الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار الميثاق مع الدكتور محمد بشار الفيضي

الجزء الثالث من حوار صحيفة الميثاق مع الدكتور محمد الفيضي

الميثاق: في هذا الحوار نريد أن نتحدث بصدد الدور الإيراني.. قيل الكثير عن التخادم الأمريكي الإيراني في التعاطي مع أزمات المنطقة ولاسيما العراق. كيف تم ذلك، وما مدى صحة القول بوجود تخادم أصلا؟

د. الفيضي: هذا الموضوع قديم، ولا يخلو من التعقيد، وقيلت بشأنه مقولات كثيرة لا تخلو من المبالغات أحيانا، ويهمّنا الحديث عنه في مرحلة غزو الولايات المتحدة الامريكية للعراق سنة 2003م. والذي وقفت عليه أن أمريكا لم تقم بذلك الغزو بعيدا عن التفاهم مع إيران، وذلك في اتجاهين، الأول: أخذ موافقتها على قيام الحرب، والثاني: التنسيق معها على ترتيبات ما بعد الحرب، وكان ذلك في وقت مبكر جدا، وحسب معلوماتي أن بدايات الحديث بين الطرفين كانت في سويسرا في تسعينيات القرن الماضي، بين وفد إيراني يقوده رفسنجاني وكان ضمن الوفد قاسم سليماني، ووفد أمريكي رفيع المستوى، وكانت هذه البداية لعديد من اللقاءات انتهت بمنح الإيرانيين للولايات المتحدة الأمريكية التوافق على غزو العراق، ووعدوا بالمساعدة، وكان للإيرانيين كالعادة شروط، وقد امتد الحوار بينهما لفترة طويلة، ولكن هذه الحوارات أخذت طابعا أكثر جدية سنة 2003م حين اقترب موعد الغزو، ويبدو لي أن الايرانيين بحكم الخبرة أدركوا أن الدولة العظمى مصرة على احتلال العراق، فقرروا مجاراتها والإفادة منها، وتحصيل ما يمكن تحصيله من خلال التعاون معها، فلم يدخروا وسعا في ذلك، يقول السفير الأمريكي الأسبق زلماي خليل زاده في كتاب جديد صدر له بعنوان: ما لم يسمع به الكثيرون من قبل: في 2003 كانت واشنطن وطهران تتفاوضان سرا في جنيف حول غزو العراق أمريكيا وأن نظيره يومها محمد جواد ظريف نقل له موافقة طهران على عدم التعرض لأي مقاتلة أمريكية تدخل مجالها الجوي. ولوجود مشتركات عديدة فقد تم الاتفاق.

وقد كشفت صحيفة دير شبيغل الألمانية بتاريخ 9/3/2003م في مقال بعنوان: (مع الشيطان الأكبر ضد صدام حسين) عن جوانب من هذا الاتفاق، ومما جاء فيه: إن الإيرانيين التقوا الأمريكيين في 28/1/ 2003م في لندن أي قبل الغزو بشهرين، وأيد هذه المعلومة نائب وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك ريتشارد أرميتاج، واتفق الطرفان على تعهدات متبادلة، وهي من الجانب الإيراني تقوم على تأمين الحماية اللازمة للطيارين الأمريكيين بالحفاظ على حياتهم، في حال اضطرارهم للهبوط في أراضي إيران، والحيلولة بين الرئيس العراقي السابق صدام حسين وبين الهروب عبر حدودها، وعدم السماح بوجود أي معارضة سياسية للنظام المستقبلي في العراق داخلها.

أما من الجانب الأمريكي فقد تضمنت التعهدات: ألا تجعل عراق المستقبل مقراً للعمل ضد إيران، وأن تعطي للمعارضة الشيعية الموجودة في إيران دوراً في عراق المستقبل بعد إسقاط النظام. هذا ما جادت به الصحيفة الألمانية، وقطعا هناك شروط أخرى.

الميثاق: هل يمكن الوقوف على هذه المشتركات، وهل هي من الأهمية بمكان بحيث تدفع الطرفين المتصارعين بحسب الظاهر إلى التنسيق معا، وإبداء التعاون.

د. الفيضي: نعم.. من هذه المشتركات ما كشف عنه حديث الكاتب اللبناني الخبير الدكتور نبيل خليفة -وهو شخصية مارونية معروفة- عن الهدف الاستراتيجي المشترك الذي يجمع بين عدة دول بينها أمريكا وإيران، وذلك في حوار معه على قناة ((mtv اللبنانية فقال: " إن الدول من روسيا الأرثذوكسية إلى أوروبا الكاثوليكية إلى أمريكا البروتستانتية، ومعهم إيران وإسرائيل يعملون في اتجاه واحد وهو وقف التمدد الإسلامي في العالم"!! وحين سئل ما السرّ في استهداف السنة من قبل هذه الأطراف الدولية مجتمعة ؟! أجاب: لأن السنة يشكلون نسبة 85% من العالم الإسلامي واستهدافهم بالتالي يحقق هذا الهدف المشترك للجميع.

وفي هذا السياق سُمح لإيران دوليا بمدِّ أذرعها الى اليمن والبحرين ولبنان وسورية فضلا عن العراق، وكان يتم التغاضي عن انتهاكاتها للقوانين الدولية، وتجاوزاتها على النظام الدولي، ويتم احيانا تقديم الدعم لها بوسائل شتى، وطرق مختلفة، غير منظورة. هذا أولا..

