حوار الميثاق مع الأستاذة هبة عبد الوهاب الفدعم
(باحثة في قضايا الشرق الأوسط الاجتماعية والسياسية)
الميثاق| كيف تقرئين مخرجات زيارة السوداني لواشنطن؟
الفدعم| بإلقاء نظرة عامة وشاملة على الزيارة, فإن الزيارة في حقيقتها كانت استدعاء للسوداني، الذي انتظر هذا الاستدعاء وقتا طويلا لكنه لم يتحقق بسبب عدم وجود رغبة أمريكية لعقد هذا اللقاء، وربما تظهر من خلال البروتوكولات أنها زيارة ناجحة من الناحية الشكلية لكن في الحقيقة هي استمرار في ضرب السيادة العراقية المفقودة، التي تم إعدامها من خلال الاحتلال الأمريكي والإيراني
زيارة السوداني إلى واشنطن في هذه الفترة الحرجة التي تعتري العلاقات العراقية الأمريكية وسط صخب بعض القوى السياسية المدعومة من إيران والتي تتحرك بأوامر إيرانية للمشاغبة حول الوجود الأمريكي في العراق أيا كان شكله كان تحديا حقيقا للسوداني في محاولة منه لإرضاء الطرفين الأمريكي والإيراني ومن خلالهما تكون الأدوات وسيطر عليها.
الزيارة ربما تكون ناجحة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي استطاعت أن توصل رسالتها باستمرار احتلالها وتعزيز وجودها الإستراتيجي والاقتصادي في العراق، واستطاعت أن ترسل رسائل مباشرة إلى غرامائها في العراق وعلى لسان محمد شياع السوداني, حيث إنه وفي كل لقاءاته دائما ما كان يستهل حديثه بالمعاهدات والاتفاقيات التي تم إبرامها بين الطرفين الأمريكي والعراقي وبما يعزز المصالح المشتركة (المستدامة) بين الطرفين.
لذلك فإن هذه الزيارة وفق المعطيات التي أنتجتها شكليا تعتبر جيدة للولايات المتحدة الأمريكية واستمرار وجودها واحتلالها العراق ومضرة بالنسبة للعراق ومستقبل شعبه.
الميثاق| هناك من عد زيارته لواشنطن إذعان للشروط والإملاءات الأمريكية، كيف؟
الفدعم| بالتأكيد إن الولايات المتحدة الأمريكية متنفذة في العراق ومتغولة فيه بل هي تحتل العراق وتتحكم به بالقضايا الإستراتيجية وعلى جميع الأصعدة وليس فقط على الصعيد الأمني أو العسكري, لذلك أمريكا حريصة على أن ترعى وجودها ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط والتي يعتبر العراق عاملا مهما ومركزيا لهذا الوجود الأمريكي, أضف لذلك هذا الوجود أو الهيمنة لها غريمة وهي إيران, ووجودهما في العراق هو في إطار التخادم بين الطرفين لتدمير العراق، وإن كان ظاهر الأمر يمثل خطرا حقيقيا للولايات المتحدة الأمريكية وخصوصا أنها حليف إقليمي قوي لقطب آخر من أقطاب القوى العالمية (روسيا), لكن مع ذلك في العراق تجد مصالح الطرفين تسير وفق ما يريدونه في العراق، عملية سياسية جلبتها أمريكا وفرضتها على الشعب العراقي وأوكلت رعايتها لإيران واحتلال مستمر في إطار الاتفاقات والمعاهدات التي تبرمها مع السلطات الحكومية في العراق
أما المشاغبات التي تجري هنا وهناك فهي رسائل إيرانية لأمريكا عن طريق أدواتها الميليشياوية في العراق، لأن أمريكا لديها ملفات كثيرة ومتعددة وفيها ما هو متضاد مع إيران في أماكن أخرى غير العراق، ولذلك تظهر الولايات المتحدة الأمريكية أمام جبهات عديدة مفتوحة عالميا وإقليميا أيضا, وبما أن العراق بمكانته الجيوسياسية في المنطقة يلعب دورا مهما (بما يخص مصالح القوى الإقليمية والعالمية طبعا) كان لا بد للولايات المتحدة الأمريكية أن تملي بنود جديدة وقواعد بما يخص علاقتها بالعراق في الوقت الراهن وهذا ما حققته من خلال استدعاء السوداني الذي خرج مكتفيا بالإملاءات الأمريكية من غير تحقيق مكاسب تذكر ولعل أبرزها وضع خطة وجدولة للانسحاب الأمريكي.
