الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار الميثاق مع خبير الاقتصاد السياسي الأستاذ صباح الناصري

حوار الميثاق مع الأستاذ صباح الناصري (‏‏بروفيسور علوم سياسية، وخبير اقتصاد سياسي)

الميثاق| هناك من يرى أن وثيقة (الدستور) 2005 ساهمت في تقسيم العراق أرضا وشعبا وإضعافه دوليا، ما رأيكم بذلك؟

الناصري| أنا أوافق على هذا التشخيص، لأن دستور 2005 كان وثيقة محاصصة سياسية لتقسيم السلطة بين الأحزاب والقوى التي أتت على ظهر الدبابة الأمريكية، فهو وثيقة سياسية، واستخدام مصطلحات مثل مكونات بدل من المواطن العراقي بمعنى أنه يريد تجزئة الشعب العراقي بالحدود الوهمية سواء كانت عرقية أو طائفية أو دينية، وأعتقد أن هذا هو الذي قنن العرف السياسي الذي جعل رئيس الجمهورية كرديا والوزراء شيعيا والبرلمان سنيا. البعض يقول هذا عرف سياسي ليس له علاقة بالدستور؛ وأنا أقول بالعكس الدستور هذا كوثيقة محاصصة سياسية هي التي قننت العرف السياسي ومحاولة تقسيم العراق؛ وهذا أدى إلى تمزيق لحمة المجتمع العراقي المتنوع بعرقه ودياناته ومذاهبه فالوثيقة المحاصصاتية السياسية كان الهدف منها ليس وحدة الدولة العراقية ووحدة الشعب العراقي على اعتبار مبدأ المواطنة؛ إنما تقسيم الدولة ومؤسساتها والشعب إلى ما تسمى مكونات، وكل قوة سياسية بمفهوم المحاصصة تطرح نفسها ممثلة عن هذا المكون أو ذاك وبالتالي احتكار السلطة؛ ولذلك نرى من 2005 إلى اليوم هذه القوى نفسها محتكرة للسلطة بغض النظر عن فوزها وخسارتها بالانتخابات.

الميثاق| وصف بعض فقهاء القانون وثيقة 2005 بأن نصوصها ملغومة؛ واعترف بذلك بعض من شارك في كتابة الدستور؛ ما هي هذه المخاطر، ولماذا برأيكم صدرت الاعترافات بهذا المرحلة؟

الناصري| هناك عدة ألغام في دستور 2005 وتناقضات جوهرية، فمثلا نجده ينص على: (أن الدين الإسلامي هو مصدر في التشريع وأي قانون يسن وكان فيه تناقض مع الشريعة الإسلامية يعتبر غير دستوري) وفي نص المادة التي تليها: (أن الديموقراطية هي مصدر أساسي في التشريع، وأي قانون يتناقض مع الديموقراطية أيضا يعتبر غير دستوري) وهنا التناقض؛ فمثلا حقوق الطفل والمرأة والأقليات، أو حقوق الحريات الخاصة والعامة، جميعها تتناقض مع جوهر الشريعة الإسلامية، فمثلا الشريعة الإسلامية تحلل زواج الطفلة في عمر 9 عاما وهذا يتناقض مع حقوق الانسان والطفل والمرأة. وهذا التناقض الوجودي لوحده يلغي الدستور ويمحوه

النقطة الأخرى الإشارة إلى مصطلح (المناطق المتنازع عليها) حيث لا يوجد في دولة واحدة مناطق متنازع عليها لأن هذا المصطلح يستخدم بين دولتين، وليس بين الأقاليم في النظام الاتحادي. وهذا لغم آخر من الألغام الموجودة في وثيقة الدستور.

أيضا قضية النفط من القضايا التي فيها تناقض بين، ويطرحها الدستور وكأن النفط العراقي ليس ملك الدولة العراقية والشعب ولا الملكية العامة، ولذلك يطرحها بطرق أخرى مثلا كردستان أو العرب وهكذا تسميات، وهذا أيضا تناقض جوهري وغير دستوري.

