الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار الميثاق مع عميد الأسرى العراقيين الأستاذ نزار السامرائي

نص الحوار:

الميثاق| بعد مرور 19 عاما على غزو العراق واحتلاله ما هو السبيل لمواجهة تداعيات الاحتلال؟

السامرائي| لا يمكن وضع معادلة رياضية سهلة للإجابة عن هذا السؤال الكبير والمعقد، لأن وضع العراق متشابك الخيوط والعروق، وفي تقديري أن تحرير العراق أصعب بكثير من معركة تحرير الجزائر من احتلال فرنسي استمر 130 سنة، بل وحتى أصعب من تحرير فيتنام من الاحتلال الأمريكي، هنا أستدرك فأقول إنني لا أريد أن أزرع اليأس في النفوس.

إن أخطر الاحتلالات هي تلك التي تعتمد أدوات محلية أكثر حرصا وتفانياً في خدمة مشروع الاحتلال من المحتلين أنفسهم، بعد أن تظافرت جهود أعداء الخارج مع ما يسمى بمعارضي الداخل، في نسج خيط أخطر مؤامرة يتعرض لها بلد من بلدان العالم، عندما تتحول خيانة الوطن إلى اجتهاد سياسي ووجهة نظر لا غبار عليها، ولا يشعر متآمرو الداخل بأي قدر من الخزي من تحولهم إلى أدوات طيعة تلهث وراء جحافل الغزو، وتساعده على تأشير الأهداف التي يجب قصفها من جانب طائرات العدو، وعندما تتحرك الآلاف من النفوس المريضة لتخريب ما بقي من منشآت ومراكز صناعية وعلمية وطبية، فإن هذا سيوفر أرضية كاملة لإغراء الأعداء بالبقاء اعتمادا على أدوات محلية، من المؤكد أن معظم أطراف ما يسمى بالعملية السياسية الراهنة في العراق، هم متعاونون مع الولايات المتحدة وبريطانيا وأجهزة مخابرات عدة، أو من العناصر التي تم تجنيدها في الحرس الثوري الإيراني لمقاتلة العراق في حرب الثماني سنوات، لذلك لا أتوقع أن يتحرر أولئك من ارتباطاتهم السابقة ويعودوا إلى أحضان الوطن.

لا أظن أن أحدا قادر على إغفال الفتاوى بعد قتال قوات الغزو التي أصدرها بعض رجال الدين، أو اصطفاف شيوخ بعض العشائر الذين خسروا بعض مكاسبهم ونفوذهم بعد نشر الوعي السياسي والتعليم خلال الحكم الوطني لا سيما بعد تموز 1968 وحتى الاحتلال البغيض، ودورها في إثارة الشكوك لدى البسطاء من الناس، عن طاعة رجال الدين التي ترسخت طاعتهم في بعض النفوس حتى صارت جزءًا حيويا من القناعة الدينية، أو طاعة الوطن في مقاتلة المعتدين، وهذه الحالة من الاختبار كانت قاسية على البعض للأسف الشديد.

من أين نبدأ بمشروع تحرير العراق؟ من كل أطراف العملية السياسية وممن نصبهم على حكم العراق، أم نبدأ من الخارج وخلف ظهورنا أعداء أخطر من الخارج بألف مرة؟ إذا امتلكنا إجابة شافية عن هذا السؤال المركزي فسوف نعرف كيف نواجه تداعيات الاحتلال، كما أظن أن علينا أن نشخص العدو قبل الدخول في معركة مع عدو غير معروف من قبلنا ولا نعرف ما هي قدراته ولا مكامن قوته وأين تتركز؟

غياب القيادة القادرة على تجميع كل القوى الشعبية المؤمنة بالتحرير وراءها، بقدر ما هو مطلب ملح فهو مطلب شبه مستحيل، إقليم متواطئ على إبقاء العراق ضعيفا إلى الأبد، فهذه هي الحالة المثالية التي دفعت كل أعداء العراق للتآمر عليه والإجهاز على مشروعه النهضوي.