الميثاق| ولكن هل يمكن للسوداني أن ينفذ الاتفاقيات مع واشنطن في ظل تعدد مصادر القرار في العراق؟
الفدعم| بالرجوع إلى سؤالكم الأول عن مخرجات زيارة السوداني وما حققته هذه الزيارة للطرفين, كانت نتيجة هذه الزيارة ناجحة من الناحية الشكلية بالنسبة لأمريكا, لكن هذا النجاح ما لبث أن يصطدم بالمصالح المضادة للولايات المتحدة الأمريكية في العراق. الصراع الآن أصبح بشكل مباشر بين إسرائيل وإيران خصوصا بعد سلسلة الهجمات التي شنتها إسرائيل على إيران على السفارة الإيرانية في سوريا وقبلها استهداف قادتها والهجمات على المفاعل النووية الإيرانية، ورغم الضربات الموجعة لإيران إلا أن إيران لم تستطع أن ترد إلا بأخذ موافقة أمريكا لحفظ ماء وجهها بأنها ستضرب ضربة صاروخية وعبر الطيارات المسيرة الأراضي الفلسطينية المحتلة وبعد تعهدها بعدم الإضرار بالمحتل الإسرائيلي والبنية التحتية للكيان الصهيوني فخرجت بفرقعة إعلامية بائسة شاهدها الكثيرون ولم تنطل على الشعوب العربية التي أصبحت تعي كذب إيران في ادعائها العداء لأمريكا والكيان الصهيوني.
أما الاتفاقات التي تم أبرمتها أمريكا مع حكومة السوداني فهي تأتي في إطار التأجيل، بمعنى إبقاء الأمور على ما هي عليه في الوقت الراهن إلى حين وجود رؤية ووفرة أمريكية لمناقشة وضع العراق، لأن القرار في العراق لا يمكن لحكومة السوداني أن تنفرد به مع وجود إيران التي تملك وجودا فعليا وحقيقيا وعميقا جدا في الوضع السياسي الداخلي والخارجي العراقي, وهنا تكمن مشكلة السوداني والتحدي الحقيقي الذي سيظهر إلى العلن في حال تم تنفيذ هذه الاتفاقيات التي تريدها أمريكا من العراق، لذلك ما يهم أمريكا هو وجودها واحتلالها للعراق وواجب حكومة السوداني حماية القواعد الأمريكية ورعاية مصالحها في العراق وهذا متحقق، وأيضا استمرار العملية السياسية الحالية، وضبط إيصال العملة الأجنبية إلى إيران وليس المقصود منعها وإنما ضبطها بحسب التوجيهات الأمريكية، وربما هذه الأخيرة هي ما لم تفلح بها حكومة السوداني.
أمريكا وإيران تظهران خلافا بينهما بشكل مباشرة وصريح, لكن الحقيقة بينهما تفاهمات عميقة وخطوات محسوبة من كلا الطرفين، وفي هذا الإطار يأتي تصريح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جو بايدن عند لقائه الأول برئيس حكومة الإطار محمد شياع السوداني حين قال (نحن ندعم إسرائيل), ومقابل هذا تعلن إيران ووكلائها في العراق ولبنان وسوريا ومؤخرا وقوفها مع حماس عن طريق محور المقاومة المزعوم، تعلن أنها ضد إسرائيل لكن الحقيقة غير هذه لأن إيران تهدد إسرائيل لكنها على أرض الواقع وعمليا تضرب بالبلاد العربية الإسلامية وتحاول خلق صراعات داخل هذه البلدان من أجل تحقيق مصالحها وخدمة للكيان الصهيوني.