ويتضح من ذلك أن الدستور كتب لتحقيق مصالح شخصية وحزبية خاصة وكان هناك تأكيد كبير من المرجعية الدينية في النجف على كتابة الدستور وفقراته، وحتى على الخطاب، ولم يكون في حسبان الذين وضعوا الدستور مفهوم الدولة العراقية ومفهوم الشعب ومفهوم المواطنة، وإنما كتبوه ليكون وثيقة تضمن احتكارهم للسلطة.

وفي اعتقادي أن المعضلة الأساسية لدمار العراق والشعب العراقي وموارده وأملاكه هي الوثيقة الدستورية في 2005.

الميثاق| في ظل ما ذكرته من مآخذ خطيرة على وثيقة 2005 هل يمكن إطلاق وصف الدستور عليها، والاحتكام إليها في حل أزمات العراق؟

الناصري| بالتأكيد كلا، لأن هذه الوثيقة ليست دستورا، وثانيا أن هذا الدستور فاقد للشرعية، من ناحيتين: الأولى من الناحية الدولية لأنه كُتب تحت ظل الاحتلال الأمريكي للعراق في فترة حكم بريمر، وهذا يناقض القانون الدولي حيث إن أي دولة تحتل دولة أخرى ليس لها الحق بأن تحل الدستور وتنظم قوانين جديدة وتحل مؤسساته ولكن أمريكا فعل ذلك

ووفقا للنظام الداخلي العراقي فإن الدستور يعتبر غير شرعي، لأن الوثيقة التي تم التصويت عليها في مجلس النواب تختلف عن الوثيقة التي صوت عليها الشعب العراقي، وتم إضافة بعض الفقرات لها في الساعات الأخيرة من الليل من أجل المصالح الخاصة بالذات بخصوص كردستان، فتم إضافة فقرات إلى الدستور خارجة عن الاستفتاء، هذا بحد ذاته يجعل من الدستور غير شرعي

وأيضا الدستور كتب وفق مبدأ المحاصصة السياسية؛ وهذا أدى إلى إبعاد مؤسساتية؛ وهذا تسييس للوثيقة الدستورية، وأفضل مثال على ذلك ما تسمى (المحكمة الاتحادية، ومجلس القضاء الأعلى)، الجميع يعرف أنها مسيسة لتخدم مصالح الأحزاب وفق المحاصصة)، فمثلا عام 2010 فازت قائمة التوافق التي يتزعمها أياد علاوي بالانتخابات، المحكمة الاتحادية وعلى رأسها مدحت المحمود، فسر الكتلة الأكبر لصالح المالكي، والآن في انتخابات 2021 نجد أن المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى، يقف بجانب الإطار التنسيقي الإيراني، أي تخدم إيران ومصالحها بالعراق، وكل هذا من تبعات الوثيقة الدستورية السياسية لعام 2005

الميثاق| هل ترى أن وثيقة 2005 غيبت هوية الدولة العراقية، وحفلت بصياغات انقسامية، وأخرى مفارقة للواقع؟

الناصري| نعم، واعتقد أن أكثر شيء تم تدميره في عام 2005 هو الهوية العراقية، بمعنى أن المجتمع العراقي غالبيته العظمى عربي، وهناك أقليات مثل الكردية والأقليات الأخرى، ولكن غيبت هويته العربية بمنهجية وحلت محلها الطائفية، فأصبح الغالبية من الشيعة وليس العرب، فحلت الهوية الطائفية لتزيح الهوية العربية للعراق، والدليل على ذلك هادي العلوي في مؤتمر لندن صدر بيان عام 2002 جمع كل الجهات الشيعية مع الحزبين الكرديين، وكان البيان فيه حوالي 3600 كلمة لم يذكروا أي ذكر للعرب، فهو مشروع لتغييب الهوية العربية، عن الدولة العراقية والمجتمع العراقي.

