى الدول العربية والمسلمة واجب الخروج من حالة ضعف المواقف الرسمية، وانشغالها عن المهم بغير المهم، والانتقال إلى دائرة الفعل والتصدي لكل ما يقوّض وحدة الأمة ويزعزع عقيدتها، فضلًا عن تهديد استقرار وأمن مجتمعات هذه الدول عامة، أو في مناسبات مهمة خاصة كفريضة الحج.
الميثاق| خرج مقتدى الصدر بخطابات فيها من التهديد والوعيد والطائفية ما لم يكن خافيا على أحد؛ وذكر أنه ضد الطائفية وقاوم الأمريكان وقاتل مع المقاومة في الأنبار وغيرها، لكنه في الوقت نفسه دعا أتباعه لاقتحام المساجد؛ كونكم في الهيئة تعاملتم مع مقتدى الصدر منذ السنة الأولى للاحتلال كيف ترى خطاباته الأخيرة؟
الضاري| هي تكرار ممل لأسلوب اعتدنا عليه منذ زمن ليس بالقصير، وقد قلت في مناسبة سابقة: إن أسلوب الابتعاد عن العملية السياسية، ومن ثم الرجوع إليها بطريقة ما، ثم مغادرة بعض مؤسساتها، والعودة إليها من باب إحداث مشكلة ما؛ هو الأسلوب المحبذ لزعيم التيار الصدري. وها هو مرة أخرى يعيد إنتاج نفسه وخطابه المبرر لما يفعله، وبنكهة طائفية طاغية هذه المرة، مع توهم كبير بقدرته على وضع المحترزات والمحددات لها أو تفسيرها بما يتناقض مع مدلولاتها المتبادرة للذهن.
وبالمحصلة فهي إعادة إنتاج خطابات سابقة وادعاءات مكرورة، في محاولة لتحميل الأطراف الأخرى مسؤولية ما يصدر عنه من أفعال أو ردود أفعال غير محسوبة. وهنا ينبغي التنبيه على أنه لو كانت هناك منّة من أحد على أحد؛ لكانت المنة في رقبة مقتدى الصدر لمن يَمُن عليهم الآن؛ فمواقف الدعم والإغاثة والإسناد له ولتياره، التي قامت بها القوى المناهضة للاحتلال ومعها المقاومة العراقية -أثناء أزمة النجف سنة (2004م)- كافية في سحب البساط منه، ودحض كلامه.
الميثاق| أشرتم في بيانكم المتعلق بموافقة البرلمان على جعل يوم الغدير عطلة رسمية إلى غياب 162 عضوا؛ إلى ماذا تشيرون بذلك؟
الضاري| يشير بيان الهيئة إلى أن القرار قد مرر باتفاق الجميع الحاضر بحضوره، والغائب بغيابه الدال على عدم اهتمامه بالأمر، وهذا هو شأن (سلال) الاتفاقات والقرارات المعتادة فيما يسمونه مجلس النواب؛ حيث يتخلى (النائب) فيه عن المعلن من المبادئ والمدعى من المواقف عند أول بوادر التوافقات المصلحية، ويضرب بعرض الحائط كل الوعود والمزايدات والادعاءات التي وصل بها لكرسي البرلمان؛ فيضحى بذلك؛ لا فائدة منه ترتجى، فلا هو (مسمار) يمكن أن يعلق عليه شيء ما، ولا (أريكة) يستفاد منها.
الميثاق| الطبقة السياسية السنية في العملية السياسية هل هناك حجج يمكن تسويقها لبقائهم بعد التصويت على يوم الغدير؟
الضاري| لا حجج لهم قبلها، ولا بعدها، وقد أمسوا لا يحتاجون للمبررات والذرائع والحجج، ما داموا قد ربطوا مصيرهم بتحالفاتهم السياسية وحصنوها بتوافقاتهم المحلية والإقليمية، وهناك من مازال يحسن الظن فيهم أو يعول عليهم؛ لكن تجارة العلاقات هي السائدة وتبادل المصالح هو الرائج، والسكوت عنهم هو سلاح المستجير بهم -للأسف-.
الميثاق| كيف تقرأ هروب رموز الطبقة السياسية من مواجهة استحقاقات العراقيين، وتدوير الملفات للتشويش على رصد ومتابعة فشلهم فيها؟
الضاري| هذا شأنهم، وهذه إحدى سمات العمل النيابي في ظل الاحتلال، الذي يدعون أنه (عمل سياسي)، وهي صفة ملازمة لنمط عمل مجلس النواب وأعضائه ولا سيما (السياسيون السنة) منهم، الذين يحاولون تغطية عدم قدرتهم على القيام بما ينبغي لهم أن يقوموا به، فيتوارون عن الأنظار بحجة السفر أو الحج أو غيرهما من الأعذار؛ التي تتيح لهم ترك الساحة لغيرهم لتمرير ما يريدون من مشاريع وقرارات، أو تأخير ما يريدون تأخيره منها لحين فض المنازعات بينهم والتوافق على صيغة ما ترضي الجميع، كما هو حاصل ومستمر في موضوع رئاسة مجلس النواب مثلًا.
