الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار الميثاق مع الأستاذة إيناس زايد

حوار الميثاق مع الأستاذة إيناس زايد

(محامية وباحثة في القانون الدولي)

الميثاق| كيف تقيمون ملف حقوق الإنسان في العراق؛ باعتبارك مهتمة كثيرا بالملف العراقي؟

إيناس| للأسف يعاني العراق من أوضاع إنسانية صعبة جدا أدت إلى تراجع مؤشر حقوق الإنسان فيه سواء على صعيد الحقوق المدنية والسياسية أو تلك الاقتصادية والاجتماعية؛ ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق شهدت البلاد العديد من انتهاكات حقوق الإنسان على يد القوات الأمريكية والتي بدورها أورثت انتهاكات أخطر مارستها الميليشيات المسلحة تحت حماية وغطاء من قبل الحكومات العراقية مدعومة بصمت دولي تام الأمر الذي فاقم تلك الانتهاكات ضد المدنيين خاصة مع عدم وجود أي مساءلة عن تلك الانتهاكات الأمر الذي عزز من سياسة الإفلات من العقاب مما جعل انتهاكات حقوق الإنسان في العراق تتجاوز كل الخطوط الحمراء لتصل إلى جرائم ضد الإنسانية.

الميثاق| كيف ينظر القانون الدولي إلى جرائم الإخفاء القسري في العراق؟

إيناس| الاختفاء القسري يعرفه القانون الدولي بأنه الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية الذي يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، بالتزامن مع رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون؛ هذا هو الاختفاء القسري الذي نصت عليه المادة 2 والديباجة من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري .

ويجدر الإشارة إلى أن جريمة الاختفاء القسري بالغالب تترافق مع جرائم أخرى وهي التعذيب والحرمان من المحاكمة العادلة بالإضافة إلى الإعدام خارج نطاق القانون الأمر الذي استوجب إفراد اتفاقية خاصة بهذه الجريمة وهي ما تزال فعالة لغاية يومنا هذا. والعراق بحسب المنظمات الدولية فيه ما بين 250 ألف إلى مليون مخفي قسريا، وهو مؤشر خطير يستوجب تحرك دولي لمعالجة هذا الملف الخطير ولكن للأسف دائما ما يسوف هذا الملف في العراق لأسباب عدة، غالبها يدخل في إطار دعم العملية السياسية مع ما فهيا من مشكلات كبيرة سواء في بنية النظام السياسي المبني على المحاصصة، أو في إدارة الحكومات لشؤون البلاد، وكما أسلفت سابقا أمريكا ارتكبت جرائم كبيرة وكثيرة وانتهاكات خطيرة ولم يحاسبها أحد وهي من أورثت هذه الانتهاكات للحكومات والأحزاب والميليشيات في العراق التي هي مدعومة أمريكيا.

الميثاق| لماذا نلاحظ تجاهل المجتمع الدولي للانتهاكات المتعلقة بالمعتقلين في العراق؟

إيناس| يُفهم التجاهل الدولي للأحداث الحاصلة بالعراق على أنها ازدواجية معايير لدى المؤسسات والمنظمات الدولية؛ فهي لا تتعامل مع كافة الملفات من الناحية الخاصة بالاختفاء القسري أو الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية الذي يتم من قبل الحكومات على قدم من المساواة، وهذا ما نشهده مثلا في العراق بشكل واضح، وهذا يُعد تلونا بالإنسانية وازدواجية في المعايير، وليس دفاعا حقيقيا عن الإنسانية من قبل تلك المنظمات، ويجدر بالذكر أن المادة 2 والديباجة من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري قد حرمت هذا الفعل واعتبرته جريمة ضد الإنسانية، ولكن عندما نجد أن هذه الاتفاقية تتجاهل انتهاكات في بلد معين مثل العراق لا يمكن إلا أن نصف هذا التجاهل وغض الطرف بأنها ازدواجية .

