حوار "صحيفة الميثاق" مع الأكاديمي والباحث الاستراتيجي الأستاذ "وليد الزبيدي"
الحوار:
الميثاق: محطات مضيئة في تاريخ ومسيرة المقاومة العراقية وثّقتها في كتاب (البركان قصة انطلاق المقاومة العراقية) أين تكمن أهمية هذه الوثيقة في تنوير الرأي العام لدور المقاومة في هزيمة الاحتلال الأميركي للعراق؟
الزبيدي: تميزت المقاومة العراقية عن سواها من تجارب المقاومة بمسألتين رئيسيتين:
الأولى: أنها انطلقت مسلحة في حين تبدأ جميع تجارب المقاومة بالعمل السياسي، ثم يتبلور العمل الميداني ويفرز شخصيات وعناوين تضع برامج للعمل المسلح، ثم يبدأ إعداد المقاتلين، وهذا يستغرق أشهرا وأحيانا سنوات، وفي التجربة العراقية لم ينتظر المقاومون العمل السياسي وشرعوا بالتعامل مع الغزاة المحتلين بلغة السلاح العنيف.
المسألة الثانية: أن المقاومة العراقية قد انطلقت بسرعة غير مسبوقة، فبعد دخول قوات الغزو الأمريكي بغداد في التاسع من نيسان 2003م، بدأت المقاومة في اليوم الثاني لدخول القوات الغازية، وعمليا في اليوم الأول للاحتلال وهذا ما تم شرحه بالتفصيل في كتاب (البركان)، و قد اعترف الجيش الأميركي بمقتل اثنين من قواته في بغداد في العاشر من نيسان 2003م، في حين حصل العكس تماما في تجارب المقاومة الأخرى، فعلى سبيل المثال، تم احتلال الجزائر من قبل القوات الفرنسية في الخامس من تموز العام 1830م، وتأخر انطلاق المقاومة بصورتها الفعلية المستمرة والفاعلة حتى الأول من تشرين ثاني – نوفمبر عام 1954م، ويذكر المؤرخون أن المقاومة الجزائرية تأخرت 124 عاما.
وبالنسبة للمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية، فقد وجه ديغول باسم (فرنسا الحرة) نداءه الشهير يوم 19-6-1940 من لندن ومن خلال إذاعة البي بي سي، ولم تُنفذ أيّ عملية ضد القوات الألمانية ما عدا حادثتين سُجلتا حيث تم قطع أسلاك الهاتف، وتأخرت هجمات المقاومة الفرنسية لمدة خمسة عشر شهرا تقريبا، قبل أن تشن هجماتها ضد الاحتلال الألماني، إذ تم الإعلان في ايلول-سبتمبر عام 1941م عن هجمات أثمرت عن مقتل عدد من الضباط الألمان.
وفي فلسطين تم الإعلان الرسمي عن احتلال فلسطين عام 1948م، إلا أن المقاومة الفلسطينية تأخر انطلاقها أكثر من ستة عشر عاما، ولم تتشكل جبهة التحرير الفلسطينية إلا بتاريخ (24/5/1964) حيث انعقد المؤتمر الشهير في مدينة القدس.
ولأن هيمنة القطب الأمريكي الواحد في حقبة الغزو والحرب على العراق وقوة الجيش الأمريكي فقد كان الاعتقاد السائد أن المقاومة في العراق قد تتأخر كثيرا قبل انطلاقها، لكن المقاومة العراقية فاجأت العدو والصديق بقوتها وسرعة انطلاقها، فأصبح من الواجب توثيق ذلك في سياق بحث علمي دقيق، لذا امضيت بحدود ثلاث سنوات في العمل المتواصل لإنجاز كتاب (البركان قصة انطلاق المقاومة العراقية) وصدر من مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت وهو من أهم المراكز ومعروف بمكانته ورصانته العلمية.