ثانيا: إيران لديها مشروع (قديم حديث) وهو إعادة حضارتها التي اندثرت، ومدّ نفوذها على المنطقة، وهذا الأمر بالنسبة لها حلم، وهي تسعى للوصول اليه بأي ثمن، وحين حصل إسقاط نظام الشاه سنة1979م فإن القادمين الجدد رفعوا شعار تصدير الثورة الإسلامية، وكان الحلم على وشك التحقق، ولكن الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثماني سنوات وانهكت كلا من العراق وإيران أقصت هذا الحلم، بيد ان الطموح لم يُقص، وظل يراود الإيرانيين، واستمر العزم على تحقيقه؛ ولما تم احتلال العراق فكّر الإيرانيون بإمكانية استثمار هذا الحدث في سبيل تحقيق ذلك الحلم، وتوظيفه لصالحهم، وتعاملوا بدهاء منقطع النظير مع إفرازات الاحتلال واستطاعوا بالفعل تحقيق التوظيف والاستثمار، وبالنسبة للأمريكيين لم يكونوا غافلين -في تقديري- عما يجيش في صدور الإيرانيين فتغاضوا عن ذلك، وكان لديهم غرور طاغ بحيث قدروا أن بإمكانهم أن يقلبوا اللعبة على الإيرانيين في الوقت الذي يشاؤون، وقرروا ان يتخذوهم في البدء جسرا لتحقيق مشروعهم في تشكيل شرق أوسط جديد، وبعدها ينقلبون عليهم ويقسمون بلدهم مثل بقية البلدان، ولا ننسى أن هدفهم الرئيس من غزو العراق هو إنجاز مشروع الشرق الأوسط الكبير وكان من مقتضيات ذلك غزو ست دول أخرى سوى العراق من بينها إيران كما صرح بذلك القائد السابق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) الجنرال الأمريكي المتقاعد (ويسلي كلارك) في أكثر من مناسبة، ولكن ذلك المخطط لم يجد فرصة مواتية للتنفيذ.

ثالثا: كان من الأهداف التكتيكية للأمريكيين من وراء غزو العراق صناعة ما عرف بـ (الفوضى الخلاقة)، الذي يقوم على تفكيك الدول والشعوب ثم إعادة تشكيلها وفق المشروع المتقدم الذكر، وقد رأى الإيرانيون ان هذه الفوضى تخدمهم أيضا لأنها تمهد لهم الطريق كذلك لتحقيق حلمهم في بسط النفوذ على المنطقة، فتوافق الطرفان على نشر الفوضى ولاسيما في العراق، ولكن الأمريكيين أرادوا الفوضى لمرحلة مؤقتة، ولذلك وكما بينّا في حوار سابق فإنهم عزموا على إعادة البناء في العراق وفق رؤيتهم الجديدة بعد مرحلة مجلس الحكم وحكومة إياد علاوي، وهنا أحس الإيرانيون بالخطر لأن انتهاء الفوضى في العراق يعني أن تستقر الأوضاع فيه، وهذا يعني نجاحًا للولايات المتحدة الأمريكية؛ والنجاح يعني أن تعمد الأخيرة إلى تعميم الوصفة على المنطقة ومنها إيران، فرأوا من الضرورة بمكان إبقاء الفوضى قائمة، وتفويت الفرصة على أمريكا في إعادة البناء، وكانت لديهم القدرة على فعل ذلك، فكانت العمليات الكبرى التي تطال وزارات الدولة، وإيغال الميليشيات في سفك الدماء تحت شعارات طائفية، وعمليات التهجير، وغيرها، وحققوا بذلك النجاح الذي خططوا له، وبدت الولايات المتحدة الأمريكية عاجزة عن تأسيس دولة بنظام، وبدا غزوها للعراق أمام العالم مجرد مراهقة، ولعبة من دون إنجاز.

رابعا: وأخيرا.. النظام العراقي السابق كان عقبة في طريق الأمريكيين لتحقيق مشروعهم وعقبة أيضا في طريق الإيرانيين لتحقيق مشروعهم، فكانت الإطاحة به هدفا مشتركا بين الطرفين، وهذا ما أفضى إلى التعاون بينهما في هذا الصدد.

الميثاق: المسؤولون الإيرانيون ومنهم علي خامنئي قالوا إن إيران ستقف على الحياد في هذا الصراع، ولن تكون طرفا فيه لأنه بين الشيطان الأكبر، وأحد الطغاة على حد تعبيرهم.

د. الفيضي: إيران تجيد اللعب على الحبال، ولذلك هي -كما ذكرتم- أعلنت أنها ستقف على الحياد في هذه الحرب، لكنها في الحقيقة لم تقف على الحياد أبدا؛ بل قدمت خدمات كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية، قبل الغزو وبعده، ويكفي أن نتذكر ما قاله الرئيس خاتمي: لولا إيران لما تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من الإطاحة بصدام حسين، وقول نائبه محمد علي أبطحي: لولا إيران لما تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من إسقاط كابل وبغداد. وردد الكلام نفسه أحمدي نجاة فترة رئاسته في إحدى زياراته للإمارات العربية المتحدة، ولا يمكن تجاهل مدلولات هذه التصريحات لأنها صدرت من مسؤولين كبار معظمهم أطلقوها أثناء توليهم رئاسة البلاد، وقد مر معنا للتوِّ حديث زلماي أن واشنطن وطهران كانتا تتفاوضان سرا في جنيف حول غزو العراق أمريكيا وأن نظيره يومها محمد جواد ظريف نقل له موافقة طهران على عدم التعرض لأي مقاتلة أمريكية تدخل مجالها الجوي، فماذا نريد أن نسمع أكثر من ذلك.

الميثاق: ذكرتم جملة من التعهدات أبرمت بين الجانب الأمريكي والجانب الإيراني، فهل وفى الأمريكيون بتعهداتهم مع الإيرانيين؟

د. الفيضي: بحسب ما نشرته دير شبيغل كان هناك تعهدان من الجانب الأمريكي تجاه إيران -كما بينا- وهما: ألّا تجعل عراق المستقبل مقرًّا للعمل ضد إيران، وأن تعطي للمعارضة الشيعية الموجودة في إيران دورًا في عراق المستقبل بعد اسقاط النظام.. وبمتابعة الأحداث التي جرت نرى أن أمريكا كانت مخلصة للغاية في تنفيذ ما تعهدت به، فبخصوص التعهد الأول رأينا كيف تغاضى الامريكيون عن استهداف قوات عراقية كانت تتحرك بأوامر إيرانية ضد عناصر مجاهدي خلق المتواجدين داخل العراق من زمن النظام السابق قتلا واعتقالا وحصارا حتى الوصول بهم إلى الخروج من العراق، وبخصوص التعهد الثاني -وهو الأهم- فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر سخاء، ولم تكتف بأن تعطي المعارضة الموجودة في إيران دورا في المشهد السياسي في العراق بل عوّلت عليها، وعمدت إلى منحها الأغلبية بشكل دائم في مختلف العمليات السياسية ابتداء من مجلس الحكم وحتى الآن، وكان هذا خطأها القاتل الذي دفعت ثمنه لاحقا ومازالت.