الميثاق| العلاقة الملتبسة بين التيار الصدري والإطار وإن كانت متذبذبة إلا أنها بالنتيجة هدفها واحد؛ كيف ولماذا؟
الضاري| نعم هي ملتبسة ومتذبذبة؛ ولكنها تنتهي إلى مخارج متقاربة؛ لأن الأهداف والغايات العامة التي يقوم عليها النظام السياسي الشاذ بعد الاحتلال تجمعهما، وتوفر لهما الظروف والإمكانات الضامنة لاستمرارهما، والمصالح الكفيلة بتأمين وضعهما، فضلًا عن الأهداف المذهبية الخاصة ذات البعد الطائفي، التي تجمع بينهما، على الرغم من الاختلافات البينية التي يعود غالبها إلى حالة التنافس السياسي والصراع من أجل النفوذ والهيمنة.
الميثاق| الطريق إلى تنمية العراق مرهونة بإبعاد فساد الأحزاب وتسلط الميليشيات الطائفية؟
الضاري| هذا هو الطريق الحقيقي والمطلوب في كل مكان في العالم لضمان حصول التنمية بشروطها المعروفة ومتطلباتها المعلومة، فما بالك ببلد مبتلى بأنواع الفساد وأصناف الشرور المتأتية عن تسلط النظام السياسي وهيمنة الميليشيات عليه، وشيوع الفساد كظاهرة عامة وليست استثناءً، فضلًا عن التبعية للإرادات الخارجية، وتغليب المصالح الفئوية الخاصة على المصالح الوطنية العامة.
الميثاق| بعد 21 عاما مازالت هيئة علماء المسلمين متمسكة بخيارها الوطني في مناهضة المشروع الأمريكي وعمليته السياسية؛ ما هي انعكاسات هذا الموقف على المشهد السياسي، وعلى محاولات تعضيد جهد القوى الوطنية في مواجهة مشروع الاحتلال؟
الضاري| تمسك الهيئة بخيارها ينطلق -وأقولها بثقة كبيرة- من صوابية موقفها وصحة رأيها وتحقق استشرافها لمآلات العملية السياسية في ظل الاحتلال؛ فشواهد الواقع تؤكد ذلك ودلائل الفشل بادية لا تحتاج إلى إيضاح. وينعكس هذا الخيار بالضرورة بصورة إيجابية على مواقف القوى الوطنية المناهضة للاحتلال ويعطيها سندًا لتعزيز الجهد الوطني، ومواصلة العمل الوطني عن طريق المؤسسات والأطر والسياقات المناسبة، ومنها (الميثاق الوطني العراقي) الذي هو وليد تفاهمات عدد من هذه القوى، وأحد مشاريعها المعلنة.
الميثاق| بقراءتكم للمشهد السياسي.. ما هو المطلوب لوأد مشروع الاحتلال وفك ارتباط العراق من مشروع إيران الطائفي؟ ووقف تداعيات الفشل المتواصل الذي يعيشه العراق؟
الضاري| وأد مشروع الاحتلال هو هدف القوى المناهضة له؛ فهو الأصل الذي نبعت منه كل الشرور السياسية والطائفية، وغزتنا بسببه الجوائح والكوارث المادية والمعنوية، وإنهائه بالطريقة المناسبة هو إنهاء لكل متعلقاته ولا سيما المشاريع الطائفية والطموحات الإيرانية بالهيمنة على المنطقة، التي وصلت في هذه المرحلة حدودًا خطيرة.
- وفيما يتعلق بالمطلوب فعله لوأد مشروع الاحتلال؛ فيمكن هنا الاستشهاد بما ورد في الرسالة المفتوحة لهيئة علماء المسلمين في الذكرى الحادية والعشرين للاحتلال الصادرة في (9/4/2024م)؛ ففيها جواب هذه السؤال؛ حيث قالت: "إن تغيير الواقع الحالي في العراق ليس بالأمر اليسير ولا يتم على عجل أو بين ليلة وضحاها؛ لكنه ممكن وقابل للحصول، ومشاهد التأريخ حافلة بنماذج كثيرة تؤكد هذا المعنى؛ فإننا على ثقة تامة بأن مشروع التغيير حين يجد من يتبناه بصدق ويبذل في سبيله ويواصل السعي لأجله؛ فإنه تطوى له المسافات وتلين أمامه الصعوبات، وإنّ واجب الوقت علينا وعليكم يقتضي الصمود، والصبر، ويستلزم جهدًا مضاعفًا لكي نصيّر من طروحاتنا خطوات عملية في هذا السبيل، ولا سيّما وأن هذا النوع من التغيير يحتاج إلى أن يمر بمرحلتين أساسيتين لينطلق بعدهما نحو الفعل الميداني المثمر:
أولاهما: القناعة ثم الإقرار بأن النظام السياسي القائم في العراق هو المرض الخبيث الذي نشب في المنطقة، لما فيه من أصناف الخطايا والسوء والفساد كلّها.
