حوار الميثاق مع الأستاذ سالار أربيل
(رئيس مجلس شورى التركمان لبيت تعجيل)
الميثاق| رغم أنهم مكون أصيل في النسيج العراقي لماذا تستهدف إيران وميليشياتها التركمان، أمام صمت دولي مريب؟
سالار| القوى الدولية التي جاءت لإسقاط النظام في ٢٠٠٣ لم يكن في حساباتها، كما أدَّعوا، الإتيان بنظام ديموقراطي تعددي لبناء عراق جديد وفق معايير دولية عصرية بل لم يكن في حسبانهم سوى تدمير البنى التحتية، في جميع المجالات، وإرجاع البلاد عقود إلى الوراء ليتسنى لهم استنزاف ثرواتها والتحكم بها لخدمة سياساتهم ولدوام هذه الحالة يجب الحول دون وصول الوطنيين ورجالات الدولة الحقيقيين إلى سدة الحكم.
وإيران بالطبع إحدى الأدوات الفعّالة لتنفيذ ولو جزء من هذه المهمة في شريحة واسعة من المجتمع العراقي على الأقل، لذلك سمحت تلك القوى لها بهكذا تدخل سافر في شؤون البلاد. وعليه لم تكن الأصالة معيارًا لتشكيل الطبقة السياسية المتنفذة لإدارة البلاد بل العكس تمامًا. فمن الطبيعي أن يكون التركمان من المكونات المهمشة نظرًا لتأريخهم المشرّف وعدم اتِّسامهم بخيانة الدولة والوطن على مدى تأريخهم.
الميثاق| ما هي تداعيات وأسباب التهميش السياسي للتركمان على العراق؟
سالار| يجب الفصل بين شقّي السؤال… أما أسباب التهميش هي ما أشرنا إليه في معرض جوابنا على السؤال السابق فالتركمان، كما جميع المكونات الوطنية الأخرى من المهمشين، لا يمكن الاعتماد عليهم لتنفيذ خططهم الهدّامة وسياساتهم التدميرية للبلاد؛ فتوفر عنصر الخيانة الوطنية والتبعية شرط أساسي لتكون ضمن الطبقة السياسية الحاكمة في هذه المرحلة. بإلقاء نظرة خاطفة على الماضي القريب لتأسيس الدولة العراقية في ١٩٢٠ بعد تقهقر الدولة العثمانية وسيطرة الإنجليز على العراق فإن الثقافة العثمانية لم تزل سائدة حتى أن رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون يكتب رسالة اعتذار إلى ولده قبل انتحاره باللغة التركية العثمانية هذا ويظهر أن المحادثات حتى في مجلس الوزراء كانت بالتركية وكذلك شخصيات وزعامات تركمانية بارزة أمثال رئيس الوزراء العراقي نوري سعيد باشا التركماني الأصل من قونيا عشيرة قرمان أوغلو التركمانية وكان وما يزال يتحدث التركمانية في بيته وكذلك الوزارة، غازي الداغستاني معاون رئيس أركان الجيش وعمر علي بيرقدار قائد الفرقة الرابعة والمعروف ببطل جنين الذي أذاق الإسرائيليين الأمرين في ملحمة جنين عام ١٩٤٨، جعفر العسكري وزير الدفاع ورئيس الوزراء، هذه أمثلة عن بعض رجالات الدولة التركمان في العهد الملكي إلى جانب شخصيات عربية وكردية ومسيحية وأرمنية وحتى يهودية عراقية وطنية ساهمت في حكم العراق وكانت الطبقة السياسية تمثل بحق فسيفساء المجتمع العراقي. هؤلاء هم التركمان وهذا جزء يسير من تأريخهم الممتد إلى قرون دون شائبة يذكرها التأريخ لهم، فكيف يمكن الاعتماد عليهم لهدم بلدهم؟ وكيف يمكن لهم تنفيذ أجندات خارجية أجنبية ضد بلدهم؟
أمّا ما يخص تداعيات هذا التهميش فيمكن النظر إليه من زاويتين مختلفتين أولاها من جانب المخططين لهذه السياسة فهي إيجابية بنظرهم لأنهم بإبعاد التركمان يتخلصون من عقبة من عقبات تنفيذ سياساتهم الهدامة.. أمّا من الزاوية المقابلة، أي من وجهة نظر التركمان أنفسهم، فبالتأكيد هذا التهميش سيكون له تأثيرات سلبية على الشعور التركماني بالانتماء للوطن (الهجين) الجديد، إذا صح التعبير مما يتسبب بالتقوقع على الذات وإضعاف روح الانسجام والتطبيع الاجتماعي، الناتج عن قرون من التعايش السلمي في الوطن الواحد مع مختلف الطوائف والشرائح للمجتمع العراقي، مع عناصر الدولة الجديدة. فبالتالي من أهم تداعيات هذا التهميش هو تفكيك المجتمع والشعب العراقي الواحد إلى شعيبات وطوائف مجزأة هزيلة.