الميثاق: دكتور ما الذي يجعل دولة عظمى تفي بتعهداتها مع إيران، وهي المعروفة باعتماد منطق القوة والجبروت في تحقيق مصالحها؟

د. الفيضي: عندما بدأت الحرب في 19/3/2003م وتمكن الأمريكيون من إسقاط النظام العراقي في مدة وجيزة، لم يكن في وارد حسابات الأمريكيين -على ما أعتقد- الالتزام بهذا التعهد أول الأمر لأنهم بعد أن أصدر مجلس الأمن قرارًا بعدِّهم قوات احتلال بسلطة إدارية، أرادوا أن يحكموا العراق بشكل مباشر من خلال مستشارين عسكريين حتى جاء على لسان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في مقابلة معه جرت بتاريخ: 30/3/2003م، "إن الأمم المتحدة مطالبة بتوفير غطاء شرعي للاحتلال البريطاني الأمريكي للعراق، مؤكدا أن الحكم العسكري الأمريكي لما بعد الحرب في هذا البلد ضروري للاستقرار. وقال باول في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز إن الأمم المتحدة رفضت أن تتولى مسؤولية حكم العراق بعد الحرب، لكن عليها أن تساعد الحكم العسكري المقبل للعراق" ولكن انطلاق المقاومة العراقية في وقت مبكر، لم يعطهم الوقت ليحققوا رغبتهم هذه، فاضطروا إلى تغيير المسار، والعمل على ابتداع صيغة حكم أخرى تتم تحت رعايتهم.

وهنا اجيبك على سؤالك: في تقديري ان ما دفع أمريكا للالتزام بهذا التعهد وتنفيذه على هذا النحو أمران، الأول: أنها كانت بحاجة الى طاقم سياسي يخلف النظام السابق، تتخذ منه أداة لتنفيذ الأجندة والمصالح، والثاني: كان لديها غرور وظنت ان هذا الالتزام بذلك سيعينها تكتيكيا على تخطي المراحل الأولى في بناء العراق ما بعد الغزو، وبعدها تفعل ما تشاء، ولكن الرياح لم تجر بما تشتهي السفن، فإن ظهور المقاومة العراقية في وقت مبكر -كما بينا- أربك الحسابات الامريكية؛ ووجد الأمريكيون أنفسهم مضطرين للعدول عن فكرة الحكم المباشر للعراق، واللجوء الى فكرة مجلس الحكم، ليقولوا لشعب العراق إن من يحكمكم أبناؤكم وليس نحن، على أمل أن يخفف هذا الإجراء من حدة المقاومة العراقية، وهنا ظهر التعاون جليًّا بين كلٍّ من الولايات المتحدة الامريكية وايران ، ووفّى كل من الطرفين بتعهداته تجاه الآخر، فتشكل مجلس الحكم بأغلبية من حلفاء إيران، كما كانت إيران أوّل دولة تعترف بهذا المجلس، ثم لما انتقل الامريكيون الى مرحلة الانتخابات (لتأسيس نظام ديمقراطي) قررت ايران دعم هذا الإطار الديموقراطيّ المزعوم ايضا من خلال نفوذها الديني عبر المراجع الدينية بتقديم الفتاوى المناسبة للمرحلة، ونفوذها السياسي عبر المعارضة العراقية، وفي سبيل الاستمرار في التعاون عقد مبعوثون ديبلوماسيّون أميركيّون في سنة 2004م مع مسؤولين إيرانيين ما لا يقل عن ثلاثة اجتماعات في بغداد، وذلك لغرض التنسيق والتفاهم وتبادل الأدوار، ومواصلة الدعم للعملية السياسية، ولمَ لا يفعل الإيرانيون ذلك والنظام السياسي كان يعطي الامتياز والتفوق لحلفائهم في العراق، وفقا للاتفاق المبرم بينهم وبين الأمريكيين.

ويجب الاعتراف أن هذا الشرط الإيراني كان بمنتهى الدهاء، ومن خلاله استطاع الإيرانيون أن يتحكموا في مسار اللعبة الأمريكية بتدرج، وكان الإيرانيون كلما تمكنوا من انجاز خطوة لصالحهم يتجاهلون بقدرها المصلحة الأمريكية حتى وصلوا إلى مرحلة متقدمة من الاحتكار وهذا ما أفضى فيما بعد إلى انهيار التعاون بين الجانبين شيئا فشيئا، وحصلت بعد ذلك لقاءات عديدة مثل اللقاء الذي انعقد في بغداد بتاريخ: 28/5/2007 بين السفير الأمريكي في العراق رايان كروكر، ونظيره الإيراني حسن كاظمي القمي، وكان هذا اللقاء بوابة إلى لقاءات مماثلة بعدها بلغت بمجموعها ثلاث لقاءات في السنة نفسها ولكنها جميعا لم تفض إلى شيء، وكانت مؤشرا على بدء ضعف الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، ولم يقتصر ذلك التراجع في التعاون بين الطرفين على العراق بل طال أفغانستان أيضا، وقد وصف المشهد بدقة العقيد المتقاعد فرانك سوبشاك وهو أحد العسكريين الأمريكيين الذي سبق له أن خدم في العراق وشارك في كتابة تقرير على مدى خمس سنوات، حين قال في مقابلة مع جامعة تافتس الأمريكية "في بداية 2003، وحين كان الأميركيّون يفكّكون نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، كانت إيران قلقة؛ لكن مع تعثّر الولايات المتحدة ومواجهة المشاكل، أدركت طهران أنّ ثمة فرصة لديها لتغيير الحسابات ونجحت في ذلك".