الميثاق| في مفارقة سياسية إن إيران تعمل على الهيمنة والاستحواذ على العراق وفي المقابل تضغط أمريكا على تقليص الدور الإيراني ما هي خيارات السوداني في التعاطي مع الموقفين؟
الفدعم| في الحقيقة وضع رئيس حكومة الإطار محمد السوداني حرج وليس بالسهل, نحن نعلم جميعنا وكلنا على يقين بأن كل رئيس حكومة في العراق جاء بعد الغزو الأمريكي للعراق هو ليس سوى حاملا لهذا اللقب, أما فيما يخص الصراع الدولي والإقليمي على الوجود في العراق فهذا موضوع لا يملك فيها أي مسؤول عراقي أمرها أو التدخل فيها؛ لذلك فخيارات السوداني ومنذ بداية رئاسته كانت هي في إطار أن يمثل دور الوسيط وأن يتبع سياسة مسك العصا من الوسط, هذه السياسة أعطت انطباعا وصورة بأن الحلقة الأضعف في حلقة الصراع في العراق هو العراق نفسه، فلا يستطيع السوداني تنفيذ الاتفاقات الأمريكية بدون موافقة إيران مثلا، ولا يستطيع اتخاذ قرارا يضر بالمصالح الأمريكية خوفا منها، ولذلك يمكن وصفه بأنه ساعي بريد بين الطرفين الأمريكي والإيراني.
الميثاق| هناك من يشكك في قدرة السوداني على تفكيك الميليشيات المسلحة الموالية لإيران في العراق، خصوصا أنها هي من أتت به للسلطة؟
الفدعم| ايران استطاعت أن تتغول بقوة وبعمق في العراق وعلى جميع الأصعدة, السيطرة الإيرانية للعراق قبل كل شيء هي سيطرة عقائدية وهذه من وجهة نظري أخطر وأعمق من أي سيطرة أو وجود أو أي احتلال عسكري آخر. هذا التغول في العراق لم يكن وليد اليوم والبارحة وإنما بدأ منذ اللحظة الأولى للغزو الأمريكي للعراق, هذا من ناحية, من ناحية أخرى لا يمكن أن نغفل نقطة جوهرية وهي أن السوداني جاء كمرشح الإطار التنسيقي الذي هو في الأساس الوكيل الأقوى والأشرس لإيران في العراق, هذا الإطار هو من يملك الفصائل والميليشيات المسلحة المدعومة من إيران والتي تعتبر أحد أهم أذرع إيران في المنطقة، لذلك فإن الحديث عن تفكيك الميليشيات موضوع أكبر بكثير من سلطة رئيس وزراء هو بالأساس جاء عن طرق قوى سياسية تملك هذه الأجنحة العسكرية، وحتى السوداني نفسه لا يفكر في الوقوف ضد أهداف الميليشيات، لأنه يعلم جيدا أنه يعتبر منها وإن ظهر بأنه مستقل! لذلك أرى أن القدرة معدومة بسبب عدم وجود نية في مواجهة الميليشيات بل الحاصل هو عكس ذلك لأن السوداني أصبح يدعم هذه الميليشيات بشكل مباشر من خلال تسليمهم مسؤوليات في حكومته فمنهم الوزير ومنهم المدير العام ومنهم من تسنم إدارة الجامعات وبدأوا يفرضون أجنداتهم داخل المؤسسات الحكومية وهذا من أخطر من يقوم به السوداني حاليا.
الميثاق| رغم مزاعم دعوات ما يسمى بمحور المقاومة بإخراج القوات الأمريكية والناتو من العراق في حين عدها آخرون تدليس وتضليل، أين تكمن الحقيقة في مصيرها على الأرض؟
الفدعم| الوجود الأمريكي في العراق لا يقتصر على الجانب الأمني والعسكري أبدًا وهذا بالفعل ما تكلم عنه رئيس حكومة الإطار محمد شياع في لقائه في ندوة عقدت في واشنطن العاصمة في المعهد الأطلسي لسياسات الشرق الأوسط, حيث إنه أكد على أن العلاقة (الوجود) الأمريكي هو يشمل مجالات مختلفة بما فيها الاقتصادي والتعليمي والبيئي ومجالات الطاقة, والاستثمارات وغيرها من المجالات التي تعتبرها أمريكا غنيمة وأنها من نصيبها الذي لا يمكن المساومة عليه في العراق؛ لأنها هي من أتت بهذه الوجوه إلى السلطة وهي من تدعم وجودها.
