الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار صحيفة الميثاق مع الأستاذ سالم كاكو

حوار الميثاق مع الأستاذ سالم كاكو

(السياسي العراقي المستقل)

الميثاق| فضيحة تسريبات نوري المالكي؛ أظهرت المنحى الخطير في المنهج الإجرامي في رؤيته لمسار الأحداث بالعراق؛ كيف تقرأ ذلك؟

كاكو| التسريبات الخطيرة التي نسبت للمالكي الذي حكم العراق لمدة ثماني سنوات تكشف حقيقة طالما لمسها الشعب العراقي وعانا منها وهي أن مستقبل المواطن العراقي وحياته واستقراره وأمنه مرهونة بتحقيق مصالح شخصية ضيقة لفلان أو علان الذي يمتلك السلطة والنفوذ والقرار في تمرير ما يريده هذا المسؤول أو ذاك، وهم يستخدمون كل الوسائل من أجل استمرارهم في السلطة بعيدا عن مصلحة الوطن والمواطن، ولذلك هم لا يعطون أي قيمة أو معنى لا للوطن ولا للمواطن، وإنما غايتهم وهدفهم هو تحقيق مصلحة الحاكم، وحتى المصلحته الحزبية أو الجهة التي يتزعمها هذا أو ذاك لم يعد لها أهمية وإنما أصبح الحال أن الجميع يجب عليه أن يخدم شخصا بعينه؛ ولذلك لم يبق شيئ اسمه حزب أو حركة أو تيار أو جماعة تعمل عمل جماعي لتحقيق أهداف الحزب الوطنية؛ وهذا بحد ذاته يظهر الفشل الذريع والكبير الذي وصل إليه الحال في العراق من خلال المنظومة السياسية التي حكمت ما يقرب من عقدين من الزمن جرت البلاد إلى الهاوية وخلفت مآسي وآلام كبيرة لدى الشعب العراقي.

الميثاق| أين يمكن وضع اعترافات المالكي الخارجة عن القانون في تعاطيه مع حلفائه وخصومه؛ وكيف ترى توقيت التسريبات وانعكاسها على مجمل الأوضاع بالعراق؟

كاكو| ما يجري في العراق والعملية السياسية الحالية من غرائب وعجائب فاقت كل التصورات؛ لأن أي عملية سياسية فيها أحزاب متعددة ومتنافسة من البديهي أن يكون هناك فائز وخاسر هناك حزب أو تحالف يحكم وحزاب أو تحالف يعارض، ومن هنا يحكم الشعب على فشل هذا التحالف أو ذاك، فإذا ما جاءت انتخابات أخرى سيتجه الناخب بطبيعة الحال إلى الحزب أو التحالف الآخر عسى أن يحقق تطلعاته؛ ولكن ما يحصل في العراق ليس كذلك، فلا توجد أحزاب سياسية بالمعنى السياسي، وإنما الموجود شركات اقتصادية دخلت على أنها أحزاب سياسية ثم تحولت إلى شركات اقتصادية، والكل حلفاء والكل خصوم في نفس الوقت، ولا يوجد فائز وخاسر ولا يوجد حزب حاكم وآخر معارض؛ فلا يهمهم التصريحات والتسريبات ومعظمهم من هذه الشاكلة، وأقصى وأسوء الفضائح لا تؤثر عليهم؛ لأن الإفلات من العقاب منهج واضح في ظل النظام السياسي القائم؛ لأن هناك من في السلطة سيقوم بالدفاع عنهم وعن جرائمهم؛ لأن من في السلطة مدين لهم؛ فهم من جاؤوا به وقدموا له من الأموال والمناصب المتآتية من بيع الوطن ومقدراته.