الميثاق: ذكرتم أن ظهور المقاومة العراقية هو من دفع الأمريكيين لتشكيل مجلس الحكم والاستعانة بحلفاء إيران لإدارة العملية السياسية، فما مدى ذلك؟

د. الفيضي: بطبيعة الحال شكل ظهور المقاومة العراقية إحدى المشاكل الكبرى التي أربكت حسابات الأمريكيين، ومنحت بالتالي فرصة لنجاح إيران في تحصيل اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية عليها كلِّيًا؛ فالخسائر الكبيرة التي مني بها الجيش الأمريكي، ووصول العملية السياسية عدة مرات إلى حافة الانهيار كان يدفع الأمريكيين إلى التشبث بإيران وبحلفائها لضمان استمرار العملية السياسية، والإبقاء على مشروعها قائما، وإزاحة العقبات التي تعترض طريقهم في هذه السبيل، وأصبح الأمريكيون يستسهلون هذه الطريقة، أعني الاستعانة بإيران كلما عرضت لهم مشكلة! وما زلت أذكر أن شخصية إيرانية معارضة حضرت إلى العاصمة الأردنية عمان سنة 2007م، ونقلت إلينا بالوساطة رسالة شفيهة عن الأمريكيين مفادها: لماذا لا تمدّ هيئة علماء المسلمين جسورا للحوار مع إيران!! وفي وقتها فاجأني العرض، ولكن ما لبثت أن فهمت الموقف الأمريكي من وراء هذا الطلب، وأنهم كانوا يطمعون في الوصول إلينا للتفاهم من خلال الإيرانيين، لأن إيران تلعب لهم هذه الأدوار غالبا؛ وكانوا يظنون أن إيران تقدم لهم خدمة، والحقيقة أن إيران كانت تقدم الخدمة لنفسها، من خلال الإفادة من الفرص التي يوفرها لها الأمريكيون للإمساك التدريجي بملفات العراق الواحدة تلو الأخرى، هذا من جانب، ومن جانب آخر وفَّر لها ظهور الجماعات الإسلامية المتشددة مثل القاعدة وغيرها التي ثبت دوليا تعاطي ايران معها فرصا إضافية، فاستطاعت أن تدير المشهد العراقي برمته، وتتبنى ايقاعا منقطع النظر يحقق لها أهدافا عديدة، منها: استنزاف الولايات المتحدة الامريكية سياسيا وماديا، وبقدر محدود عسكريا، ومنها: ضرب المقاومة والتنظيمات المتشددة ببعضها، ومنها: رفع مستوى الاحتقان الطائفي كما حدث في واقعة المرقدين، وذلك لضمان استمرار الفوضى، والحصول على نتائج متقدمة من التطهير الطائفي في كثير من المناطق ولاسيما العاصمة بغداد وما حولها، تمهيدا لمنح حلفائها الهيمنة المطلقة على المشهد العراقي، ومنها -وهو الأهم- الوصول بالأمريكيين الى حال من الإرباك والتعثر والحيرة ودفعهم إلى تقديم المزيد من التنازلات لإيران شيئا فشيئا، وهذا ما حدث حتى وصل الحال بالأمريكيين أنهم في مرحلة ما من حكم المالكي وافقوا على عرض إيراني قدمه لهم الأخير يتضمن أن تكون لهم سماء العراق ويكون للإيرانيين أرضه، وهو أمر مثير للسخرية حقا!! وانتهى المشهد بالتالي الى حصول إيران على ما يشبه الهيمنة على إدارة الأوضاع في العراق على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي وحتى الثقافي، وغير ذلك، مع الإبقاء على حال الفوضى لحين الوصول الى الهدف الرئيس وهو إبعاد الولايات المتحدة الامريكية من الحدود الإيرانية قدر الإمكان.

وبقيت إيران طيلة هذه الفترة ومازالت معتمدة في مجمل سياساتها مع الأمريكيين على الأسلوب المعروف بأسلوب معاوية والذي يقوم على الشدِّ إذا أرخوا، والإرخاء إذا شدّوا، وينطبق هذا بكل تأكيد على فعاليات حلفائها وادواتها في العراق الذين تتولى بنفسها ضبط إيقاعهم وتصرفاتهم على هذا النحو أيضا.

الميثاق: لكن دكتور لماذا تفعل أمريكا ذلك؟

د. الفيضي: هذا السؤال أجاب عنه زلماي في مذكراته التي طبعت سنة 2017م حين قال: "إيران كانت حريصة على نشر الفوضى بالعراق. وأميركا كانت تتجنب الصدام مع إيران لكيلا تخسر أكثر" وحين قال: " لقد عانيت كثيرا لحمل إدارة الرئيس جورج بوش لتطوير استراتيجية خاصة بالمشكلة الإيرانية، إذ كانت واشنطن تتبنى سياسة متناقضة، فقد كانت تهاجم إيران علنا وترفض التحدث مع الإيرانيين، ولكنها في الوقت نفسه لم تكن مستعدة للتصدي للأنشطة الإيرانية في العراق".

لقد كانت اللعبة الإيرانية من الحبكة بمكان، بحيث وقع الأمريكيون في حبالها، ولم يكن متاحًا لهم القفز عليها؛ فالتخلي عن إيران وحلفائها آنذاك كان يعني من جانب التخلي عن المشروع الإستراتيجي الدولي في ضرب العالم الإسلامي، والحيلولة بينه وبين التمدد، والذي أحسنت إيران استغلاله لمصالحها على حساب الأمريكيين وحلفائهم في هذا المشروع، والتخلي عن دورها أيضا في تقويض بنيان العراق كدولة بما في ذلك ملاحقة الطيارين والعلماء النوويين وخبراء الإعمار والهندسة، وخبراء التصنيع العسكري، وأعمدة جهاز المخابرات للنظام السابق وغيرهم، وهذا في نظر الأمريكيين ربح صاف لا يمكن التفريط به، وكان يعني من جانب آخر انهيار العملية السياسية بالكامل، وهذا يشي بالإعلان رسميا عن وفاة المشروع الأمريكي في العراق، الأمر الذي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية في مأزق حقيقي أمام العالم