أما محاولة إخراجها والمطالبة بذلك هي حاليا مساعي إيرانية لأن إيران تريد الاستفراد باحتلال العراق وتقديم الجزية العراقية لأمريكا من خيرات الشعب العراقي، من خلال وجود الميليشيات والأحزاب التي أوكلت إليها مهمة إدارة العراق شكليا وفي إطار محدد، علما أن من قاتل الاحتلال الأمريكي وسعى لإخراجه حقيقة وعمليا في المقاومة العراقية التي وقفت أمام مشروع أمريكا وإيران في العراق والمنطقة وأوقعت خسائر فادحة في قوات الاحتلال الأمريكية واستطاعت إيقاف مشروع الشرق الأوسط الجديد، لكن هذه الأحزاب وميليشياتها ومن خلفهم إيران تعاونت مع الاحتلال الأمريكي للقضاء على المقاومة العراقية من خلال إثارة الفتن الطائفية والأعمال الإرهابية والإجرامية التي كانوا يقومون بها في العراق والتي راح ضحيتها آلاف العراقيين الأبرياء، ما أريد أن أوضحه هو أن إيران والأحزاب الحاكمة في العراق وميليشياتها ساعدت أمريكا في استمرار احتلال العراق فلا يمكن لهذه الأدوات أن تكون جادة في إخراج الاحتلال من العراق وهي من ساهمت في استمراره.
ولو فرضنا جدلا أنهم يريدون إخراج أمريكا من العراق لصالح إيران وليس لصالح العراق وشعبه، فهذا الأمر في ظل وجود العملية السياسية الحالية وميليشياتها فهو أمر لا يمكن تحقيقه لأسباب كثيرة, ومثله مثل مساعي أمريكا في أن تحيد إيران من العراق، وأن تحجيم وجودها بات صعبا جدا، وذلك لأن إيران كما ذكرنا سابقا وجودها تعمق في الداخل العراقي أيضا وعلى جميع الأصعدة أيضا, فلا يمكن أن نغفل أو أن لا نذكر ونحن نتحدث بهذا الصدد أن هناك الكثير من الشواهد التي تدعم فكرة أن وجود كلا القوتين يخدم أحدهما الآخر في المنطقة.
الميثاق| في الوقت الذي تتعمق فيه هيمنة الميليشيات المسلحة على النظام السياسي والحكومي كيف الحديث عن الديمقراطية والتعددية السياسية التي تروج لها السلطات؟
الفدعم| الديمقراطية مفهوم يجب إعادة صياغته وتعريفه في العراق, هذا المفهوم الحاضر الغائب دائما, لأنه في الحقيقة لا توجد ديمقراطية على أرض الواقع في العراق وهذا ما أثبتته الكثير من الأحداث الأخيرة بدءا بثورة تشرين وانتهاءً بالانتهاكات الأخيرة بحق الصحفيين والنشطاء الاجتماعيين والسياسيين في العراق, سياسة تكميم الأفواه عادت إلى الظهور وبقوة خصوصا في الآونة الأخيرة مع مجمل الفوضى التي تعتري المشهد العام الإقليمي والداخلي العراقي.
والتقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية وضح ذلك من خلال تسليطه الضوء على الإعدامات الأخيرة التي قامت بها الحكومة العراقية ضد 13 متهما في يوم 22 من الشهر الماضي في سجن الناصرية العام. وأيضا يساور منظمة العفو الدولية القلق من احتمال إعدام عدد أكبر من الأشخاص سراً وسط انعدام مثير للقلق وللشفافية فيما يتعلق بعمليات الإعدام في العراق في الأشهر الأخيرة. وكانت مصادر أمنية قد أكدت لوسائل الإعلام في وقت سابق إعدام 13 رجلاً في 25 ديسمبر/كانون الأول– وهي أول عملية إعدام جماعي مسجلة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020. النشطاء والمحامين الذين يمثلون السجناء المحكوم عليهم بالإعدام قالوا لمنظمة العفو الدولية إن عشرات آخرين أُعدموا منذ 10 أبريل/نيسان. وأن السلطات لم تقدم إشعاراً مسبقاً للسجناء أو أسرهم ومحاميهم. وعليه في الديمقراطية في العراق ليست سوى شعار ولا يتعدى أن يكون حبر على ورق وقد صرحت منظمة العفو الدولية قائلة: "إن عمليات الإعدام التي يتم تنفيذها بعد محاكمات لا تفي بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان قد ترقى إلى مستوى الحرمان التعسفي من الحياة. ويجب على الحكومة العراقية أن تعلن فوراً وقفاً رسمياً لتنفيذ أحكام الإعدام، وأن تعمل على إلغاء عقوبة الإعدام بالكامل.
الميثاق| انتهاكات حقوق الإنسان في العراق مستمرة سواء بالاعتقالات أو الإعدامات أو تقيد حرية التعبير مع تجاهل كامل لكل تقارير المنظمات المحلية والدولية التي تطالب السلطات الحكومية بإيقاف هذه الانتهاكات، كيف تقيمون ذلك؟
الفدعم| هذا الشيء حقيقي وجلي وواضح للعيان والشارع العراقي شاهد على هذا الشيء, سياسة تكميم الأفواه ومحاربة الآراء والأصوات التي تنتقد الخروقات في السياسة الداخلية والخارجية وكذلك الحديث عن عمليات الفساد الكبيرة التي تحتل وتتصدر المشهد العراقي الحالي وارتباطها بقوى سياسية حقيقة موجودة ومتنفذة في العراق أصبحت من المحرمات أو بالأحرى أصبحت تجرم مثل هكذا انتقادات. هذا بحد ذاته خيبة أمل كبيرة للعراقيين وبالتالي فقدان آخر بريق للثقة من المواطن العراقي تجاه العملية السياسية ومن فيها.
الكثير من المنظمات الداعمة لحقوق الإنسان العراقية وغير العراقية بالفعل قلقة من تزايد هذا القمع , حيث إن المرصد العراقي لحقوق الإنسان صرح عن أنه في الأيام المقبلة يستعد مجلس النواب العراقي للتصويت على مشروع قانون بما يخص حرية التعبير والتظاهر السلمي وهذا بحد ذاته يعتبر محاولة صريحة لا لبس فيها تغييب من خلالها المجتمع المدني. هذا القرار إذا ما تم فإنه سيخلق فضاءً جديدًا من قمع الحريات في المجتمع العراقي لا يشبه سابقاته.
الميثاق| الإصلاح الحقيقي لبناء نظام سياسي وتحديد شكله يتطلب تحقيق العدالة وإعادة النظر بما يسمى بالعملية السياسية وإلغاء المحاصصة الطائفية وحكم القانون وتحقيق العدالة، هل تعتقدين هذه الاشتراطات متوفرة لتحديد شكل ومستقبل النظام؟
الفدعم| في الحقيقة وهذا ما تظهره الأحداث الأخيرة في المشهد السياسي العراقي الحالي, فإن الانقسامات والتحالفات الجديدة على الساحة عززت المحاصصة الطائفية, بل بالعكس أصبحت الهويات الفرعية هي السائدة والطاغية على الهوية العراقية الوطنية. هناك الكثير من الأصوات الوطنية الآن التي تطالب بـ (الإقليم السني) أسوة بإقليم كردستان وباعتباره حق أقره الدستور، لذلك فإن المحاصصة الطائفية والتعددية هي التي تتسيد المشهد السياسي العراقي الداخلي.