الميثاق| هل تعتقد أن العراق بات بحاجة إلى دستور جديد وما هي الإجراءات التي تسبق ذلك، وهل أحزاب السلطة جادة بإعادة كتابة دستور جديد؟

الناصري| كلا أحزاب السلطة ليست جادة بإعادة كتابة دستور جديد لأن أي دستور آخر سينسف شرعية هذا الدستور والقوانين التي وضعت، ودستور 2005 مفتوح على كل الأطراف وما بين فقرة وفقرة ينص على (وينظم بقانون) وإلى يومنا هذا لا توجد قوانين للأحزاب، وهذا يعني أنهم بعيدون عن كتابة دستور جديد أو إصلاحه، لأن ذلك ينسف وجودهم ومشروعيتهم، فلو فرضا وضع قانون للأحزاب بدستور جديد يحرم استخدام السلاح للأحزاب ويجرم التمويل الخارجي للأحزاب، ويتحدث عن الشفافية بتمويل الأحزاب وعن الفساد المالي والسياسي، هذا كله سينسف شرعية هذه الاحزاب، وهم لا يريدون ذلك وإنما هم يريدون دستورا على مقاساتهم، يسيسون المؤسسات الحكومية على ما يريدون ويستمرون في سرق العراق وثرواته وعمر شعبه كما سرقوا العشرين سنة التي مضت.

إذا لابد من طريق آخر لكتابة الدستور بعد مناقشة لمبادئ وأسس يتفق عليها كل أبناء الشعب العراقي وثيقة نحن اسميناها (وثيقة دستورية) تناقشها النخب العشائر والشباب ومنظمات المجتمع المدني وهكذا تتفق على أسس ومبادئ وبعد ذلك هذه الوثيقة ما قبل الدستورية تصبح جزء من دستور مبني على المواطنة، من خلال صياغة المبادئ وأسس تفاعل المجتمع العراقي؛ بهذه الطريقة سيشعر المواطن بأنه جزء من هذا الشعب، وعندها سيؤمن ويثق فيه؛ بعكس ما لو كتب من جهة معينة وتفرض عليه.

أنا اعتقد هذه المنهجية لكتابة الدستور تكون من الأسفل إلى الأعلى وليس كما حصل من الأعلى إلى الأسفل، ولا بد أن يكتب بروح المواطنة التي توحد الشعب بأكمله وتضع هوية واضحة للدولة نابع من أصالة وتاريخ العراق وحضارته، هذه هي الطريقة الصحيحة لكتابة الدستور؛ وليس كما هو حاصل الآن الدولة بدون هوية

الميثاق| هل بتقديركم أن دعوات إصلاح النظام السياسي وعمليته الطائفية ستجد طرقها للتنفيذ، وما هي المصاعب القانونية التي تحول دون ذلك؟

الناصري| لا اعتقد أن منظومة الفساد التي قررها بريمر قابلة للإصلاح والدليل كان هناك محاولات كثيرة لإصلاح هذه المنظومة ولم تنجح لأن الحكومة هذه مجرد ما تحاول أن تصلح نفسها قليلا ستسقط، مثلها مثل الديكتاتورية، فالدكتاتور لم يقدر أن يدخل إصلاحات داخل النظام، فبمجرد ما أن يبدأ ببعض الإصلاحات تؤدي مباشرة إلى تداعيات أخرى فتسقط كل المنظومة.

الإصلاح لابد أن يجري من خارج المنظومة أي من داخل المجتمع العراقي، الشعب العراقي يجب أن يعيد تنظيم نفسه بطريقة معينة ويضع أدوات أخرى خارج الطريق ويختار الناس القريبة منه وتمثله من نخب مثقفة سياسية ووطنية نابعة من الشعب العراقي بذاته وهذه النخب هي من تقود المرحلة الانتقالية ومرحلة الإصلاح، وهذا لا يعني انعدام بعض الشخصيات الوطنية داخل المنظومة الحالية الفاسدة، ولكن حتى وإن وجدات فهي ليست صاحبة القرار؛ ففي انتخابات 2021 تم انتخاب بعض الشخصيات المستقلة ومن الأحزاب المحسوبة على تشرين، فعلى الرغم من تصريحاتهم بمحاولة الإصلاح إلا أنهم غير قادرين لأن القضية بنيوية وليس قضية شخصية.