والأخرى: استثمار الجهود المحلية والإقليمية والدولية الاستثنائية، التي تستعلي على السلوكيات ذات الازدواج في التعامل مع القضايا التي يشهدها العالم، وتتجاوز حالة الانحياز المفضوح التي تُقدم فيها قضايا على حساب أخرى، وتغيّب في ضوئها الحقائق وتغمط في ظلها الحقوق، على الرغم من قلة هذه الجهود، التي قد لا تنتج إلا في حالة حصول متغيرات ما: إقليمية أو دولية، قد تفيد في توظيفها بالشكل الصحيح والمناسب لمصلحة العراق وأهله".
الميثاق| يسجل لهيئة علماء المسلمين انها كانت رافعة وطنية سعت لإخراج العراق من مازقه بموقف ورؤية واضحة المعالم؟ هل الطريق لبلوغ هذا الهدف مازال ممكنا؟
الضاري| نعم ممكن، إذا ما قامت الظروف المناسبة، وتوفرت الرؤى الصحيحة والدقيقة لما يجري في العراق لدى الفاعلين في المنطقة والعالم، وثبت دعاة الحل الوطني على مواقفهم ولم يتأثروا برياح الفتنة التي تهب من هنا وهناك.
الميثاق| أين تضع التخادم الأمريكي الإيراني في مسار علاقة البلدين والتعاطي مع أزمات المنطقة؟
الضاري| أضعه في خانة مصالح الدول؛ فكل دولة تعمل على جلب المصالح واستغلال الظروف والمتغيرات والمعطيات لصالحها، وهذا ما تفعله أمريكا وإيران في المنطقة، وللأسف يقابله عدم اكتراث أو ردات فعل غير مجدية من قبل دولنا وأمتنا تجاه ما يجري من تخادم وكسب جبهات بين هاتين الدولتين اللتين على الرغم من الصراع بينهما في المنطقة؛ إلا أنهما تتفقان على أهداف مشتركة رئيسة فيما يتعلق بالموقف من دول المنطقة والأمة عامة؛ فهما تريان في دول المنطقة: عدوًا ومغنمًا في الآن نفسه، وتسعيان بقوة لتحييد مكامن قوتنا واستغلال مكامن ضعفنا وثرواتنا وقدراتنا، مع زيادة أهداف عقدية طائفية خاصة لدى الطرف الإيراني يريد فرضها على السواد الأعظم من الأمة.
الميثاق| بماذا تفسر اتساع احتجاجات طلبة الجامعات الأمريكية والأوروبية ضد العدوان على غزة وارتداداتها على مستقبل الصراع رغم عناد ورفض إسرائيل؟
الضاري| هي ظاهرة مهمة آخذة بالاتساع والانتشار كمؤشر على قدرة الشعوب على التعاطي مع الوقائع بصدق وعدم التأثر بوسائل الإعلام المهيمنة، وأن إعادة ملفاتنا المهمة والملحة إلى الواجهة ممكن في ظل الهيمنة؛ إذا صدقت النيات، وبذلت الأعمال النافعة وقدمت التضحيات. وأن الأصل هو العمل، مع الأخذ بالاعتبار توفر ظروف أخرى من أبرزها استغلال المتغيرات الدولية والإقليمية، ومنها حالة النزاعات الدولية والخلافات السياسية، وما إلى ذلك.
الميثاق| هل تعتقد أن قرارات محكمة العدل الدولية بحق إسرائيل -رغم أنها جاءت متأخرة- هي فرصة ونافذة لنصرة قضية فلسطين وكشف الزيف الأمريكي؟
الضاري| الوصول متأخرًا هي سمة هذا الزمان ووصفه الغالب للأسف، ولا سيما في الجانب السياسي وفي سياق المواقف المبدئية، وقرار المحكمة أراه مكسبًا -معنويًا- يستحق الإشادة، وتطورًا مهمًا يسجل للقضية الفلسطينية، وتجديدًا لمرحلة قادمة من التعاطي العالمي الإيجابي مع القضية بعد سنوات طوال من التغييب واستعلاء الباطل الصهيوني.