الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار صحيفة الميثاق مع الأستاذ حسين دلّي (المتحدث باسم مرصد أفاد الحقوقي)

حوار الميثاق مع الأستاذ حسين دلّي (المتحدث باسم مرصد أفاد الحقوقي)

الميثاق| توقعنا أن تكون نتائج الانتخابات وصفة للفوضى وصراع بين أحزاب السلطة، إلى أين يتجه العراق؟

دلّي| أعتقد أن الحكم على وجهة العراق في الفترة المقبلة يبدو متعسرًا أو ضبابيًا بالنظر إلى عدم حسم الأمور داخل منظومة الحكم التي تسير في ظلها الكتل الحزبية والميليشياوية الحالية، في ظل انتخابات قاطعها أغلب العراقيين، ونتائج غير حاسمة كالعادة، رغم سعي بعض الكتل للبناء على النتائج في تصفية الحسابات السابقة، آخذة بالاعتبار الصراع الحزبي الذي خلّفته السياسات السابقة والفوضى التي رزح تحت نيرانها العراقيون نحو 19 عامًا، وسط تدخلٍ إقليمي واضح خصوصًا من إيران، وتنصلٍ دولي عن تعديل المسار المعوج لمنظومة الحكم؛ وبالتالي فإن قراءة الأوضاع المستقبلية تبدو مهمة ليست باليسيرة إزاء تقلبات الأوضاع الدولية والإقليمية التي تلقي بظلالها على بلد ضعيف القرارات ولا يستطيع بسط سيادته على الداخل العراقي، وهو بذات الوقت يفتقر لقيادة حكيمة أو قوية تستطيع تنفيذ تعهداتها.

الميثاق| كراصد لمسار الأحداث كيف تفسر هزيمة حلفاء إيران بالانتخابات؟ ولماذا؟

دلّي| لا شك أن إيران لديها حلفاء متعددون ومتنوعون في الساحة العراقية بالترغيب والترهيب؛ لكن النفوذ السابق بدأ بالتخلخل خصوصا بعد ثورة تشرين 2019-2020 التي غيرت المزاج العراقي، وفتحت الباب أمام إزالة القدسية التي سعت لها الكتل والميليشيات المرتبطة عضويا بإيران عقب إفرازات الحرب على تنظيم "داعش" والتي جيرتها فصائل الحشد الشعبي لمصلحتها، وساهمت في ذلك سياسة الإقصاء والتهميش والطائفية، وفرض أفكار دخيلة من خلال تطويع فتاوى المرجعية الشيعية لمصالح حزبية، متبوعة بالتدخلات على الأرض في مناطق عدة، في ظل سلاح منفلت واغتيالات حزبية متبادلة، وسعي لاغتنام الترهل الحكومي وملء النفوذ في المساحات الرخوة، خصوصا في الجوانب الاقتصادية والصفقات التجارية، ومحاولة تجيير ما تسميه فصائل الحشد تضحيات تلك الحرب لنفوذ سياسي وتغيير ديموغرافي وتضخم مالي.

وساقت كل تلك المظاهر الفوضوية مجتمعة إلى نفرة شعبية وتبرم اجتماعي وحدّة في الصراع الحزبي حتى داخل الجسم الميليشياوي للحشد الشعبي، ناهيك عن المناخ التنافسي مع سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر التي تسيطر على مناطق أخرى تعيث فيها فسادا تحت ذريعة حماية المذهب مثل سامراء، وهو ما انعكس بالضرورة على نتائج الانتخابات بهزيمة سياسية عدّها بعض المحللين تصويتا على دعاوى حل الحشد؛ لكن هذه القضية مرفوضة من قبل الفصائل الميليشياوية التي باتت تتربح اقتصاديا من سمعتها السابقة ونفوذها الواسع، وأبرز حقيقة ما يقال عن أن فكرة تشكيلة الحشد في العراق كانت لدعم مشروع إيران الإقليمي على غرار الوكلاء الآخرين في لبنان وسوريا واليمن لمخططات ولاية الفقيه.

على أن الحكم النهائي لمصير الحشد وسلاحه داخل ما يسمى بالإطار التنسيقي بتشكيلاته المختلفة تنتظر مشاورات وضغوطات لممثل إيران إسماعيل قآاني على التيار الصدري، فمقتدى الصدر يحاول جاهدا استبعاد منافسه نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق، وهو أمر ترفضه ميليشيا الحشد التي تمارس بدورها تهديدات أمنية وسياسية ضد التحالف السني الذي يقوده محمد الحلبوسي وخميس الخنجر والحزب الديمقراطي الكردي بزعامة البرزاني، دون إغفال الصراع الكردي بين أربيل والسليمانية على كرسي الرئاسة مع استحضار حقيقة أن التصويت على مناصب الرئاسات الثلاث يحتاج لأغلبية الثلثين خصوصا انتخاب الرئيس وهو ما قد يدفع لتنازلات سياسية ربما تنسف الاصطفافات الحالية.