الميثاق| هل العراق بحاجة إلى إصلاح العملية السياسية الحالية؟ ولماذا لا نسميها نظام سياسي أم أنه يحتاج إلى نظام سياسي جديد؟

الناصري| عندما تحدثت عن كتابة وثيقة قبل الدستور يشارك فيها الشعب العراقي وفق المبادئ والأسس أحد أهم النقاط التي يجب أن نناقشها لأن ما حصل في 2005، فرض علينا، بمعنى أن هذا النظام الاتحادي فرض على الشعب العراقي لأن إقليم كردستان يريد نظام اتحادي يحافظ على استقلاليته، ولا توجد أقاليم أخرى في العراق، فالدستور والنظام الحاليين فرضا على الشعب العراقي.

فالتغيير يجب أن يكون عن طريق مناقشة الأسس الأولية للوثيقة الدستورية، وكذلك النظام السياسي يجب أن يناقشه الشعب بشكل أفضل يتناسب مع شخصية العراقيين، وأعتقد أن النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي هو الأفضل للعراق لأن الرئيس ينتخب من كل الشعب العراقي بغض النظر عن هويته الاجتماعية سواء كان عربيا أو كرديا أو سنيا أو شيعيا، والأهم أن يكون شخص وطنيا يجسد ثقافة المجتمع العراقي وينتخبه الشعب بشكل مباشر.

أما إذا اتفق الشعب على نظام اتحادي؛ فعندها يجب أن يكون هناك مجلس أعيان ومجلس نواب، وهؤلاء أيضا يتم انتخابهم بشكل ديموقراطي، بحيث يكون هناك رئيس وزراء يشكل حكومته بالتعاون مع رئيس الجمهورية، ورئيس الجمهورية يكون مسؤولا على القضايا السيادية للدولة، ورئيس الوزراء مسؤول عن قضايا تصريف الأعمال اليومية، وبهذا الشكل يصبح أفضل تمثيل سياسي عن الشعب العراقي، وأنا هنا أبدي رأي لا أكثر فالقرار بالنهاية هو قرار الشعب العراقي.

الميثاق| كيف تقرأ قرارات ما يسمى بالمحكمة الاتحادية في البت في القضايا الخلافية بين أحزاب السلطة خصوصا أن هناك من يرى أنها مسيسة وليست قانونية؛ وماهي مخاطر هذا السلوك؟

الناصري| عندما تذهب هذه الأحزاب وميليشياتها إلى المحكمة الاتحادية لحل مشاكلها السياسية هذا بحد ذاته تحرك غير دستوري ويوضح بأن المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى مسيس، لأن هذه الأحزاب وميليشياتها هي من تختار أعضاء المحكمة الاتحادية وفق مبدأ المحاصصة، فضلا عن خضوعهم للرغبات الإيرانية.

لذلك الذهاب للمحكمة الاتحادية لحل الصراعات السياسية هو بحد ذاته مخالف للدستور لأن المحكمة الاتحادية مسؤولة عن الدستور والمشاكل الدستورية، وليس من أعمالها واختصاصاتها حل النزاعات القائمة بين الأحزاب وميليشياتها.

وللأسف هذه مهزلة ولن يستمر الشعب العراقي بالسكوت على هذه المهزلة وسيأتي اليوم الذ يزيحهم فيه.

الميثاق| منذ احتلال العراق والبرلمان الحالي مختطف من قبل أحزاب السلطة يلبي مصالحها الخاصة ويكرس الطابع الطائفي الاجتثاثي لهذا المنبر؛ كيف ترى ذلك؟

الناصري| الديمقراطيات في العالم تتخذ الانتخابات آلية لتمكين الشعب ومصالحه من خلال مؤسسات الدولة، وهذا يعني أن الشعب هو المرجعية الأولى والأخيرة لكل السلطات، إلا في العراق فإن آلية الانتخابات هي لإقصاء الشعب وشرعية الشعب واحتكار السلطات بيد أحزاب المحاصصة؛ ولذلك فانتخابات 2021 بغض النظر عن موقفنا منها أو مشروعيتها أو الفائز بها فإن نتيجة الانتخابات لم تحترم ولم يكن لاختيار الشعب أو صندوق الاقتراع أي معنى، لأن النتيجة النهائية الأحزاب الطائفية الفائزة والخاسرة ستجلس وتتقاسم الوزارات والمناصب بينها؛ إذن آلية الانتخابات في العراق هي إضفاء شرعية على منظومة غير شرعية.