الميثاق| أنت الخبير بالشأن الإيراني وعميد الأسرى العراقيين في إيران بماذا تفسر تأخر الإعلان عن الاتفاق النووي/ هل هو بسبب المراوغة الإيرانية أم بسبب عدم جدية واشنطن ومعها الغرب تجاه طموحات إيران النووية؟

السامرائي| باختصار شديد تتفاوض إيران من أجل التفاوض فقط، وكي لا تنتقل الأزمة إلى صفحة ساخنة لا تريدها ولا تحسن إدارتها، ولم يسبق لها أن نجحت في مواجهة خارج قاعات التفاوض، لقد استطابت لإيران الصفات التي أطلقت عليها في المحافل الدولية، بأنها دولة لم تكسب حرباً ولم تخسر مفاوضات، وعاشت على أمجاد هذه المقولة على الرغم من أنها تسيء إليها كثيرا في جزئها الأول، إيران في مفاوضات الملف النووي، وبغطاء أمريكي أوربي، وبدعم روسي صيني، تسعى للحصول على السلاح النووي بأية وسيلة ومهما كلفها ذلك من ضنك اقتصادي وجوع داخلي، إنها تريد أن تطرح نفسها كقوة إقليمية قادرة على فرض نفسها عبر امكاناتها الذاتية، بعد أن نجحت لمدة أربع وأربعين سنة على تحقيق ذلك الهدف عن طريق عملاء محليين وأدوات مرتبطة بالمشروع الإيراني المستند على خلفية عقائدية هي نظرية ولاية الفقيه.

نعم هناك تطابق في الرؤى بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ولكن هناك نقاط يحصل فيها الافتراق بين الحلفاء، ولأن الغرب غير مقتنع بإمكانية استمرار أي نظام حكم شرق أوسطي، فإن التحليل النهائي هو أن إسرائيل هي الحليف الثابت للغرب والذي يمكن الوثوق به مهما تغيرت الحكومات في إسرائيل، أما إيران فإذا سقط النظام القائم حاليا، فلا ضمانة من ضبط سلوك النظام البديل، مهما أعطى من ضمانات وتطمينات.

ما يقود اتجاهات المفاوضات الحالية في فيينا، هو هواجس المستقبل وليس شكوك الحاضر.

الميثاق| فتحت ثورة تشرين الطريق أمام مشهد سياسي جديد آثار هلع وخوف الطبقة السياسية التي تحكم العراق/ هل تعتقد أن أوضاع العراق المزرية ستعيد الأمل بخلاص العراق من محنته؟

السامرائي| في تقديري إن حراك تشرين الذي شهدته مدن وسط العراق وجنوبه، لا سيما المدن ذات الطابع الديني مثل النجف وكربلاء، وكذلك المدن التي ظنت إيران أنها محسومة الولاء لها، كانت ذخيرته السياسية محدودة بالقياس إلى ذخيرته الاجتماعية والاقتصادية وخاصة في مجال انهيار منظومة الخدمات، والفقر المستشري على أوسع نطاق في مدن ذات الأغلبية الشيعية والتي كانت تنتظر تغييرا في أحواله الاقتصادية والفرص الممنوحة للأجيال الجديدة في مجال التوظيف وحل مشاكل البطالة وتدني فرص التوظيف للخريجين بعد إيقاف المعامل القائمة ومنع إقامة أي منشآت صناعية جديدة وانهيار القطاع الزراعي، وانهيار المنظومة الصحية والتعليمية.

ولما كان الأفق السياسي هو الذي يحدد مستقبل أي حراك، ولما كانت انتفاضة تشرين تحمل من النوايا الطيبة والاستعداد للتضحية أكثر مما تحمل من وضوح الرؤية السياسية، ونظرا لعدم وجود عقل مركزي يحكم حركتها، فقد تحولت إلى حركة مؤقتة ربما حملت من الإلهام الشاعري أكثر بكثير من طموحات مدروسة لرسم مسار مستقبل واعد.

ومع ذلك فإن إخافة السلطة لا تشكل هدفا قائما بحد ذاته، بل على العكس ربما تحفزها لوضع الخطط الكفيلة بدرء خطر السيل القادم، وهذا ما حصل، إذ تبين أن السلطة تمتلك من أدوات القمع للبقاء أكثر مما تمتلك الجماهير من أدوات للثورة.