وفي الوقت نفسه لم يكن كبرياء أمريكا يسمح لها أن تفتح حوارا وتفاهمات مع المقاومة العراقية التي كانت تمعن في استهداف قواتها العسكرية وتلحق بها خسائر فادحة كل يوم، أو مع القوى الوطنية التي كانت تعلن دعمها لهذه المقاومة ورفضها المطلق لمشاريع أمريكا في العراق السياسية وغيرها، فكانت أمريكا مضطرة – والحالة هذه- للقبول بالواقع على مرارته بالنسبة لها، ومن سوء حظها أنها هي من تسببت بصيرورة الواقع على هذا النحو

فهي من وافقت إيران على شرطها في أن يكون لحلفائها الحظوة في العملية السياسية، فاستطاعت إيران أن تلعب لعبتها ضمن القواعد الأمريكية نفسها، فمع وجود حكومات منتخبة يشكل حلفاؤها فيها الأغلبية؛ ومع وجود أجهزة عسكرية وأمنية مخترقة من قبل عناصرها؛ ومع وجود ميليشيات تخضع لأوامرها؛ أصبح بمقدور إيران أن تفعل ما تشاء سياسيا وأمنيا، وأن تتفوق على الإدارة الأمريكية في محطات مهمة، وكانت أمريكا مضطرة إلى مجاراتها، وأصبحت -كما يقول المثل الشعبي- مثل مبتلع الموسى، إن ابتلعه نزف دمًا وإن حاول إخراجه نزف دمًا. لنتذكر كيف غلبت إرادتها إرادة أمريكا في الانتخابات التي نجح فيها إياد علاوي سنة 2010م وكانت إيران رافضة له ومصرة على أن تكون للمالكي ولاية ثانية، فاضطرت أمريكا للخضوع لإرادتها في ذلك الوقت، وما زلت أذكر مشهدا معبِّرا يوم الإعلان النهائي عن فوز المالكي برئاسة الوزراء فقد نقلت وسائل الإعلام صورة للسفيرين الإيراني والأمريكي جالسين معا وهما يبتسمان ابتسامة رضا بما حدث، ولكن مدلول الابتسامة لدى كل منهما مختلف عن الآخر، فابتسامة الإيراني كانت تدل على الشعور بالغلبة، وتحقيق المراد، أما الأمريكي فكانت ابتسامته تدل على الرضا بالحد الأدنى من النجاح، وهو إبقاء العملية السياسية قائمة على قدميها، وشتان بين الشعورين، وطغت الإرادة الإيرانية على الإرادة الأمريكية مرة أخرى حين طلب قائد قوات التحالف في العراق بيتريوس من المالكي قبيل انسحاب قواته من العراق أن يحصل على قرار يمنح بموجبه الحصانة للجنود الأمريكيين حتى يمكنهم التفكير بالبقاء ويعدلوا عن قرار الانسحاب، وكان يلحُّ على ذلك حتى بدا وكأنه يتوسل ولكن المالكي وبأمر من إيران لم يفعل، وهناك مواقف أخرى لا يتسع المجال لذكرها، هذا عدا عن شئون داخلية كثيرة كانت تدار في العراق بتوجيه إيراني غالبا مثل تعيين الوزراء ورؤساء مجلس النواب وقادة الجيش وقادة الشرطة الخ، والأمريكيون كانوا يبصرون ذلك بأم أعينهم، ويتغاضون عنه بحجة أنهم لا يتدخلون في الشأن الداخلي للعراق، والحقيقة أنهم كانوا مضطرين إلى التغاضي، ولا خيار لهم وفقا للمثل العربي المشهور: (مكره أخوك لا بطل) والأمثال تضرب ولا تقاس!!

الميثاق: ألم يكن هذا الواقع يصل إلى أصحاب الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية، ويفكروا في وضع حدٍّ لذلك؟

د. الفيضي: سواء كان يصل أم لم يصل فإن الأمريكيين لم يفعلوا شيئا إزاء ذلك، بل بقيت سياسة المجاراة قائمة وتجاهل إيران هو الطاغي على الموقف الأمريكي؛ حتى جاء الرئيس الأمريكي السابق ترامب وخطا خطوة مفاجئة، وخلافا للسياق، وهي الإقدام على اغتيال اللواء قاسم سليماني، وقد تعرض وزير الخارجية السابق بومبيّو إلى هذه القصة في مذكراته، وأوضح أنهم كانوا يدركون أن هذا الحدث سيكون مزلزِلًا، وأنه كان لديهم توجس من الردّ الإيراني حتى أن بومبيو قال لترامب "إننا على استعداد للتواصل مباشرة مع الإيرانيين بعد الهجوم حتى نوضح لهم أن هذه ليست محاولة لقطع رأس النظام، بيد أننا مستعدون للتصعيد إذا كانت هذه أمنيتهم. وأجاب ترامب: هلم".

الميثاق: الآن.. دكتور ما موقف الأمريكيين؟ وهل هم راضون عن الأوضاع في العراق؟

د. الفيضي: الأمريكيون الآن في صدمة مما انتهت إليه الأمور في العراق، وهم بصدد مراجعة حساباتهم، وتوجيه اللوم إلى قادتهم السياسيين الذين ورّطوهم فيما جرى، وانظر معي هذه التصريحات على سبيل المثال لا الحصر:

1) في تقرير أصدرته "الكلّيّة الحربيّة للجيش الأميركيّ" عن مسار الحرب في العراق سنة 2019 جاء الآتي: "تبدو إيران المتجرّئة والتوسّعيّة هي المنتصر الوحيد في حرب العراق. أتى ذلك، بالرغم من تكبّد واشنطن نحو 4600 قتيل في صفوف قوّاتها العسكريّة وما يقرب من تريليوني دولار على مستوى الخسائر الاقتصاديّة"

2) يظهر تقرير حديث لصحيفة "نيويورك تايمز ان إيران استغلّت المجالات الثقافيّة والدينيّة من أجل تعزيز ترسّخها في الفضاء العراقيّ العام، فيقول: "إنّ الشركات الإيرانيّة استثمرت في بناء الفنادق والمطاعم في العراق لاستضافة ملايين الحجّاج الإيرانيّين". وكشف التقرير عن تدفّق مهندسي البناء والمستشارين السياسيّين والإعلاميّين الإيرانيّين إلى العراق، وكيف أن إيران استطاعت الاستفادة من نظام الفساد والمحاصصة لتعزّز سيطرتها أكثر على العراق.