الميثاق| في ظل الانسداد السياسي الذي يعصف بأحزاب السلطة؛ بتقديرك ما هو الحل لخروج العراق من هذا النفق المظلم؟

الناصري| في اعتقادي هناك حلين لهذه المشكلة والاثنين مرتبط أحدهما بالآخر، الأول يتمثل داخليا أي حركة الشارع العراقي من خلال الاحتجاجات، ولكن اعتقد أن الاحتجاجات يجب ان تنتقل من الاحتجاجية إلى عمل تنظيمي هادف وفيه رؤية، بمعنى تجميع كل القوى الاحتجاجية أو السياسية على مبادئ وأسس معينة في رؤية معينة وهدف واحد، هذا بحد ذاته سيعطي للمجتمع الدولي الذي يعطي الشرعية على هذه المنظومة، بالتالي عند وجود هكذا قوة جديد وتكتل جديد سيعطي للمجتمع الدولي فرصة لدعم الاحتجاجات والقوى الوطنية لإزاحة النظام الفاسد.

لأن المجتمع الدولي وخصوصا أمريكا وبريطانيا المسيطران على العراق، سيدرك أنه إذا لم يساهم في حل الأزمة في العراق التي بدأت دولية ولا بد أن تحل أيضا دوليا وإلا ستنفجر الأوضاع وتخرج عن السيطرة ولا أحد يعلم أين ستنتهي الأمور، وباعتقادي هذا الاحتمال الأكبر الذي ممكن ان يحصل خلال الأشهر القليلة القادمة.

الميثاق| كيف تصف الذين يتحدثون عن مسار الديمقراطية كنموذج ناجح للعراق الجديد؟

الناصري| هذا يعتمد على حسب مفهوم الديمقراطية، ولكن لا توجد ديمقراطية في العراق، وإنما هي كذبة جاء بها الاحتلال الأمريكي بعد أن كشف زيف أمريكا وعدم وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق، فأتت بكذبة جديدة وهي إدخال الديمقراطية للعراق، ولو كانت أمريكا صادقة لما أتت بأناس من الشارع يحكمون العراق، ولو كانت فعلا تريد ذلك لأتت بأكاديميين وخبراء وقانونين ودستوريين ليضعوا خطة لبناء البلاد ومؤسسات الدولة بشكل صحيح. فمنذ 2003 والعراق يعيش وهم وكذبة الديموقراطية، وأعتقد أن مفهوم الديمقراطية هو العدل والمساوات وتحقيق مفهوم المواطنة، وهذا هو انجح نظام للعراق نتيجة للتشكيلة المتشعبة الثقافية للمجتمع العراقي، الديمقراطي هي أفضل حل ولكن ليست هذه الموجودة، فالموجودة نطلق عليها مصطلح (شعبويتيقراطية) بمعنى شعبوية تيقراطية، لأن الأحزاب والحركات والتيارات تتكلم عن الديموقراطية بشكل شعبوي وعنودي (تيمقراطي).

الميثاق| ما أوجه المقارنة بين نتائج الانتخابات العراقية واللبنانية من حيث تراجع حظوظ الحلفاء الأبرز للمشروع الإيراني في البلدين؟

الناصري| نعم هذا متوقع منذ زمن، لأن إيران في مأزق كبير، كانت تراهن على انفراج أزمتها وفك الحصار الاقتصادي قبل سنتين، وقد ذكرت حينها أن ذلك لن يحصل، وسوف تحدث عملية إزاحة في المنطقة بالذات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ستكون على حساب إيران، ونتائج الانتخابات الأخيرة وضحت هذا الشيء.

ولكن في نفس الوقت سنجد نفس المعضلة وهي كيف إيران تتدخل في شؤون الدول العربية منها العراق ولبنان وغيرها، ليس فقط من خلال الميليشيات وإنما من خلال تسييس القضاء والدستور من خلال ما يسمى بالثلث المعطل في العراق ولبنان.