الحديث عن التغيير الداخلي في العراق وفي هذا الوقت الراهن الذي يحاط بالعديد من الأزمات الداخلية التي هي على المحك والإقليمية, لا أتوقع حصوله حاليا القوى الداخلة بالصراع لن تقبل بتأجيج أزمات داخلية لأن هذه الأزمات مع جو الحرب السائد في المنطقة سيؤدي الى انفجار كبير لا يمكن السيطرة عليه لا من القوى الإقليمية ولا الدولية. هناك العديد من الأزمات الجاهزة جدا والتي ما أن حدث فراغ سياسي ستجد لها طريق للظهور إلى الساحة, وهذا السيناريو غير معلوم أبعاده وتأثيراته على العراق والمنطقة، ولذلك لا ترغب السلطات الحالية ولا الإقليمية ولا الدولية بأي تغيير غير محسوب حتى ولو يصب في مصلحة العراق لأنه كما أسلفنا سابقا العراق مسلوب الإرادة والسيادة بسبب العملية السياسية وأحزابها وميليشياتها التي ألقت العراق في بئر عميق مظلم وهي مستمرة في تدميره وإنهائه بشكل كامل تحقيقا لرغبات دولية.
الميثاق| هل تعتقدين أن الطبقة السياسية في وارد تحقيق شروط عادلة وواقعية لإعادة النظرة الشاملة/ أم أنها ترفض هذا التموضع السياسي الجديد؟
الفدعم| الطبقة السياسية في العراق لا تمثل من الأساس لا مصالح العراق ولا العراقيين, هي تمثل مصالح الجهات الداخلية والإقليمية التي جاءت بها إلى سدة الحكم, لذلك فإن أي تغيير سيحصل (وهذا وإن حصل) سيكون في محصلة مصالح الجهات المستفيدة من هذا الوضع السياسي الحالي في العراق. العراق يراد له في هذا الوقت الحالي أن يكون بهذا الشكل! ومن يقوم بهذه المهمة هي الطبقة السياسية الحاكة وميليشياتها.
الميثاق| إلى أين يتجه المسار السياسي وموجباته في ظل أزمات متداولة من دون أفق لحلها؟
الفدعم| في الحقيقة العراق مر بأزمات أكبر وأكثر تأثيرا على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي, ما مرت سنة منذ الغزو الأمريكي للعراق إلا وكانت تحمل بين طياتها أزمة جديدة مبتكرة. لذلك فإن حل هذه الأزمات أيا كانت وكما ذكرت مسبقا سيكون عن طريق إيجاد مخرج يهدف ويصب في مصالح القوى السياسية الداخلية وحلفائهم الإقليميين، ولن يصب في مصلحة العراق وشعبه.
الميثاق| كيف تقيمين الواقع السياسي والاجتماعي للمرأة في العراق ولاسيما ارتفاع حالات الطلاق وتغييب دورها؟
الفدعم| الواقع الاجتماعي بشكل عام وليس في العراق مرهون بشكل مباشر بواقع المرأة وفي جميع المجتمعات وليس فقط المجتمع العراقي. في العراق الوجود النسوي هو ظاهري فقط وشكلي, ولا يتعدى أن يكون ( مسمى وظيفي), دور المرأة يقتصر فقط على مناصب تحتلها وتستطيع من خلالها أن تنفذ أجندة الجهات والأحزاب والقوى السياسية التي جاءت بها, وأتمنى أن أكون مخطئة في هذا الرأي.
أما فيما يخص الوضع الاجتماعي العام فللأسف الوضع العام الذي يخيم على وضع المرأة في العراق مشابه لكل المجتمعات العربية بل أسوء. للأسف ماضي المرأة العربية كان أكثر إشراقا وتأثيرا في المجتمعات العربية مما نعيشه حاليا. الأزمات السياسية والاقتصادية كان لها تأثير كبير ومباشر على واقع المرأة الاجتماعي والتعليمي، والعراق يحظى بنصيب كبير من هذه التأثيرات.