3) كتب مدير مشروع مبادرة العراق في "تشاتام هاوس" ريناد منصور في مجلّة "فورين أفيرز" إن واشنطن عملت منذ سنوات طويلة مع مجموعة من المنفيّين وموّلتهم لرسم عراق ما بعد صدام. في تلك الاجتماعات انكبّ هؤلاء على رسم تصوّر نظام حكم جديد يتخلّص من القديم ويحفظ مصلحتهم الخاصّة. كان معظمهم من القوميّين الأكراد والأحزاب الشيعيّة الإسلاميّة في الغالب. إلى جانب شعور السنّة بالتهميش، استفادت النخب الجديدة من تطهير نحو 40 ألف موظّف مدنيّ وتنازعت على مصالح الدولة بالتوازي مع الإبقاء على ميليشياتها الخاصّة".

4) برز أرشيف مسرّب من البرقيّات التابعة لوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانيّة وقد نشرها حينها موقع "ذي انترسبت". أنه في 2015، كان ضابط استخبارات إيرانيّ يعرف بين زملائه باسم "بوروجردي" يتحدّث إلى رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي. اتّفق المسؤولان على أنّ الظروف السياسيّة التي أنشأتها الولايات المتحدة في العراق ولّدت فرصة لإيران والنخب العراقيّة الحليفة لها من أجل الاستفادة من الوضع".

5) الزميل البارز في أمن الشرق الأوسط التابع لـ"المعهد الدوليّ للدراسات الإستراتيجيّة" إميل حكيّم يقول في مقابلة صحفية معه: "لقد ساعد الغزو إيران على تعزيز مكانتها من خلال كونها مفترساً في العراق. إنّه المكان الذي أتقنت فيه استخدام العنف والميليشيات للحصول على أهدافها. لقد تسبّب بتآكل صورة الولايات المتحدة. لقد أدّى إلى تشظّي المنطقة". وهذا غيض من فيض!!

الميثاق: قلتم إن ظهور المقاومة العراقية منح فرصة لنجاح إيران في تحصيل مزيد من اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية عليها ومن ثم التشبث بحلفائها لضمان استمرار العملية السياسية ومنحها الفرصة للنجاح.. هل نفهم من ذلك أن قرار المقاومة كان خاطئا؟ وأنها هي من قدَّمت التضحيات، ولكن الثمار جنيت من قبل الآخرين؟

د. الفيضي: حاشا.. المقاومة العراقية قامت بواجبها الشرعي ثم الوطني، ومعادلات الصراع مع الاحتلال، أي احتلال، تقتضي أنه لا بد من المقاومة، وتقديم التضحيات، ودفع الثمن في سبيل التحرير وإن غلا، ولو فكر كلُّ شعب محتل أن هناك من سيستغل مقاومته ليفرض مصالحه وبالتالي فعليه الّا يقاوم؛ لم نجد أي احتلال يزول، وأي بلد يحرر، ولوجدنا أنفسنا بدلا من ذلك إزاء عالم بلا قيم، ومجتمعات من دون أخلاق، وهذا لا يتفوه به عاقل، لكن من قال لك إن الموقف قد حسم، وإن الوضع في العراق قد استقر؟! لا أبدا.. وإنما هي صفحات تتجاوزها الشعوب الواحدة بعد الأخرى

بدأ الشعب العراقي بصفحة الاحتلال الأمريكي، وسيبدأ بالصفحات التالية له، ومازلت أذكر أن هناك من كان يأتي الى السيد الأمين العام الدكتور حارث الضاري رحمه الله ويقول له: لنترك أمريكا وشأنها في العراق ونتفرغ لإيران فهي أشد خطورة، وكان رحمه الله يقول: من سمح لإيران بالتدخل؟! أليست أمريكا ومن أعطاها التفوق في العراق سياسيا وأمنيا؟!! أليست أمريكا. وأتذكر أيضا حين هزَمَ الأفغانُ جيشَ الاتحاد السوفيتي على أرضهم قال لي بعض السطحيين: لا جزى الله الأفغان خيرا قلت له: اتق الله يا رجل لماذا تدعو على شعب قاوم محتليه؟! قال: لقد أضعفوا الاتحاد السوفيتي وكانوا سببا في زوال عالم متعدد الأقطاب، وجعلوا أمريكا تنفرد بالعالم!! وما حدث بعد ذلك أن الأفغان تم احتلالهم من قبل أمريكا نفسها ولكن الشعب الأفغاني لم يهدأ وقاوم الاحتلال الأمريكي أيضا؛ والمعروف أن إيران دعمت أمريكا أثناء احتلال أفغانستان وما بعدها، وكان بمقدور الأفغانيين أن يقولوا لنترك الأمريكان، ونحارب إيران، لأنها دولة جارة، وتآمرها علينا مع المحتل مرٌّ ومؤلم! ولا ينبغي تجاهله، ولكنهم لم يفعلوا، واليوم بعد عقدين من الزمان عادت أفغانستان لأهلها وليس للأمريكيين ولا للإيرانيين موضع قدم على أرضهم، وهكذا هي سنن الحياة، الشعوب فيها دائما هي الأقوى، وأما بالنسبة للعراق فإن الحكماء فيه -كما يقول بعضهم- أدركوا أن أي مكاسب على أسنة المحتل، أو بالتخادم معه لن يكتب لها البقاء، فراهنوا على القيم والمبادئ الأصيلة لأن مآلات الأمور تنتهي إليها، والتاريخ يقف عندها، ولذا ليس من المجازفة القول: إن فجراً جديداً سيشرق على العراق بعد هذه الجولة من الصراع، وإن مفاهيم الاستعانة بالنفوذ الخارجي ستتبخر بمرور الوقت، ولا أحد ينكر اليوم أن الأجيال الجديدة في بلدنا من مختلف المكونات بدأت تتطلع إلى الحلول الوطنية بشكل متزايد، وتترفع على أيّ انتماءات طائفية أو عرقية، وتسخط على النفوذ الأجنبي تحت أي عنوان، وتبدي استعدادها للتضحية في سبيل الوصول إلى وطن حرٍّ آمن ومستقل ومزدهر، وهذا النضوج وحده مكسب كبير للعراق وشعبه، ولتاريخه في النضال من أجل الحرية والاستقلال، وهو أول الغيث، فلننتظر برهة؛ ولا نتعجل في إبداء حكم متشائم على مستقبل العراق.