الميثاق| ما هي الأوضاع الإنسانية للتركمان ومعاناتهم من حيث النزوح وإعمار مدنهم؟
سالار | هناك نوعين من النزوح الذي تعرضت له المناطق التركمانية:
أولاً- نزوح التركمان من مناطقهم، كما حدث في العقد الأخير من القرن الحالي وكإحدى تداعيات ظهور منظمة داعش الإرهابية الدولية، حيث تم تهجير التركمان الشيعة من تلك المناطق إلى مناطق الشيعة في جنوب العراق ومحاولة إذابتهم في بودقة الطائفية بهدف إضعاف الشعور القومي والوطني لديهم، ومن ثم وفي مرحلة متقدمة استخدام هذا التهجير المصطنع كذريعة للانتقام من التركمان السنّة في تلك المناطق. أي أصبح التهجير التركماني سلاحًا ذو حدّين استُخدِمَ ضدهم بحدّيه.
ثانياً-النزوح إلى المناطق التركمانية:
هذا النوع من النزوح كان الأخطر حيث عانى منه ولا يزال التركمان لعقود من الزمن في محاولة لتغيير ديموغرافية مناطقهم ومصادرة تراثهم الثريّ وتشويه التأريخ الحافل بإنجازاتهم وبطولاتهم ورموزهم التأريخية في المنطقة بهدف محوهم وإذابتهم في مجتمعات جديدة ومصطنعة تفتقر إلى أدنى درجات الانتماء الوطني والتحلي بالقيم والمبادئ التي عهدوها من آبائهم والأجداد. فهذا النوع من النزوح استهدف التركمان ومناطقهم تارةً بالتعريب وأخرى بالتكريد.
الميثاق| ما هي معوقات تأخر عودة أهالي تلعفر إلى مناطقهم وتأمين ممتلكاتهم؟
سالار | عدم وجود ضمانات حقيقية بعدم قتلهم وإبادتهم عن بكرة أبيهم على يد الميليشيات الطائفية، بدواعي الانتقام المصطنع والمخطط له مسبقًا كما أسلفنا، وغياب الخدمات عن مناطق السنة من التركمان تحديدًا بالدرجة الثانية من مسببات عرقلة العودة … باختصار.
الميثاق| كيف تقرأ ما يشهده العراق، هل هو انسداد سياسي أم انهيار سياسي؟
سالار | لا هذا ولا ذاك … فالانسداد السياسي مصطلح غريب ومستحدث ولا يُعَبر عن شدة الأزمة الحالية والانسداد غير عاصي عن الحل برأيي. أما الانهيار السياسي أيضاً لا يُعبّر عن الحالة العراقية الراهنة بدليل بقاء واستئناف ذات الطبقة السياسية وتشبثها بالحكم، فالانهيار يستوجب زوال جميع معالم الحكم والطبقة السياسية الحاكمة. لذلك أنا أفضل تسمية التخبط السياسي للطبقة السياسية وهي حالة ليست بالغريبة على هواة السياسة وممتهنيها لمجرد الكسب المادي والثراء الفاحش. فالحالة الراهنة نادرة جداً إن لم نقل معدومة المثال! فاستقالة أكبر كتلة فائزة من المؤسسة التشريعية والمتمثلة بأكثر من ٢٠٪ أي أكثر من خُمس مجموع الأعضاء دون انهيار أو إلغاء نتائج الانتخابات والذهاب إلى انتخابات جديدة، والاكتفاء بقبول استقالات النواب الجماعية في جلسة صورية بلَيّ قوانين ومواد الدستور واستبدالهم بآخرين، لهو قمة التخبط السياسي ودليل صارخ على شغف وتمسك الطبقة السياسية السافر بالسلطة من أجل التسلط ليس إلّا.