الميثاق| يحاول السوداني في نهجه مسك العصى من الوسط في تعاطيه مع أزمات المنطقة إلا أنه يذر الرماد في العيون بانحيازه لإيران والتغاضي عن حلفائها بالعراق؟ كيف تنظرين لهذا الانحياز؟
الفدعم| حكومة السوداني في الأساس جاءت عن طريق الإطار التنسيقي الذي يملك مليشيات وفصائل مسلحة والتي هي جزء مما تسمى (محور المقاومة) المزعوم وأحد أذرع إيران في المنطقة, هذا ما يفرضه الواقع وما تفرضه الحقيقة أيضا. ومع ذلك كانت حكومة السوداني ومثلما ذكرنا سابقا تحاول جاهدة التعامل بدبلوماسية وحيادية, وهذا ما ذكره رئيس حكومة الإطار السوداني في المؤتمر الذي أقيم في العاصمة الأمريكية واشنطن, حيث إنه قال إن العراق تربطه علاقات إستراتيجية وأمنية واقتصادية مع كل من إيران وأمريكا وبغض النظر عن الصراع المحتدم بين الطرفين الآن العراق يحاول جاهدا الحفاظ على علاقاته مع كلا الطرفين بعيدا عن الصراع والأزمات بينهم. هذه هي وجهة نظر حكومة السوداني تجاه إيران كونها دولة إقليمية لها مع العراق مصالح مشتركة كما هو الحال مع الولايات المتحدة الأمريكية.
الميثاق| هل تعتقدين أن قوات الاحتلال في وارد خروجها من العراق ولماذا؟
الفدعم| بصراحة, الرسائل التي أرسلتها واشنطن من خلال زيارة السوداني الأخيرة, مضافا لها تصريح رئيس الوزراء بأن مجيئه لواشنطن هو للمضي قداما بصفحة جديدة للعلاقات الأمريكية العراقية, إضافة لتصريحات السفيرة الأمريكية في بغداد وإشادتها بالعلاقات الإستراتيجية والأمنية بين كلا الطرفين وسعي العراق للحفاظ على استدامة هذه العلاقة, كلها مؤشرات تعزز وتدعم الوجود الأمريكي في العراق. الوجود الأمريكي وكما ذكر السوداني في أكثر من مرة لا يقتصر على الوجود الأمني والعسكري وإنما يتعداه ليشمل مصالح للبلدين مشتركة تشمل أصعدة كثيرة جدا. هذه المؤشرات تدل على عمق الوجود الأمريكي في العراق بمعنى لا نية للاحتلال من الانسحاب من العراق وأن وجوده دائم، خصوصا أن النظام السياسي الحالي هو مرتبط باستمرار الاحتلال الأمريكي وفي حال حصلت ثورة عراقية عندها ممكن أن توضع مسألة انسحاب الاحتلال الأمريكي ومعه الإيراني من العراق. ولدينا مثال ونموذج واضح بهذا الإطار وهو النموذج الأفغاني.
الميثاق| بعد 21 عاما على غزو واحتلال العراق، كيف يبدو العراق بعد تداعياته خلال السنوات الماضية؟
الفدعم| العراق وبعد هذه السنين الطويلة التي عانى فيها من أزمات حقيقة ومزمنة خارجية وداخلية, للأسف أصبح مفككا, تتسيد المجتمع العراقي التعددية والهويات الفرعية بعيدا عن الهوية الوطنية العراقية الجامعة لجميع الأطياف الاجتماعية, الانقسامات بين القوى السياسي وقوى اللادولة الفاعلة والمؤثرة بالمشهد السياسي العراقي مع غياب واضح للسيادة العراقية, جعلت من المشهد السياسي العراقي العام ضعيفا وهزيلا, وهذا هو ما أريد للعراق أن يكون به في الوضع الراهن.