الميثاق: لماذا يفعل الإيرانيون ذلك في العراق وبهذه القسوة؟ فأذرعها فعلت ما لا يخطر على بال الشيطان قتلا وتعذيبا، واعتقالا وتهجيرا، واستنزافا لموارد الشعب، وغير ذلك، وكأن إيران ليس لها عدو في العالم سوى العراق؟!

د. الفيضي: يجب التذكير ابتداء أن هذا الموقف من إيران ليس جديدا، فهي لا تكتم طموحها في إعادة الهيمنة على المنطقة، وإعادة أمجاد إمبراطوريتها فيها ولاسيما العراق، وأحيانا تصرح أنها بلغت غايتها فيه، وكلنا يذكر علي يونسي، وهو عالم دين وسياسي إيراني غير عادي، تولى عدة مناصب سياسية مهمة في صلب الدولة الإيرانية منها تولى رئاسة وزارة الاستخبارات والأمن القومي لإيران في فترة رئاسة محمد خاتمي ومنها منصب مستشار الرئيس الإيراني للشؤون الدينية والأقليات في حكومة حسن روحاني، هذا السياسي نقلت عنه وسائل الإعلام قبل مدة القول دون وجل: "إن بلاده أصبحت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا وهي مركز حضارتنا وثقافتنا اليوم كما في الماضي"، وبطبيعة الحال، هذا الحديث يستفزُّ دول المنطقة ومنها العراق، كما كان خطاب القاعدة يستفزُّ الجميع حين يعلن أنه سيعمل على إسقاط الأنظمة لتأسيس (دولة الخلافة)، والأشكال ليس في هذه الرؤية فحسب بل في الوسائل المعتمدة للوصول إليها، فإيران -أولا- ممن يتبنى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وهي -ثانيا- لا تستطيع أن تتحرر في سياساتها من إملاءات غريزة الانتقام ممن ترى أنهم تسببوا في انهيار حضارتها القديمة، وهذا الأمران يمكن أن يحققا لصاحبهما نصرًا مؤقتًا، أو تفوّقًا مرحليًا، لكنهما -وحسب تجارب الأمم- دائما ما ينتهيان به إلى الإفلاس، ولو أردنا أن نستشهد بالتاريخ فسنجد بين ثناياه محطات عديدة، كانت إيران تغزو فيها العراق، وتتواطأ أحيانا مع الأجنبي ضده وكانت تقوم بالأساليب نفسها كلما سنحت لها الفرصة؛ لكنها بالمحصلة لم يكن يطول بها المقام على أرضه، وكانت تخرج منه كما دخلت إليه، وهكذا دواليك.. وأنا شخصيا كنت أحدث نفسي دائما بالقول: لماذا لم تتمكن إيران من البقاء طويلا في العراق مثل الآخرين؟! فالمعلوم أن العراق حكم من قبل غير أهله مددا طويلة، فحكم من قبل الأمويين لمائة سنة تقريبا، وحكم من قبل العباسيين لأكثر من خمسمائة سنة، وحكم بنحو ذلك من قبل العثمانيين، وبقي لكل من حكمه آثار على أرضه تدل عليه، وتذكر الناس بعهده، مع أنهم جميعا من أصول غير عراقية، ولكنه لم يكن يحكم من قبل الإيرانيين سوی مدد قصيرة، وحين كان الإيرانيون يضطرون للخروج من أرضه كان وجودهم ونفوذهم يتلاشيان تماما، ولا يبقى لهم أثر ، أو ذكر طيب

فكنت أسائل نفسي لم كان ذلك يحدث؟!، وإيران دولة ليست عادية، فهي تمتلك حضارة قديمة جدا، وأهلها مميزون بالذكاء والدهاء، ولا تنقصهم الخبرة، والقدرة على المطاولة، والتأثير في الآخرين، والذي تبين لي أن إيران حين كانت تدخل العراق لم تكن تمارس أعمالا إيجابية كما فعل الآخرون، فلم تقدم للناس ما يجعلهم يشعرون نحوها بالرضا، من بناء وإعمار، وسن قوانين عادلة، وغير ذلك، بل كانت تدخل بعقلية الطامع، وبعقلية المنتقم -كما بينا- فتتورط في شتى الموبقات، ولذا كانت تخرج بعد كل تدخل لها بمدد قصيرة، ولا تستطيع الصمود في البقاء لفترة طويلة.

أما انقطاع أثرها فله أسباب منها -في تقديري- ما كان يرويه الآباء والأجداد للأبناء والأحفاد من قصص مروعة لما كان تفعله إيران بالعراقيين، سواء من قبل عناصرها مباشرة أو من قبل من كانوا يدينون لها بالولاء من العراقيين أنفسهم، وكانت هذه القصص تحدث ردود أفعال عنيفة تجاه الإيرانيين، فتنتج قطيعة تاريخية بين الجارين لآماد طويلة، كما كانت تؤثر على مذهب التشيع نفسه، لأن زعم إيران المتكرر أنها راعية للمذهب الشيعي، وحامية له، واستنادها إلى ذريعة حماية الشيعة عقب كل تدخل لها في المنطقة كان يدفع الناس للاعتقاد أن التشيع من صنيعها، والمعلوم أن أصل التشيع عربي ولا علاقة له بإيران، ولكن هذا ما كان يسود من الفهم بين الناس بسبب ادعاءات إيران المتكررة فينقم الشعب العراقي بسبب ذلك على التشيع نفسه، وقد لاحظت أنه بعد كل حقبة تاريخية تدخل فيها إيران إلى المنطقة ثم تخرج منها، يشهد التشيع إثرها انحسارا ملحوظا، ويمتد ذلك الانحسار لأجيال، وأحيانا لمئات السنين. واليوم أسأل نفسي أيضا: كان ذلك يحدث بسبب قصص ترويها الأجيال بعضها لبعض شفاها معتمدة على شهود العيان فقط من غير أدلة مادية أخرى، فماذا سيحدث في المرحلة القادمة حين تروي أجيالنا لأبنائها وأحفادها قصصا مروعة لما فعله الموالون لإيران بالعراقيين من موبقات، موثقة هذه المرة بالصوت والصورة في وقت أصبح الوصول فيه إلى الصوت والصورة بسبب التقنيات الحديثة أسهل من الحصول على كوب ماء؟!