الميثاق| كيف تقرأ تهديد قادة كردستان بأن الوقت قد حان لإعلان الكونفدرالية كخيار استراتيجي ينهي ما وصفوه الضبابية في علاقتهم مع بغداد؟

السامرائي| تهديدات سلطة كردستان بشأن الاستقلال تارة والكونفدرالية تارة أخرى، ليس أكثر من ضغوط سياسية أمام الانسداد السياسي والذي انتقل من بغداد إلى داخل السلطة التي ظلت تحرص على الظهور أمام بغداد بمظهر موحد لانتزاع المزيد من التنازلات السياسية والجغرافية والمالية، في تقديري أن تجربة استفتاء الاستقلال الفاشلة التي حصلت في كردستان، يجب أن تدرس بعمق من قبل الأكراد أنفسهم لأنهم سوف يتوصلون إلى نتيجة مؤداها أن الغالبية من الشعب الكردي اختارت بوعي وإرادة، أن تبقى عراقية الموطن والترابط خاصة بعد أن جربت كل الخيارات الأخرى وخذلان الأكراد من جميع الأطراف التي شجعتهم على التحرك المضاد للحكومة المركزية في بغداد، كما أن عموم العراقيين يجب أن يتعاطوا مع نتائج الاستفتاء على أن الأكراد اختاروا طواعية أن يكونوا جزءًا من الوطن، لا سيما وأن حساسيات الإقليم لا تقبل بأي تعديلات على الوضع الإقليمي الموروث من اتفاقية سايكس بيكو.

الميثاق| وهل تعتقد أن المعطيات على الأرض والوضع مع دول الجوار تساعد الأكراد في خيارهم الجديد مع المركز؟

السامرائي| بعد فوات كثير من الوقت الضائع، لا بد أن الأكراد قد توصلوا إلى قناعة من أن دول الجوار من دون استثناء، قدمت لهم الدعم ليس حبا بهم أو اقتناعا بحقوقهم القومية، وإنما أرادت توظيفهم من أجل إضعاف العراق، إما في معركة لي الأذرع، أو للحصول على تنازلات عراقية رسمية، أو للحصول ومغانم سياسية أو جغرافية أو اقتصادية، ولهذا وبعد أن توصلت الزعامة الكردية إلى هذا اليقين، اختارت أن تحافظ على الانتماء إلى العراق القوي لأنها قوة للأكراد كما أنها قوة للشعب العراقي بوجه التحديات.

الميثاق| بماذا تفسر إعلان الصدر أنه بصدد تحريم التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ بهذا الوقت بالذات؟

السامرائي| الصدر ابن اللحظة التي يتحدث فيها، وعلى الرغم من كثرة مستشاريه العلنيين والسريين، إلا أنه كان يفاجئهم بمواقف سياسية، تحرجهم أو أنهم لم يعدوا لها العدة لمواجهة تداعياتها، الصدر يذهب إلى الشعبوية من خلال رصيد أبيه المفترض والطاعة التي تتحرك بها جماهيره، لذلك لم يستطع توظيف هذه الخاصية في برامج سياسية ناضجة، بل كان يذهب إلى شعارات لمجرد مجاراة خصومه والمزايدة عليهم.

الميثاق| هل نشهد انفراط عقد التحالفات السياسية جراء استعصاء الحل وفشل الطبقة السياسية؟

السامرائي| في تقديري أن التحالف الشيعي لا يستطيع التفريط بجزء من مكوناته، لسببين، الأول أن ذلك وعلى وفق ما يراه زعماؤهم، نهاية الحلم الشيعي بالحكم في العراق، ولأن إيران لا تسمح بذلك، لأنها على يقين أن خروج الحكم من الشيعية السياسية، سيعني استعادة الدولة في العراق، وبناء قوتها مجددا، وهذا سيعني أن العراق سيأخذ بنظر الاعتبار كل دروس الماضي البعيد والقريب، في دور إيران في تدمير منظومة الدولة العراقية القوية، وحينذاك ستجد إيران نفسها مطوقة بحزام من الدول التي لا تشبهها بشيء.

الميثاق| وهل نشهد ملامح تسويه بين الفرقاء لاسيما بعد أن انيط ملف العراق بعهدة مسؤول إيراني جديد؟

السامرائي| كما أسلفت إيران هي اللاعب الرئيس في المشهد العراقي القائم، وستبذل جهودا مستميتة في محاولة فرض رؤيتها على صورة المشهد السياسي العراقي الذي تريد، وبقدر ما تبرز جهودها إلى السطح، فإنها في واقع الحال ستخسر على مستوى الشارع العراقي أكثر بكثير مما تكسب على مستوى الشيعية السياسية.