الميثاق| مازال ملف الكهرباء يخيم على المشهد السياسي رغم هدر 80 مليار لإصلاحه والإصرار على تمديد استيراده من إيران؟
الفدعم| واحدة من النقاط الأساسية والمهمة التي تمت مناقشتها بين حكومة بغداد وواشنطن هو ملف الطاقة بشكل عام بما فيها الكهرباء والغاز, وهذا ما ذكره رئيس حكومة الإطار أكثر من مرة في لقاءاته عند تواجده في أمريكا وأيضا صرح هو بنفسه عن اتفاقية بين الطرفين تخص موضوع الكهرباء وجاءت هذه التصريحات عقب اجتماعه مع كبرى شركات الكهرباء, وبالفعل صرح مكتب السوداني عن توقيع العراق لاتفاقيات مع شركة جنيرال إليكترك, والتي من شأنها تحسين وضع الكهرباء في العراق، ولكن اللافت للنظر أن كل رئيس حكومة بعد الاحتلال يعد بأنه سيحل مشكلة الكهرباء في العراق ويوقع اتفاقيات مع شركة إلكترك الأمريكية وشركة سيمنز الألمانية اتفاقات لحل مشكلة الكهرباء ثم يذهب ويأتي رئيس حكومة جديدة ويعيد نفس الفيلم الذي أصبح ممجوجا وباهتا في نظر العراقيين.
في الحقيقة هناك هوة كبيرة بين ما يحدث من اتفاقيات وبين تطبيق هذه الاتفاقيات على أرض الواقع وفقا لما يعانيه العراق من انعكاس لأزمات قوة خارجية وتضارب مصالح قوى عالمية ودولية مما تعكس ظلال سلبية على الواقع العراقي.
الميثاق| يعاني التعليم في العراق من انهيار متواصل وزاده سوءا بتعين مسؤولي الميليشيات الطائفيين عمداء لكليات مهمة؛ كيف تقيمون وضع التعليم وقرارات وزير التعليم الأخيرة؟
الفدعم| واحدة من أسوء العوامل التي أدت بتجهيل الوضع الاجتماعي في العراق هو عامل التعليم. في الحقيقة إن السياسة المتبعة مع موضوع التعليم هي سياسة تجهيل ممنهجة؛ الغرض منها أن يبقى العراق بعيد جدا عن التعليم الحقيقي. ما يحدث الآن في المدارس والجامعات هو محاولة لتثبيت أركان وترسيخ قضايا طائفية خدمة لمصالح أعداء العراق, وهذه الحقيقة أصبحت ظاهرة وبشكل ممقوت، بل أصبحت وزارة التعليم بوزيرها وعمداء كلياتها يتبجحون بها.
واقع التعليم متردي جدا في العراق يشبه تماما باقي الجوانب التي يعاني منها العراق ومن تردي أوضاعها.
الميثاق| ما هي الوسائل الحقيقة لبناء المجتمع العراقي بعد هذا الانهيار المقصود ولاسيما إنهاء الطائفية المقيتة؟
الفدعم| الوسائل الحقيقة والفعالة تبدأ من التعليم, ثم التعليم, ثم التعليم. أيضا النهوض بدور المرأة ومحاولة إرجاع المرأة العراقية لـأخذ دورها الحقيقي والفعال في المجتمع والواقع العراقي, وأيضا استرداد الهوية العراقية الضائعة وسط فيضان الهويات الفرعية التي طغت على الهوية العراقية وأصبحت هي المتسيدة للمشهد. والقضاء على الفساد الإداري الذي استشرى ليس فقط في دوائر ومؤسسات الدولة بل للأسف أصبح هو السائد الآن على جميع مفاصل المجتمع العراقي، واسترداد سيادة العراق داخليا وخارجيا، وإنهاء ما يسمى النظام السياسي الحالية وتحقيق العدالة الاجتماعية وهذا لا يكون إلا من خلال ثورة عراقية حقيقية بكل محافظات العراق لإعادة العراق المسلوب والمسروق لأهله.
ربما هذه الطموحات صعبة المنال في الوضع الراهن الذي يعيشه العراق لكن نأمل بإرجاع العراق إلى جادته الصحيحة وأن يأخذ دوره الحقيقي على المستوى الداخلي وعلى الصعيد الإقليمي أيضا .