انظر مثلا الأحداث في الوقت الراهن؛ احتل العراق من قبل الأمريكيين، وأعلن قادة إيران جهارا نهارا وبصريح العبارة أنهم أعانوا على احتلال البلاد، ولم يكتموا ذلك، ولم يفكروا بالأثر السلبي الذي تتركه مثل هذه التصريحات على نفوس الشعب العراقي، ثم جاءت الحكومات المتعاقبة وأظهرت إيران الدعم الكبير لها والدفاع عنها، وانتهى الحال بهذه الحكومات إلى أن يجعلوا من العراق أنموذجا لفشل غير مسبوق في تاريخه المعاصر، وتجسد هذا الفشل في أن العراق لم يعد مثلًا لدولة مواطنة ومؤسسات وإنما دولة مكونات طائفية وعرقية يتكرس فيها التناقض وبالتالي الصراع المذهبي وينتشر فيها التهميش والترهيب الطائفي، هذا فضلا عن انتشار ثقافة الفساد بين ربوعه وبلوغ الفساد المالي والإداري والسياسي مبلغ الذروة بين حاكميه، ناهيك عن أخذهم بسياسة الإدارة بالأزمة سبيلا للتغطية على العجز والفشل الداخلي لديهم، زد على ذلك أن أداء المسؤولين العراقيّين المقربين من إيران كان محصوراً بالشقّ الأمنيّ أو السياسيّ وحسب، وكانوا في معظم الأحيان يقدمون مصالح إيران على مصالح بلدهم حتى تسببوا في انعدام التوازن المقبول في العلاقات بين العراق وإيران على شتى الصعد حتى في العلاقات التجاريّة وفي مجال الزراعة والصناعة أيضا، وقد أدّى ذلك كله وغيره إلى تذمّر رجال الأعمال العراقيّين وأرباب الزراعة والصناعة إلى الحد الذي كانوا يعلنون فيه أن إيران تعمل على خنق الصناعة والزراعة في العراق عن سابق عمد وإصرار، ومازالت إيران على الرغم من ذلك داعمة لهذه الطبقة السياسية، تحتضنها، وتدافع عنها، وتروج لها في الإعلام والمحافل الدولية؛ والشعب يبصر ذلك بأم عينيه، ويتلمس واقعه سنة بعد أخرى، وكما تعلم فإن وسائل الإعلام الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي لم تعد تترك اليوم من المستور شيئا إلا وكشفته، فمن الطبيعي أن تخسر إيران بهذه السياسة موقف الشعب العراقي؛ ومن يخسر موقف الشعب يخسر المستقبل مع العراق.

وأنت الآن لو قمت باستقراء عن رأي الشعب العراقي بإيران ستدهش من ردة الفعل، وقد أجرى (المعهد المستقلّ لدراسات الإدارة والمجتمع المدني) استطلاعاً سنة 2020م حول نظرة العراقيين إلى إيران، وانتهى إلى أنّ النظرة الإيجابيّة للعراقيّين تجاه إيران آخذة بالانخفاض الشديد.

وفي ندوة عقدها (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) قال رئيس المعهد الدكتور منقذ داغر إنّه "على العموم، لا يفضّل العراقيّون إيران ولا الولايات المتحدة، لكن للمرّة الأولى منذ فترة طويلة نرى تفضيل الولايات المتحدة بين العراقيين يبلغ ضعف تفضيل إيران". ووصف ذلك بأنّه "ظاهرة جديدة في المسرح السياسيّ العراقيّ". وبيّنت النتائج حينها أنّ 15 في المئة فقط من العراقيّين قيّموا إيران بإيجابيّة، كما مثّلت النظرة الإيجابيّة للعراقيّين تجاه إيران في 2020م انخفاضاً بنسبة 55 في المئة عن نتائج 2017م.

وقد كنت استشرفت ذلك في وقت مبكر جدا، فقد سئلت في صحيفة الحقائق اللندنية بتاريخ: 3/3/2006م عن التدخل الإيراني في العراق، فقلت مختصرا الجواب فيما يأتي: "نحن نعتقد ان إيران تربح الوضع الراهن في العراق، لكنها تخسر مستقبله".

الميثاق: دكتور.. سؤال أخير.. وارجو الاختصار في الإجابة: هل تعتقد أن إيران يمكن ان تتراجع عن سياساتها الخاطئة في العراق؟

د. الفيضي: المعروف عن إيران أنها لا تنفك عن سياسة الحافات، فهي تتظاهر بالقوة أمام خصومها، وتبدي الجلادة والصبر، وتمعن في النيل من خصمها ما استطاعت إلى ذلك من سبيل، فإذا ما أحست أن الخصم عازم على الرد بقوة، وأنه يملك القدرة على فعل ذلك فإنها سرعان ما تتراجع عن مكاسبها مهما كانت، وعن الحلفاء الذين استعملتهم أدوات في نوال تلك المكاسب، وهذا يعني أن إيران من الممكن ان تتراجع في أي وقت يعتريها فيه مثل هذا المأزق.

وعلى كل حال يمكن القول: إن الكرة في ملعب إيران حاليا، فالوقت -على ما أرى- ينفد، والتغيير قادم لا محالة، فبقاء هذه الحال من المحال، وإيران جار جغرافي شئنا أم أبينا، وشاءت هي أم أبت، ولا مصلحة للطرفين في وضع يكيد فيه كلّ جار للآخر، ويستعين بالأجنبي عليه، ويستغل محنته وضعفه، ويستنزف طاقاته وموارده؛ فإذا أرادت إيران تغيير سياساتها جذريا، والتعامل بإيجابية مع الشعب العراقي فلتفعل ذلك من الآن، وقبل أن يفوت الأوان.

مقالات متعلقة