الميثاق: ما هي أبرز تلك المحطات ودورها في تجسيد الرفض الشعبي المقاوم لمشروع الاحتلال؟
الزبيدي: المحطات المشرقة في تاريخ المقاومة العراقية كثيرة جدا، وكانت عبارة عن إضاءات يومية، فالانطلاقة بعد يوم واحد من الاحتلال أمر مذهل، واعتراف قائد القوات الأمريكية في تموز عام 2003م بوصول عدد الهجمات على قواتهم إلى 22 هجوم في اليوم الواحد واعتراف نائب وزير الدفاع الأمريكي "بول وولفيتز" في تموز أيضا 3003م، بأن جنودهم يتعرضون لهجمات يومية، وبعد ذلك البيانات الأمريكية التي تعترف بالكثير من الهجمات وقبل ذلك ذاكرة الجنود والقادة الأمريكان والبريطانيين وغيرهم من قوات الاحتلال الدولية التي تسجل يوميا تلك الهجمات، والمهم في كل ذلك ذاكرة العراقيين التي تشاهد تلك الهجمات في العراق. وبدون شك كانت معركة الفلوجة الأولى في ربيع 2004م لمناسبة مرور عام على الغزو، حيث تمكن المقاومون من صد قوات الاحتلال ومنعهم من دخول المدينة وتكبيدهم خسائر جسيمة، وبعد ذلك معركة الفلوجة الثانية في خريف ذلك العام، التي ملأت قلوب المحتلين هلعا ورعبا ومعارك كثيرة جدا في الأعوام اللاحقة.
الميثاق: لماذا توصف المقاومة العراقية بأنها أسرع رد مقاوم للاحتلال الأجنبي في العالم؟
الزبيدي: شهد اليوم الأول للاحتلال مقتل اثنين من الجنود الأميركيين وجرح 13 آخرين – بحسب اعتراف قادة الجيش الأميركي، ووثقت ذلك صحيفة "يو أس تودي الأمريكية"، التي نشرت المعلومات التالية عن القتلى الأمريكيين، وبحسب تواريخ قتلهم على أيدي المقاومين في العراق، وهما Terry w hemigway) من ولاية willingbore.n.J. عمره 39 سنة وقُتل ببغداد يوم 10/4/2003م وهو من قوات النخبة في الجيش الأميركي المارينز)، والجندي الثاني الذي قتلته المقاومة في العراق في اليوم الأول للاحتلال أيضا 10-4-2003م هو (jeffery E. edward من مدينة OSSSIAN وهو من المارينز)، وقتلت المقاومة العراقية في اليوم الثاني من أيام الاحتلال الأميركي للعراق (11-4-2003) (Riayan A.TEJEDA من المارينز من مدينة نيويورك وعمره 26 سنة، وفي اليوم الثالث من الاحتلال أي 12-4-2003م قتل رجال المقاومة العراقية اثنين من المارينز هما JESUS A. GONZALEZ) كما قتلت المقاومة العراقيةDAIVED EDWARD OWENS عمره 20 سنة من المارينز أيضا، وبينما سقط قتيل أميركي بحسب اعتراف الجيش الأميركي يوم (13-4-2003) فإن اليوم الخامس من الاحتلال، سجل رقما عاليا بين قتلى قوات الاحتلال الأمريكية، إذ اعترف الجيش الأمريكي بمقتل ستة جنود اثنين من المارينز وأربعه من الجيش.
الميثاق: كيف تقرأ رؤية الدكتور مثنى حارث الضاري حول تاريخ المقاومة العراقية ومحاولات النيل منها وسرقة انتصاراتها على المحتل؟
الزبيدي: تابعت المقابلة في قناة الرافدين المنبر الإعلامي المقاوم الحقيقي الوحيد في العراق، وقد سلط الدكتور مثنى الأضواء على محطات مشرقة في تاريخ المقاومة العراقية، وبالمناسبة دكتور مثنى الضاري من المتابعين المختصين القلائل لخطوات المقاومة العراقية ويعرف تفاصيل نبض هذا العمل البطولي الكبير في تاريخ العراق، وعندما يشخص الحقائق ويتحدث بها فإن أحدا لا يستطيع أن يجادله في هذه القضية، وتعود متابعة دكتور مثنى واهتماماته بالمقاومة إلى الأيام الأولى لانطلاقة المقاومة العراقية، كما أنه من أبرز الباحثين المتخصصين بها، لذا فإن تقييمه للجهات والأطراف المقاومة يستند إلى الدقة العالية في المعلومة الميدانية والمتابعة المتواصلة، وكما أشار في سياق حديثه، فأنه يمتلك كمًا هائلا من التفاصيل والمعلومات التي تعزز وتؤكد طروحاته وتفند بالدقة المتناهية أي جهة أو طرف تحاول اللعب على مصطلح المقاومة وارتداء هذا الشرف العظيم زورا وبهتانا، و بهذه المناسبة أتمنى أن يعرف الجميع أدوارهم وأفعالهم وممارساتهم؛ لأنّ كل شيء معروف وواضح ومعلوم، ولا بد من التأكيد على أن الشعب العراقي يعرف المقاومين، ومثل ذلك تعرف قوات الاحتلال الأمريكية الذين قاوموهم وهزموهم، ويمكن خلط الأوراق في الكثير من الأمور إلا الفعل المقاوم فهو بين وواضح وضوح الشمس.
