حوار الميثاق مع الأستاذ نزار العوصجي رئيس الرابطة الكلدانية العالمية في الأردن
الميثاق| كيف يرى جنابكم أوضاع المسيحيين العراقيين بعد الاحتلال 2003، وما هي أبر معاناتهم؟
العوصجي| مسيحيو العراق يعيشون واقعا مأساويا بعد الاحتلال 2003 ، فما أن بدء العدوان الغاشم البغيض، حتى بدأت الميليشيات والأحزاب والجماعات اللادينية المرتبطة بأجندات خارجية بكافة مسمياتها المباشرة بعمليات الخطف، والاستهداف لدور وأملاك وممتلكات ومحلات رزق هؤلاء المواطنين المسالمين، وسلبها ونهبها والاستيلاء عليها واستغلالها دون وجه حق، بحجج غير شرعية حللتها لهم فتوى تجيز الاستحواذ على مقدرات الغير، بذريعة أنهم بعثيون وأنهم من أزلام النظام الوطني ..
الميثاق| هل أصبح مسيحيو العراق بين الهجرة القسرية والمصير المجهول، من يقف وراء ذلك؟
العوصجي| من المعلوم أن عددا ليس بالقليل من العوائل المسيحية العريقة إبناء العراق الأصليين، قد تركوا منازلهم بعد بداية العدوان الإمبريالي البغيض عملياته العسكرية في غزو العراق ليهاجر كل بحسب إمكانياته المادية، حيث لجأ البعض إلى المحافظات الشمالية في شمال العراق، وهنالك من غادر ارض الوطن ولجأ إلى بلدان دول الجوار، منها الأردن - سوريا - لبنان - تركيا، والبعض الآخر توجه إلى دول أوروبا وأمريكا والعالم طالباً اللجوء الإنساني، لأجل الحفاظ على أرواحهم وسلامة عوائلهم، بحثاً عن الأمن والأمان، بانتظار مصيرهم المجهول، وهذا ما تسعى إليه العصابات والميليشيات المدعومة من أحزاب السلطة ..
الميثاق| ماذا يعني لكم العراق ووحدته؟
العوصجي| المسيحيون العراقيون هم من أصحاب الأرض الأصليين، وهم جزء لا يتجزأ من حضارة العراق التي تمتد إلى أكثر من سبعة آلاف سنة، وعرفوا بإخلاصهم لوطنهم، ولا يجيدون شيئاً في الحياة غير العطاء، محبين للأخرين دون النظر إلى معتقداتهم الدينية والمذهبية، لا يؤمنون بمنطق القتل والاستحواذ على مقدرات الغير، والأهم من كل هذا أنهم ليسوا دمويين، ينبذون الاقتتال ويحرمون إراقة دماء أبناء وطنهم، وهم حريصون اشد الحرص على وحدة العراق وشعبه.
الميثاق| وهل تريدون المحاصصة الطائفية أم الشراكة الوطنية؟
العوصجي| نحن نرفض المحاصصة بكافة أشكالها، ونحزن كثيراً حين نرى أن العراق مقسم على أسس عرقية وقومية ودينية وطائفية ومذهبية، ونتألم حين نرى أن الشعب مخذول بأحزاب وكيانات كبيرة في مسمياتها هزيلة في محتواها، جل همها المناصب والمكاسب على حساب هذا الشعب الجريح، الذي توزع ما بين شهيد راح ضحية أطماع تلك الكيانات والأحزاب، ونازح ومهجر مغلوب على أمره، ومهاجر آثر على نفسه أن يخسر كل شيء إلا الكرامة، ومن بقي منهم في العراق يعيش في ظل خدمات وبنى تحتية تعد هي الأسوأ في العالم ..
الميثاق| أملاك المسيحيين تم الاستيلاء عليها من جهات عدة سياسية وميليشياوية هل يمكن استعادتها؟
العوصجي| لقد صودرت حقوق مسيحيي العراق في العيش بسلام وهددت حياتهم، بعد ان صودرت كرامتهم وقطعت أرزاقهم، بعد أن سلبت ونهبت معظم عقاراتهم وأملاكهم؛ في أغلب المحافظات تم الاستيلاء عليها من جهات عدة سياسية وميليشياوية، مما يصعب إمكانية استعادتها ، لذا اضطر الكثير منهم إلى مغادرة العراق طلباً للأمن والأمان والعيش في دول العالم كلاجئين، يعانون من عوز العيش بكرامة ، ينتظرون المساعدة بعد ان كانوا أسيادًا معززين مكرمين في وطنهم ..