الميثاق| كشفت تسريبات المالكي اعترافا صريحا بتبعيته لإيران ومشروعها الطائفي في العراق؛ كيف تقرأ؟

كاكو| إن ما يدعو إلى الأسى والأسف أن ممارسة العمل السياسي في العراق لا تخدم مصلحة الوطن والمواطن، فقد تحول كليًا من أسسه المبنية على القيم والمبادئ الوطنية الهادفة للوصول إلى السلطة وتقديم التضحيات والمنافسة الكبيرة في المعمل لتقديم الخدمات للشعب العراقي وتحقيق الرفاهية له؛ إلى أن تكون المنافسة في تقديم أكبر قدر من التنازلات للجهات الخارجية الدولية التي تدعم هذا الحزب أو ذاك، حتى أصبح عدم الارتباط بأجهزة الدول موضع فخر وقوة عند البعض، وعدم التبعية للخارج يعتبر عيبًا في العمل السياسي عندهم! من أجل ضمان استمرار هذا أو ذاك في موقعه في الحزب والامتيازات التي حصل عليها؛ وكل ذلك على حساب الشعب العراقي، بل حتى وصف الشهيد والتضحية بالنفس أصبحت حكرًا على من قتل ليس من أجل الوطن والمواطن ومصلحتهما، بل أصبحت من أجل استمراره في السلطة؛ أما عامة الشعب فيرزخون تحت معاناة مستمرة حتى أصبح المجتمع العراقي متوزع على أوصاف مثل شهيد وأسير ويتيم وأرملة ومشرد ونازح ومهجر؛ أوصاف تكشف عن حجم المعاناة التي يعاني منها العراقيون وفي المقابل أحزاب وشركات اقتصادية تنهب وتسرق ثروات العراق وتسعى في تدميره.

الميثاق| ما هو المطلوب وطنيًا لاستئصال المنهج الطائفي في موقف وفكر المالكي وأحزاب السلطة الحاكمة؟

كاكو| للأسف فرضت علينا الطائفية البغيضة أن يضطر أحدنا لذكر مكونه أو طائفته، حتى أنني اضطر أن أصرح بأنني من المكون المسيحي وهذا مؤسف جدًا، لأننا بذلك نخرج عن الهوية العراقية الوطنية التي تجمع الجميع تحت مظلة العراق. ولكن أحب أن أؤكد أن الطائفية مستوردة علينا وقد دمرت روابط الشعب العراقي، وتسببت بتدمير العراق الذي عجز الحصار والأمراض والأوبئة أن تدمره، وهذه الطائفية ترسخت للأسف في كل مؤسسات الدولة ومرافئها، ولذلك ليس أمام الشعب إلا المصالحة الوطنية الحقيقية بين أبناء الشعب العراقي والعمل على تحقيق المواطنة لكل العراقيين، لكي يتساوى العراقيون جميعًا بالحقوق والواجبات، بدل السير نحو الطائفية التي أكلت الأخضر واليابس.

الميثاق| أدى احتلال العراق إلى تقطيع أوصال المكونات العراقية ولاسيما أوضاع المسيحيين ومستقبلهم في العراق؛ كيف تنظر لهذا الاستهداف؟

كاكو| نعم هذه إحدى مساوئ النظام السياسي بعد الاحتلال هناك منهج مستمر في التهميش والإقصاء وقد عانينا من ذلك نحن كمسيحيين وكمكون تركماني أيضًا، دائمًا نصبح ضحية للصفقات السياسية بين الكتل السياسية الكبيرة وندفع ضريبتها وندفع ثمنها، كون هذه الكتلة أو تلك لا تقوم بواجبها إزاء الكتل الصغيرة؛ فهي تبحث عن مصالحها الشخصية الضيقة على حساب مصالح الشعب العراقي ومكوناته الوطنية الأصيلة.

الميثاق| وأين تكمن خطورة استهداف المسيحيين وتهجرهم والاستيلاء على ممتلكاتهم؟

كاكو| المسيحيون في العراق تعرضوا إلى حملة استهداف ممنهجة مع أنهم عراقيون ولدوا ونشأوا وترعرعوا على أرض الرافدين وقد أصابهم ما أصاب باقي مكونات الشعب العراقي من ظلم وانتهاكات مستمرة في ظل النظام السياسي القائم، فاستهدفت كنائسهم وهجروا من بيوتهم بالتهديدات المستمرة بالقتل والاختطاف، وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم وبيوتهم في بغداد وباقي المحافظات الأخرى؛ لأن المنهج والفكر المتبع هو النهج الطائفي والإقصائي، يضاف إلى ذلك أنهم الحلقة الأضعف ولكونهم يتصفون بالسلمية أكثر من غيرهم، وهم مشتركون دينيًا مع الأمريكان والإنجليز الذين لا دين لهم غير مصالحهم.