الميثاق| أين تضع دعوات تعديل الدستور في هذا الوقت على الرغم من أن أحزاب السلطة هي من صاغته على مقاسها ومصالحها؟

دلّي| قضية الدستور وتعديلاته إحدى الألغام التي زرعت في جسم العملية السياسية منذ 2005. ولم تنجح كل محاولات تغييره أو إحداث تعديلات فيه لأن الدستور بشكله الحالي كان يخدم أحزاب المكون الشيعي ثم الكردي في ظل التسويات السياسية السابقة التي كانت إيران وأمريكا تتفق عليها لإضعاف المكون السني، ولذا ظل صوت التعديلات خافتا سياسيا تخفيه نغمة التجاهل، حتى تضخمت أورام الدستور وبانت تقيحات بنوده واختلافات تفسيراته وانسداد آفاقه القانونية وعدم وضوحها، وهنا عادت نغمة التعديلات للبروز.

الإشكالية تكمن في أن الجسم القضائي الدستوري في العراق متهم بالتحيز، كما أن اختيارات أفراده لا تتم وفق معايير الخبرة بل عبر العلاقات السياسية والمحاصصة المكوناتية، وهو ما يلقى بظلاله القاتمة على ما يصدر من الجهات التي كتبت الدستور أولا أو التي قد يناط بها إجراء التعديلات المزعومة.

الميثاق| بعد رفض ما يسمى بالمحكمة الاتحادية قانون النفط والغاز، ماهي انعكاسات ذلك على مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل؟

دلّي| قانون النفط والغاز لم يعد بشكل قانوني اقتصادي يخدم السيادة العراقية، بل تمت صياغته ببنود فضفاضة تتيح التملص منها، وهو أمر جيرته بعض الأحزاب لمصلحتها وخصوصا إدارة إقليم كردستان العراق، ومما ساعد على ذلك الفساد وجود فساد أكبر، شاب عمليات الاستخراج والتصدير وعمليات المناقصات العلنية على الاكتشافات النفطية والغازية واستثمارها من الشركات الدولية في محافظات جنوب العراق، ويعتقد كثيرون أن أي تعديل عليه سيخدم الأحزاب المسيطرة على قبة البرلمان الحالية.

الميثاق| كيف ترى موقف الميثاق الوطني العراقي الذي يضم قوى وازنة بالمشهد السياسي لمواجهة تداعيات مشروع الاحتلال وعمليته السياسية؟

دلّي| الميثاق الوطني العراقي تشكيل سياسي محترم في جبهة المناهضة للعملية السياسية والمحاصصة الفاسدة ومنظومة الحكم صنيعة الاحتلالين الإيراني والأمريكي، ونحيي جهودهم بالتعاون مع الجهات الأخرى لرفع الصوت عاليا بما يعكس مواقف شريحة واسعة من العراقيين رفضت وما تزال إفرازات منظومة الحكم التي هيمنت على مقدرات العراقيين وأهدرت مئات المليارات من ثرواته على مصالح شخصية وخدمة لمشروع إيران الإقليمي بشكل مفضوح، ونثني على حملته في دعم النازحين والمهجرين التي أطلقها بالتزامن مع دعوات واسعة لإنهاء معاناة هذه الفئات المسحوقة المحرومة من حقوق أساسية مثل باقي البشر في العيش بمنازلهم ونيل استحقاقهم أسوة ببقية العراقيين. ونحن نشد على أيدي الجميع في الداخل والخارج لمواصلة الضغوط والتحشيد لإحداث التغييرات المطلوبة في بلد يئن من الجراحات والإهمال رغم كل المقدرات البشرية والاقتصادية التي يزخر بها.

الميثاق| انت متحدث باسم مرصد أفاد الحقوقي كيف تتعاملون مع انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الأجهزة الحكومية وأحزاب السلطة لاسيما في السجون والمعتقلات؟

دلّي| في البداية أود التأكيد على إن دور "مرصد أفاد" يكمل أدوار جهات أخرى تنشط منذ سنوات في جبهة التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان في العراق، ونعتقد أن حجم الممارسات الشاذة والانتهاكات الواسعة في العراق يحتاج نشاطا متواصلا وتكاتفا وتنسيقا بين المنظمات الداخلية والإقليمية وحتى الدولية، لتشكيل تيار ضاغط يدفع الحكومة الحالية لمراجعة نهجها الذي ورثته من الحكومات السابقة سيئة الصيت، بتجاهل معاناة فئات عدة تواجه تعسفًا وإيذاءً وتقصيرًا وابتزازًا وتجاوزًا على حقوقها الأساسية، في عيش كريم وعدالة ومساواة وأمان وتقدير، في بلد يتكئ على مقدرات كبيرة وثروات متنوعة وكوادر بشرية عالية المستوى، لكنها رغم ذلك تواجه إدارات فاشلة وسياسات متحيزة.