الميثاق| هل أخطأت أمريكا باحتلال العراق وتسليمه لإيران أم إنه مخطط متفق عليه برايك؟
العوصجي| إنه امر مبيت قد اعد له مسبقاً، فما حصل في العراق لم يكن من قبيل الصدفة ، ذلك ما خططوا له منذ زمن ليس بالقريب ، هذا ما إرادته قوى الشر العالمية، وما ساهمت فيه الأجهزة الاستخبارية لدول العدوان بالتنسيق مع المنظمات الأممية في تزيفها للحقيقة ، هذا ما طمحت إليه الصهيونية العالمية، وما خططت له الماسونية منذ أمد بعيد ، هذا ما سعت إليه مافيات الفساد مستخدمةً أدواتها المعروفة لدى الجميع، لقد خططوا ليعيش المواطن العراقي حالة من الفاقة والعوز والذل، في ظل تخبط أداري واقتصادي حكومي ، فلا سيطرة لأحد على ثروات العراق سوى اللصوص، ولن يستفيد الشعب منها بشيء ..
الميثاق| الكاردينال ساكو تم استهدافه بشكل مباشر من قبل السلطات الحكومية؛ ما الأسباب الحقيقية وراء ذلك؟
العوصجي| هذه الخطوة ترمي إلى تدمير النسيج العراقي والضغط على المكون المسيحي بالهجرة وترك العراق، الأمر الذي تتضح معالمه يوماً بعد يوم ليظهر حقيقة ما تخفيه الحكومة الحالية تجاه المسيحيين العراقيين، ليظهر للعيان واضحاً من خلال تجريد المرجع الديني الأكبر لمسيحي العراق من صلاحياته التي منحها له القانون الكنسي، ومن العلوم أن من يقف ورائها هم أعداء العراق بكافة مسمياتهم..
الميثاق| وبماذا تفسرون تواطؤ رئاسة الجمهورية وخضوعها لميليشيات ريان الكلداني في استهدافكم؟
العوصجي| إن قرار رئيس الجمهورية الحالي جاء ليسهل على اللصوص مهمة سرقة أموال الكنيسة وعقارات وأوقاف المسيحيين وممتلكاتهم، وهو خدمة لقوى ميليشياوية مدعومة من جهات تسيطر على مقدرات العراق والعراقيين، يهدف من خلاله إلى إبعاد غبطة البطريرك عن صلاحياته القانونية والكنسية باعتباره قائماً على أملاك الكنيسة وعقاراتها، كونه الشخص الوحيد المنتخب والمخول قانونياً ورسمياً برعاية الوقف المسيحي وإدارة أوقاف المسيحيين .
الميثاق| وما هي بتقديراتكم الآثار الخطيرة المترتبة على سحب المرسوم الجمهوري الخاص بالبطريرك واستهداف أعلى مرجعية كلداني في العراق؟
العوصجي| القرار يعد سابقة لم نشهد لها مثيلاً منذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 والى يومنا هذا، حين أصدر رئيس الجمهورية الحالي مرسوماً يقضي بإلغاء المرسوم رقم 147 لسنة 2013 والخاص بتعيين البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو بطريرك بابل على الكلدان في العراق والعالم، لذا فإن القرار بمثابة إنذار لبدء عملية إفراغ العراق من المكون المسيحي .
الميثاق| كيف تقرأ قرار مجلس القضاء بإمهال نيافة الكاردينال مهلة 48 ساعة للحضور أمام القاضي وإلا سيتم اعتقاله رغم أنه رمزا دينيا لطائفة شريكة في هذا الوطن؟
العوصجي| قرار لاينم عن حكمة، بل هو استهانة بمسيحيي العراق كافة ، كما أنه يعد سابقة خطيرة لم يسبقه إليها أحد، منذ فجر التاريخ وقيام الحياة على أرض وادي الرافدين إلى يومنا هذا ..
الميثاق| كيف تفسر إصرار أكبر مسؤول في "الدولة" ويحمل ما يسمى صفة حامي الدستور على مطاردة رجل دين ذنبه الوحيد أنه وطني ولا يملك ميليشيا مسلحة، ولا حزبا له مصالح مع أحزاب السلطة؟
العوصجي| الأحداث بمجملها تشير إلى أن العراق، يمر بأسوأ مرحلة عبر تأريخه القديم والحديث، منذ نشأته قبل 7000 سنة حتى الساعة، وتعزى الأسباب في ذلك إلى غياب سلطة القانون وانعدام الرقابة، وعدم القدرة الفعلية على التغير سياسياً وإداريا، واليوم نجد أن حديثي العهد بالسياسة يتبجحون بالدعوة إلى ما يسمى بفرض سلطة القانون، رغم إنهم لا يدركون معناه ومفرداته، أو السبيل لتحقيقه على أقل تقدير، ذلك لأنهم ليسوا رجال دولة، لا يمتلكون الخبرة الكافية التي تؤهلهم لتولي المسؤولية في إدارة الدولة ومؤسساتها، هذا ما أثبتته الوقائع خلال العقدين الماضيين.