الميثاق| هناك أكثر من ثلاثة آلاف عقار مغتصب من أبناء بغداد الأصليين من المسيحيين؛ من يقف وراءها وهل حاسب القضاء بيع وتزوير سندات منازل المسيحيين وحاسب المسؤولين عن هذه الجريمة؟

كاكو| نعم اغتصاب عقارات العراقيين المسيحيين هي جريمة كبيرة ولها تداعيات وخيمة على مستقبل العراق، واغتصاب هذه الأملاك كان بإشراف حزبي وحكومي على أعلى المستويات ومازالت مستمرة من خلال تزوير وثائق العقارات ومالكيها لما تملكه هذه الجهات من نفوذ وسلطة تمنحها التلاعب بالوثائق وتزويرها؛ بل وصل بهم الحال والإجرام إلى أنهم يصدرون مذكرات توقيف وقبض بحق المالك الأصلي من المكون المسيحي واعتباره هو المزور وهو المغتصب لبيته على مدار حياته وعمره الذي عاشه في العراق، فاستطاعوا أن يجرموا صاحب الحق ويطالبون بإلقاء القبض على بعضهم من أصحاب العقارات الذين هم خارج العراق حتى لا يسمحوا لهم بالعودة إلى العراق أصلا فهم بذلك مهجرون قسرا؛ وللأسف بعض ممثلي المكون في البرلمان والحكومة كانوا عرابين ودلالين لهذه الجهات المغتصبة.

الميثاق| إذن ما المطلوب لوقف هذا الاستهداف وسط عجز السلطة الحاكمة عن حماية المكونات العراقية من سطوة وتغول القوى التي تسعى لتقطيع أوصال المجتمع؟

كاكو| الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال هي أصلا عاجزة عن حماية نفسها ومؤسساتها وقد شاهدنا مواقف كثيرة تثبت ما أقول فلا أريد أن أخوض بها كثيرًا؛ فإذا كانت هي كذلك فكيف ستحمي المكونات العراقية من أبناء الشعب العراقي مع أن أهم واجب عليها حمايتهم وتوفير احتياجاتهم؛ لكنها منشغلة بواجبها الذي تعتبره أساسي وهو حماية مصالح الجهة أو الدولة المساندة لها خارج الحدود التي ساهمت في تنصيبها من أجل ضمان استمرارها في السلطة.

الميثاق| أوضاع النازحين مأساوية ولاسيما في ظل ارتفاع درجات الحرارة أين تضع أزمتهم هل هو تقصير حكومي أم استهداف ممنهج؟

كاكو| النازحون والمشردون عن مدنهم وممتلكاتهم وأرضهم في العراق الجهات التي شردتهم واغتصبت أرضهم معلومة ومعروفة للجميع على مستوى الشعب والداخل وحتى دوليًا، والحكومة تعلم بذلك جيدًا بل ولا تستطيع أن تدخل بعض هذه المناطق التي تسيطر عليها وتغتصبها الجماعات المسلحة، وهذا يدل بوضوح إلى أن السلطات الحكومية ليس لها سلطة أو قرار على الجهات التي شردت هذه العائلات العراقية.

الميثاق| المنظمات الأجنبية تستبح الأراضي العراقية؛ وتسببت بتدخل دول الجوار؛ فهل يمكن خروج منظمة (PKK) من سنجار؛ ومن يقف وراء دعمها ماليًا وعسكريًا؟

كاكو| وجود الـ pkk في الأراضي العراقي هو جزء مما يدور في البلد كله؛ يراد للعراق أن تكون فيه قوات مسلحة وسلطة قوية مقابل ما تسمى قوة وهيبة وسيادة الدولة؛ لاستخدامها وقت ما يشاؤون وكيف ما تتطلب مصالح تلك الجهات التابعة لدول أخرى. فالعراق بوضعه الحالي غير المستقر ولا يمكن أن يستقر إلا باستلام السلطة من قبل أناس وطنيين، وهذا أيضا غير ممكن؛ ولذلم فمازال البلد فاقدا للسيادة عمليا وسيستمر الأمر على هذا الحال.