الميثاق: حاول حسن نصر الله قلب الحقائق بزعمه أن لقاسم سليماني دور في مسار المقاومة العراقية؟ ماهو ردكم؟
الزبيدي: يمكن قراءة ما ذكره السيد حسن نصر الله بخصوص طلب الأمريكان من الجنرال قاسم سليماني المساعدة في عدم تعرض القوات الأميركية لهجمات من قبل المقاومة العراقية من الزاوية الدقيقة وذلك في سياق الأحداث التي حصلت ووفق تطوراتها، وأنا شخصيًا لا أستبعد ذلك، أي مثل هذا الطلب سواء من سليماني أو من جميع أقطاب الحكومة والعملية السياسية، والجميع يعرفون سطوة سليماني على جميع المسؤولين والأجهزة الأمنية والميليشيات في العراق، وسواء طلبت الإدارة الأميركية أو لم تطلب، فإن الذي حصل يمكن اختصاره بالآتي:
بعد توقيع الاتفاقية الأمنية بين الحكومة العراقية والأمريكان في 27-11-2008م، وقد كانت مطلبا أميركيا بسبب الخسائر الفادحة التي أوقعتها المقاومة العراقية في تلك القوات، فقد شرعت القوات الأميركية مطلع العام 2009م بالانسحاب من المدن والاختباء في القواعد شديدة التحصين، وقبل وأثناء الانسحاب إلى القواعد نفذت حكومة المالكي ومعها جميع الأجهزة الأمنية حملات دهم واعتقالات واسعة شملت مناطق يقع وصفها تحت مسمى " المناطق الساخنة" التي تقاوم قوات الاحتلال ، والغرض من ذلك حماية القوات الأميركية وتقليل هجمات المقاومين، ومنذ بداية العام 2011م، وهو عام انسحاب القوات الأميركية انتشرت القوات الحكومية تساندها جميع المليشيات في المناطق التي تتواجد فيها القوات الأميركية، وتم وضع خطة حماية الطرقات على شكل أطواق أمنية، وصاحب ذلك عمليات دهم واعتقالات واسعة في المناطق "الساخنة"، وانسحبت القوات المحتلة باتجاه البصرة وصولا إلى الكويت وحتى انتهاء عمليات الانسحاب أواخر كانون أول 2011م لم تتعرض تلك الأرتال لأي هجوم، وهذا يعني أن أوامر الجنرال سليماني قد تم تنفيذها بالدقة المتناهية من قبل حكومة المالكي وبدعم من الميليشيات و أطراف العملية السياسية والتي تضمن الحماية التامة لقوات الاحتلال.
فإذًا كان هذا هو الأمر الذي تواصل الأمريكان بخصوصه مع سليماني، فهذا يدلل على الدور الحكومي والإيراني في الضغط على المقاومة العراقية واعتقال وتعذيب كل من يشتبه بتعاطفه مع المقاومين وهناك مئات الآلاف من الوقائع والقصص التي تؤكد وتثبت ذلك.
ولا نكشف سرا إذا قلنا إن الإدارة الأمريكية قد طلبت من دول عربية للتوسط لدى من يعتقدون أنه يؤثر على المقاومين العراقيين للتخفيف من ضرباتهم على القوات الأميركية، وحصل ذلك مع أكثر من شخصية عراقية وطنية معروفة وفي أكثر من دولة عربية، لكن كان الرد حاسما وقويا وصريحا، أن لا خيار أمام قوات الاحتلال إلا الخروج صاغرة مهزومة.