بمعنى أن الأقلية الخاسرة في كل مكان بالعالم تخرج عن دائرة الحكم، لكن في العراق ولبنان الخاسر يفرضه التدخل الإيراني على الأغلبية في داخل البرلمان هذه هي منهجية إيران، وهي إيقاف ومنع تشكيل أي حكومة وأي قرار يتعارض مع مصالحها في العراق ولبنان وغيرها، ولكن اعتقد أن إيران لا توجد لديها الإمكانيات في التدخل، ولذلك أرى أن في القادم سنرى بدائل أو حلول وضعف للموقف الإيراني والآن زادت الاحتجاجات داخل إيران فمن الممكن ان يسقط نظام ولاية الفقيه خلال هذه السنة.

ولو رجعنا إلى نهاية الثمانينات من القرن الماضي أيام الاتحاد السوفيتي سنجد أنه انهار خلال أشهر مع أن الجميع كان يعتقد أنه سيصمد لعشرين سنة قادمة على أقل تقدير، فلذلك نضع هذه الفرضية أيضا في الحسبان.

الميثاق| هل تعتقد أن خيار حل البرلمان وإجراء انتخابات واردة أم هناك فرصة للتوافق بين أحزاب السلطة بدعم إيراني من دون الذهاب إلى الخيار الأول؟

الناصري| الخياران خطأ، فالانتخابات مستحيل أن تحصل لأن الانتخابات الأخيرة صادق عليها مجلس الأمن الدولي، وهذه المرة الأولى التي يصادق عليها مجلس الأمن، وعليه يستحيل موافقته على انتخابات مبكرة، حتى لو كان هناك تنسيق بين الإطار وطهران.

أما الخيار الثاني وهو حكومة توافقية بين الإطار والتيار؛ وهذا أيضا صعب جدا لأن كل ما جرى في الانتخابات وقبلها مثل قانون الانتخابات وقانون المفوضة كان يهدف إلى إقصاء الأحزاب والميليشيات الذراع الأول لإيران في العراق.

ولذلك أتوقع أن مشهد التصادم والاغتيالات والتصفيات هو الخيار الأقرب إلى الواقع.

الميثاق| وصل النفاق الحكومي في تعاطيه مع كوارث العراق إلى حد الحديث عن منجزات غير موجودة على أرض الواقع-كيف تفسر ذلك؟

الناصري| أنا حتى مفرد منجز لا أقوله، لأن الهدف من احتلال العراق والإتيان بمنظمات إرهابية منها بدر وغيرها لتحكم باسم الديمقراطية، حتما المقصد منه تدمير العراق والدولة العراقية، وليس بناء وإنجازات؛ وهذه المنظومة نفذت هذا المشروع منذ 2003 وإلى 2019.

ففي 2019 عند انطلاق ثورة تشرين اكتشفت التحالف الدولي وبالذات بريطانيا وأمريكا بالتعاون مع إيران أن هذه المنظومة لم تعد تؤدي الوظيفة، وإذا لم يحصل تغيير سينفجر الشارع العراقي ويزيح الجميع، لذلك أتوقع تغييرا قادما.

الميثاق| ما هو التوصيف القانوني لطريقة احتساب المقاعد البرلمانية على مبدأ الطائفية والقومية وهل يمكن أن نطلق عليها اسم الديمقراطية؟

الناصري| لا توجد في العراق ديموقراطية وإنما (شعبويتيوقراطية) وجميع الانتخابات الماضية لم نجد سلطة تشريعية وإنما الجميع كان يشارك في السلطة التنفيذية، وبالتالي فإن كل المفردات التي نستخدمها ليس لها معنى لأنها فارغة من محتواها، فمثلا رئيس الجمهورية (فارغ المحتوى) لم يكن رئيسا.

فالعراق يعيش في كذبة منذ عشرين سنة، ولحسن حظ الشعب العراقي حصلت ثورة تشرين وقبلها المظاهرات السلمية عام 2012 و2013 لأهل الغربية لمدة أكثر من سنة مطالبين بحقوق شرعية وقمعت من قبل نوري المالكي بشكل إرهابي وأدخل عليهم داعش بالتعاون مع قاسم سليماني.

وأنا أعتقد أصبح الجميع يدرك أنه لا يمكن التحكم بالشعب العراقي مثلما كانوا يتحكمون به منذ 2003 إلى 2019.

مقالات متعلقة