الميثاق| ما هو رأيكم في الوضع العراقي الحالي وما هي رؤيتكم في الخروج من هذه المحنة؟

كاكو| الشعب العراقي وصل إلى قناعة كاملة بأن الأحزاب الحالية فشلت في إدارة الحكم في العراق؛ ومن مصلحة دول الجوار تحديدا والمتدخلة في شؤون العراق خاصة أمريكا وإيران أن تكون هناك حكومة عراقية غير تابعة وخاضعة لأي قرار خارجي؛ ولها قرارها المستقلة وفق مصالح العراق وشعبه، وتربطها علاقات دولية قوية مبنية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة؛ لأنه مهما فعلوا وحاولا محو العراق فلن يتمكنوا من ذلك ولا يمكن إلغاء بلد اسمه العراق له تاريخه وحضاراته التي ساهمت في تعليم البشرية وتقدمها الحضاري.

ولذلك أنا أدعو الخيرين من أبناء الوطن والغيورين منهم إلى أن ينسوا الثأر والانتقام والحقد الذي زرعته أحزاب السلطة الحاكمة بين مكونات الشعب العراقي، والسير نحو خلق جو من التسامح وقبول الآخر وتطبيع العلاقات بين المكونات التي هي غير مسؤولة عما جرى لجميعها ثم الدعوة من الطرف الأقوى أكثر قبولا لدى الشعب لمؤتمر مصالحة شامل للوصول إلى بداية جيدة تؤدي بالبلد إلى بر الأمان، وإن كان الأمر في غاية الصعوبة والتعقيد لمعوقاته الكبيرة إلا أنه لا مفر من ذلك.

الميثاق| أنصار التيار الصدري يقتحمون البرلمان والمنطقة الخضراء ويحاصرون مبنى القضاء؛ ماهي الرسائل وما هي قراءتكم للتصعيد الحالي بين الإطار والتيار ومستقبل العملية السياسية؟

كاكو| بعد فشل الأحزاب الشيعية في إدارة العراق، وترسيخ مبادئ المحاصصة الطائفية الدينية والقومية والحزبية التي نخرت كل مفاصل الدولة ومؤسساتها بالإضافة إلى تفشي الفساد فيها وارتفاع البطالة والجوع بين أوساط الشعب العراقي ظهرت ضمن الوضع السياسي العراقي تيار شعبي شيعي عراقي قوى لا يقبل بحكم الأحزاب الشيعية المرتبطة لإيران المتمثلة بالإطار التنسيقي مع بدء المظاهرات التشرينية متناغمة مع ممارسات الصدريين فالتقت مع التوجهات الوطنية العراقية وخاصة في المكون الشيعي.

والمظاهرات الأخيرة وجهت رسالة واضحة للعالم وخاصة لإيران بعدم مقبولية الأحزاب المرتبطة بها وولادة هذا التيار يتجه باتجاه ظهور إدارة عراقية وطنية جديدة لاستلام الحكم في العراق وتربطها علاقات مبنية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بالعالم وتحديدا دول الجوار خاصة إيران وتركيا ويمكن عدم نجاحها بمرحلة واحدة إلا أنها في النهاية سيتعافى العراق من إصابته البليغة، أما مستقبل الأحزاب الحاكمة والذين أساؤوا للبلد يحدده المستقبل القريب حسب القوانين.

اما الإطاريون سيقبلون بذلك؟ أم يجبرون على ذلك؟ أو قد يلجؤون إلى المواجه المسلحة التي تؤدي إلى نشوب حرب أهلية يذهب ضحيتها الكثير من المواطنون وخاصة الأبرياء..

مقالات متعلقة