الميثاق| في ظل وجود انتهاك حقوق الإنسان في العراق وتخاذل دولي؛ لماذا نرى موقف الأمم المتحدة ضعيف في الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق وبعض الدول الأخرى؟

إيناس| للأسف الإرادات السياسية للدول العظمى -مثل أمريكا التي تتحكم بالمشهد السياسي في العراق وتدعم نظامه السياسي على الرغم من المساوئ الكثيرة الموجودة فيه-، هذه الدول هي التي تتحكم بمواقف الأمم المتحدة وردات فعلها اتجاه الأحداث الإنسانية؛ وهذا يخالف أساس نشأة الأمم المتحدة التي أخذت على عاتقها حماية الإنسان والدفاع عن حقوقه في العالم كله وليس في بعض الدول واتجاه بعض الشعوب دونما غيرها؛ ولذلك لا يمكن فهم موقف الأمم المتحدة سوى أنه تخاذل وتراجع عن مهامها الأساسية اتجاه الإنسانية المفقودة للشعب العراقي.

الميثاق| الإفلات من العقاب السمة البارزة في العراق لمرتكبي الجرائم بحماية حكومية؛ فهل يمكن ملاحقتهم قانونيا مستقبلا؟

إيناس| الجرائم التي حدثت وما زالت تحدث في العراق كبيرة وكثيرة وهي معلومة وموثق كثير منها وهي تصنف على أنها جرائم ضد الإنسانية، وفي بعض الأحيان جرائم حرب، وهذا النوع من الجرائم لا يمكن أن يسقط بالتقادم حتى وإن مرت عليها عدة سنوات؛ فلا بد من محاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها، ولكن هذا كله يخضع لتطور الأحداث مستقبلا ووجود إرادة حقيقية دولية أو محلية لمحاسبتهم، وإن كان مرتكبوها ما يزالون دون محاسبة ودون عقاب فستبقى الحكومة العراقية مدينة للضحايا وورثتهم بالإنصاف وتحقيق العدالة والتعويض عما حصل لهم حتى يصار إلى تحقيق العدالة الغائبة.

الميثاق| لماذا نلاحظ أن دور بعثة الأمم المتحدة في العراق يرتكز على تقريب وجهات النظر بين السياسين وتتناسى دورها الإنساني؟

إيناس| نعم مع الأسف أن يكون عمل بعثة الأمم المتحدة في العراق بهذا الإطار وتتناسى الأمم المتحدة دورها الأساسي في حماية الإنسانية، وتسعى بدلا من ذلك إلى إرضاء دول وأطراف على حساب الدماء التي تراق في أكثر من مكان في العالم، والتي من ضمنها العراق؛ ولذلك فإنه لا يمكن القول بأن الأمم المتحدة ضليعة بمهامها على أكمل وجه، بل نحن كحقوقيين يجب علينا إعادة النظر في وجود الأمم المتحدة ومراجعة الأساس التي نشأت من أجله وأن يتم استبدالها بذراع أكثر فاعلية وقوة، وإن كانت هذه المطالبات بعيدة المنال حاليا ولكن على الأمم المتحدة أن تراجع حساباتها في هذا الإطار لأن واجبها الأساس هو حماية الإنسانية وهي قد فرطت بها فما الداعي لوجودها إذن! بل إن الأدهى من ذلك أن وجودها أصبح لدعم وحماية منتهكي حقوق الإنسان في العالم، ولذلك أقول عليها مراجعة حساباتها.