الميثاق| هناك من يعتقد أن عودة شخصيات أنبارية إلى المشهد السياسي تم بصفقة سياسية برعاية المالكي ومباركة إيرانية/ هل أنت مع هذا الاعتقاد؟

السامرائي| الأصل هو عودة كل النازحين والمهجرين إلى وطنهم ومدنهم، ولكن هناك حقيقة مؤكدة أن المالكي الحالم بالعودة إلى ولاية ثالثة حتى لو تسلم العراق دولة بلا مرتكزات ثم سلمه كيانًا مهشمًا، لا يمكن الاعتماد عليه ولا على وعوده التي تتسم بالمساومة الرخيصة، لذلك أظن أن شعبنا لن يكون أداة طيعة يحركها المالكي لزرع مزيد من الانقسامات في صفوفه، إيران لا يمكن أن تنظر بعين الرغبة إلى مصالح العراق، بل تسعى لتسخير كل السياسيين ورجال القبائل والدين خدمة لمشروعها القومي المغلف بغلاف طائفي تقسيمي مقيت.

الميثاق| غلاة المشروع الطائفي بالعراق يحذرون من ضياع حق المكون الأكبر (الشيعة) في حكم العراق، كيف تقرأ هذا السلوك الاجتثاثي؟

السامرائي| هذه تجارتهم الرائجة، وهم يخدعون البسطاء من الناس من أنهم هم المدافعون عن إرث التشيع، وأنهم يحكمون باسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنهم إن فقدوا هذه التجارة لا بد لهم من إعلان افلاسهم السياسي واعتزال الحياة السياسية إن لم يكن اعتزال الحياة أو العودة إلى منافيهم التي كانوا فيها.

الميثاق| تعاني مدينة سامراء من تحكم الغرباء بشؤونها ومستقبلها ومشروعهم الطائفي لنزع هوية وعروبة هذه المدينة بالتهديد والقتل والاستيلاء على معالمها وشخوصها، أين تكمن مخاطر هذا المشروع؟

السامرائي| سامراء مدينة لم تأخذ نصيبها من الاهتمام خلال فترة طويلة على الرغم من أنها حافظت على مكانتها كعاصمة للدولة العباسية نحو ستة عقود، وعلى الرغم من أنها ورغم كل ما عانته من إهمال ظلت مدينة حية في أنشطتها الزراعية والصناعية والتجارية.

وبعد الاحتلال البريطاني للعراق في القرن الماضي، سعت إيران لمد أذرعها إلى هذه المدينة العربية، ولكن وعي أبناء سامراء وتوفرها على كوادر دينية ومعرفية على مستوى عال، ليست على استعداد للمساومة أو الخضوع لضغوط السياسة والمال والقمع، هو الذي جنبها الوقوع في المنزلق الذي حدث عام 2006، بتفجير القبة الذهبية فيها، ذلك أن إيران توصلت إلى قناعة راسخة أنها لن تستطيع استدراج سامراء إلى فخ الفتنة، لذلك قامت بتنفيذ جريمة تفجير 22 شباط 2006 بنفسها وعبر أدواتها المحلية، كما كشف ذلك الجنرال كيسي وعدد من الشخصيات العراقية، ولعل ما ورد في تصريحات فائق الشيخ علي في لقائه مع السيد مهدي جاسم على قناة anb ما يسلط الضوء على طبيعة ما يخطط لهذه المدينة، تصور أن سرايا السلام التي تحتل المدينة من بعد تفجير القبة وحتى اليوم، تسعى لإذلال المواطن السامرائي، وتضع قيودا على تحركاته في الداخل وتُخضع المغادرين والعائدين إلى مدينتهم لإجراءات تفتيش غير عادية على الرغم من حملهم لوثائق ثبوتية تُعرفّهم، كل هذا يحصل من أجل إرغام المواطن على ترك مدينته وممتلكاته، لغرض الانتقال إلى الخطوة التالية وهي الإعلان عن شيعية المدينة

مقالات متعلقة