إن قضية السجون وانتهاك حقوق السجناء وابتزاز ذويهم لا تنفك عن معضلات حقوقية أخرى شكلت غيومًا سوداء في سماء العراقيين مثل قضايا النزوح والتهجير والاغتيالات وتكميم الأفواه والفقر وانعدام الرعاية الصحية والاجتماعية والفساد المالي والتعدي على أملاك الدولة، وبالنسبة لنا كمرصد "أفاد" نحاول تغطية ما يمكننا الوصول إليه منها والتواصل مع بعض الأشخاص داخلها، أو ممن يتعرضون لهذه السلوكيات المحرمة دوليًا وعرض شهاداتهم بألسنتهم ومناشداتهم للجهات المسؤولة، وترك الفرصة للجهات الحكومية والقضائية لمراقبة الظواهر المسيئة وتعديل النهج اللاإنساني ومتابعة المتورطين ومعاقبتهم، فضلًا عن محاولة تغيير انطباع الناس عن بعض الفئات ووصمهم بصفات سيئة مثل أن أغلب السجناء مدانون أو أن معظم النازحين والمهجرين لهم صلات بجهات إرهابية خارجة على القانون، فمثل هذه التعميمات وسط حجم التشويه الهائل لهم من جهات طائفية وميليشياوية، وصمت مجتمعات ومناطق معينة بصفات سيئة تسهل استهدافها. وقد أطلقنا عدة حملات ونشرنا عدة بيانات عن أحوال السجناء وما يتعرضون له من تعذيب وإهمال واستهداف وابتزاز واستهداف وصل حد القتل، وفضحنا بالأدلة ممارسات شاذة ترتكب في معظم السجون وخصوصا التاجي والحوت.

الميثاق| كيف تفسر حملة تهجير أهالي قرى (مكحول) وأين تضع مسارها لاسيما انها جرت من منطلق طائفي؟

دلّي| بالنسبة لقضية تهجير قرى مكحول، وكما ذكرنا في بيان "مرصد أفاد" فإن القرار كان موقفا ارتجاليا فرديا من قائد عمليات صلاح الدين اللواء عبد المحسن حاتم، بدون أي غطاء دستوري أو قضائي، وهذا أدى إلى تشريد سكان ست قرى عراقية، وحرمان أكثر من 380 طالبا وطالبة ضمن المرحلتين الابتدائية والمتوسطة من مواصلة عامهم الدراسي، إضافة إلى خسائر بالمواشي والمحاصيل الزراعية دون توفير بديل حقيقي لهم.

إن تزايد حالات القرارات الارتجالية لقادة الجيش والشرطة وزعماء فصائل وميليشيات مسلحة، دون وجود غطاء قانوني أو أمر قضائي، يشكل علامة فارقة في العام 2022 بعد تسجيل قرارات مماثلة في منطقة الرمانة ومجمع الفوسفات في ناحية القائم غربي العراق، كما سجل الأمر ذاته في منطقة القناطر شمال غربي بلدة الكرمة، مثلها في مناطق قرب بحيرة الثرثار وذراع دجلة، وتم تسجيل ترحيل نحو 20 أسرة من سكان قرية حدودية من (آل ثابت شمر) التابعة لقضاء البعاج غربي الموصل على الحدود مع سوريا، ناهيك عن تهجير ميليشيات مسلحة لـ 541 عائلة من أهالي قرى نهر الإمام والميثاق في المقدادية شمال شرقي ديالى أمام أنظار القوات الحكومية.

إن هذا الإخفاق الحكومي خاصة لوزارة الهجرة والحكومة في العراق في تأدية واجبها إزاء موجات النزوح والتهجير الكبيرة، قد زاد من مأساة السكان وفسح المجال لاتهام الحكومة وقواتها الأمنية بفتح جرح جديد قديم عنوانه التغيير الديمغرافي.

إن هذا النهج يستحق بالفعل وضعه تحت لافتة الخوف والتجويع والتشريد اللاتي باتت سمة تصبغ عهد رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي والأحزاب الداعمة لسياساته.

مقالات متعلقة