الميثاق| لماذا نقل مقر البطريركية من بغداد إلى أحد أديرة الكلدان في أربيل وهي سابقة خطيرة ربما تهدد كيان المسيحيين في العراق؟
العوصجي| قرار النقل كان بمثابة احتجاج على القرار التعسفي الذي صدر بحق سيادة البطريرك وليس خوفاً من أحد، لقد عانى مسيحيو العراق الكثير من سوء معاملة الميليشيات الإجرامية بعد الغزو في 2003، حتى وصل الأمر إلى الاستخفاف بهم من قبل راعي الإرهاب الأول، وزارع الفتنة الطائفية، حين وصفهم بالجالية المسيحية في العراق، متناسياً هو وأمثاله من المرتزقة والدخلاء على العراق، أن المسيحيين هم أصحاب الأرض الأصليين ..
الميثاق| هيئة علماء المسلمين من جهات الميثاق الوطني العراقي الرئيسة لم ترض باستهدافه كيف تقيمون ذلك؟
العوصجي| موقف مشرف ومسؤول، ولقد أثنى بطريرك الكنسية الكلدانية في العراق والعالم الكاردنيال مار لويس روفائيل الأول ساكو، على الموقف الإنساني والوطني الذي اتخذته الهيئة بشأن التدخل الحكومي السافر في الشؤون الداخلية للكنيسة الكلدانية، لافتًا إلى أنّ رفض الهيئة للقرار يؤكد على المبادئ السامية في ظل التعايش المتناغم بين العراقيين الذين تجمعهم الهوية العراقية التي لا ترضى إلا بالعدالة والاستقرار والأمان والعيش بكرامة ..
الميثاق| هل يكفي أسف سفارة الفاتيكان في العراق لقرار سحب المرسوم ووصفه بغير اللائق فيما يتعلق بدور غبطة الكاردينال الوصي على ممتلكات الكنيسة الكلدانية؟
العوصجي| لقد حرف كلام سعادة سفير دولة الفاتيكان خلال لقائه رئيس الجمهورية، وقد يكون ذلك خطأً لافتقار الحرفية في عملية الترجمة، على افتراض حسن النية، فما أدلى به سعادة السفير كان امتعاضاً واضحاً للقرار الذي أقدم عليه رئيس الجمهورية ، وان دولة الفاتيكان قلقة جداً ازاء هذا السلوك ، الذي يعد استهدافاً للوجود المسيحي في العراق ..
الميثاق| وما هي الخطوات التي يجب على القيادات الدينية اتخاذها لإنقاذ العراق وما هي نصيحتكم؟
العوصجي| من المعروف أن القيادات الدينية المسيحية تحديداً، تتمتع بالحكمة والصبر على الشدائد والملمات، كما إنها تدعوا باستمرار إلى مراجعة النفس لتلافي الانزلاق إلى المنحدرات، التي قد تؤدي إلى خلق الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، حفاظاً على وحدة الوطن، وهذا ما نأمل من أصحاب القرار السياسي ملاحظته جيداً، إن كانوا حريصين فعلاً وليس قولاً..
الميثاق| ما هي خطواتكم المقبلة لمواجهة هذا المنحى الخطير في استهدافه في ظل غياب موقف حكومي ودور الميليشيات في رفض أي حل يعيد الأمور إلى نصابها؟
العوصجي| الخطورة الحقيقية تكمن في ان كل ما يحصل، يتم أمام أنظار العالم والمنظمات الإنسانية والحقوقية، وسط صمت دولي رهيب، دون أن يحركوا ساكناً لحمايتهم، لهذا نقول : انصفوا مسيحيي العراق ان كنتم حقاً مؤمنين بالله كما تدعون، أعيدوا لهم ما سلب منهم مادياً على اقل تقدير، ذلك لعلمنا بأن حياتهم وكرامتهم التي سلبت منهم لا يمكن أن ترد، كونها الأغلى ولأنها لا تقدر بثمن…