الميثاق| يرزخ عشرات الآلاف من المعتقلين العراقيين الأبرياء في السجون بسبب وشاية المخبر السري؛ ما هو رأي القانون بما يسمى المخبر السري؟

إيناس| سياسة المخبر السري هي سياسة مناهضة لكافة حقوق الإنسان التي من أهمها حرية التنقل وحرية التعبير وطالما أن الشخص لا يخالف القوانين التنظيمية الداخلية، وفكرة وجود المخبر السري وإسناد التهم للأشخاص بوشاية منه هي مسألة تتناقض مع فكرة العدالة وفكرة المحاكمة العادلة؛ لأن المخبر السري لا يمتلك صفة الضابطة العدلية أو صفة رسمية تخوله بإسناد التهم إلى المواطنين كما أن هذه الوسيلة قد تستخدم بشكل جزافي لغايات للانتقام وتصفية بعض الشخصيات غير المرغوب فيها خارج نطاق القانون وهذا كله يتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولكن للأسف هذا حاصل وواقع في العراق، ولذلك فمن الواجب إطلاق سراح جميع من تمت محاكمته بوشاية المخبر السري وتعويضه عن الضرر الذي أصابه بسبب الاعتقال والمحاكمة.

الميثاق| السجون العرا4قية تكتظ بالمعتقلين ولا يوجد خيار للمغلوب على أمرهم سوى إقرار قانون العفو العام الذي هو أحد بنود ما يسمى الاتفاقات السياسية لإدارة تحالف الدولة لكنه لم يطبق وسط غضب شعبي وإهمال حكومي؟

إيناس| إصدار قانون العفو العام هو بمثابة اعتراف وإقرار بارتكاب الجريمة من قبل المتهم إلا أن الكثير من المحتجزين والمعتقلين لم ينالوا العدالة في محاكمتهم الأمر الذي يجعل من احتجازهم أمرا غير قانوني ويحتاج إلى إفراج فوري عنهم دون قيد أو شرط مع تعويضهم عن السنوات التي فقدوها داخل السجن.

أما إقرار قانون العفو العام فهو بمثابة إسباغ الصفة القانونية على الأحكام التي صدرت من المحاكم بظروف مشبوهة الأمر الذي يعد تسترا على الجرائم وعلى مرتكبيها تحت غطاء القانون، ومع هذا فنلاحظ أن الحكومات في العراق لا تسير باتجاه تحقيق العدالة وإطلاق سراح الأبرياء على الفور، ولا حتى إقرار قانون العفو الذي تم الاتفاق عليه وكان من ضمن بنود الاتفاقات السياسية لتشكيل الحكومة الحالية حكومة محمد شياع السوداني، خصوصا أن الغالبية التي تنتظر العفو، تم اعتقالهم ومحاكمتهم بدوافع طائفية. فحتى هذه الاتفاقات تتنصل الحكومة في العراق عن الإيفاء بها. فالمشكلة بنظري كبيرة وضحيتها عشرات الآلاف من العراقيين الأبرياء.

الميثاق| ملف حقوق الإنسان في العراق أصبح من أولويات منظمات معنية لدفع الأذى وإنصاف المتضررين؛ فما هي مسؤوليات هذه المنظمات إزاء ما يتعرض له آلاف المعتقلين وأين تكمن جهود غلق هذا الملف الإنساني؟

إيناس| مسؤولية منظمات حقوق الإنسان هي باستنفاد كافة الطرق والوسائل من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان إينما وجد وعلى قدم من المساواة مع الإنسان الآخر ودون تمييز .. وفي سبيل ذلك لا بد من استخدام كافة الأدوات من أدوات قانونية سواء أكانت بإقامة الدعاوى بأسماء المتضررين أو من خلال مخاطبة مجلس حقوق الإنسان أو المقررين الخواص بالأمم المتحدة واللجوء الى الآليات الدولية الأخرى ، أو باستخدام الأدوات السياسية من خلال الضغط على الحكومات من الخارج والمطالبة الدائمة بتحسين أحوال حقوق الإنسان من أجل استمرار الدول بالتعاون مع الحكومة العراقية، وقد يكون هناك أيضا الأدوات الرقمية الاجتماعية التي قد تجعل هناك تكتل مجتمعي مناهض لما يحصل على الأرض وقد ينتج عنه ضغط داخلي من شأنه تغيير الوضع الإنساني وإنهاء الانتهاكات المرتكبة ضد العراقيين.

مقالات متعلقة