الميثاق| بتقديركم من يتحمل مسؤولية ما يمر به العراق من أزمات وانهيارات وانقسامات؟
سالار| ينبغي أن نكون موضوعيين ومنصفين وبعيدين عن المجاملات ابتغاءً للحقيقة والتشخيص الصحيحين في الرد على هكذا سؤال والذي رُبما يوحي ببيان توجه مضلل وغير حقيقي للوهلة الأولى وذلك لتعدد الأجوبة عليه وفق ما يراه كل فرد تحت تأثير الأيديولوجيات التي يعتنقها ولكني سأحاول أن أكون منصفاً، بتقديري الشخصي على الأقل، وأقول إلى جانب جشع الأنظمة السياسية الغربية، وعلى رأسها النظام الأمريكي المتفرد والمتسلّط على رقاب الشعوب في أنحاء المعمورة لاستغلال ثرواتها وتحقيق حلمها الكبير في إنشاء الحكومة العالمية الأحادية البعيدة المنال برأيي، والأطماع التأريخية لدول جوار بعينها، فالنظام السياسي الأحادي السابق والأسبق للعراق، والمتمثلين بالنظامين السياسيين البعثي ومن قبله القاسمي، يتحملان أيضاً مسؤولية ما يمر به العراق نتيجة سياساتهم الأحادية النباذة للتعددية. وبالرغم من أن هذا لا يمنع أن نعترف وبإنصاف أن النظام السياسي السابق كان أفضل بكثير من النظام السياسي الحالي من حيث إرساء أسس الدولة الحقيقية والحفاظ على هيبة وسيادة الدولة العراقية ولكن بنظام سياسي أحادي غير تعددي منبوذ وفق منظور الدول الديمقراطية التعددية البرلمانية الحديثة المواكبة للعصر والتطور الطبيعي للمجتمعات والأنظمة فيها وتعارض الرؤى السياسية التي أفضت إلى تقاطع المصالح والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
الميثاق| كيف تفسر إحجام ومقاطعة شعبية للانتخابات الماضية ولماذا؟ وما هي رسائلها للأحزاب الحاكمة؟
سالار| فشل الزمرة الحاكمة بتلبية متطلبات العيش الكريم وحفظ كرامة الفرد العراقي ناهيك عن سيادة الدولة وهيبتها وتحقيق ولو اليسير من الشعارات التي رفعتها قُبيل الانتخابات التي سبقتها وتفاقم الأزمات بعد كل دورة انتخابية وانغماس الطبقة السياسية في مستنقع الفساد بأنواعه وافتقار الأحزاب السياسية إلى رؤية سياسية تحمل في طياتها حلولاً ناجعة للأزمات المتراكمة واكتفائها بتنفيذ أجندات دولية أجنبية بعيدة عن الوطنية وتضليل الشعب بتجنيد وسائل وأدوات الديمقراطية الزائفة لتنفيذ وتحقيق تلك الأجندات والمصالح الشخصية الضيقة.
أما بخصوص رسائلها لتلك الأحزاب فبرأيي تتلخص برسالة واحدة هي أنها فضحت زيف ادعاءات تلك الأحزاب بالوطنية وخدمة المواطن العراقي وحكم الشعب عن طريق صناديق الاقتراع الزائفة وأنها لم تكن سوى أدوات لتنفيذ أجندات أجنبية غير عراقية، ولم يكن الإحجام سوى بمثابة أضعف الإيمان والصرخة المدوية البكماء بوجه الأحزاب والطبقة السياسية برمتها وفضح تبعيتها وزيفها وخداعها الشعب على مدى عقدين من الزمان.
الميثاق| هل أنت مع الرأي القائل إن مثلث الإرهاب بالعراق يتمثل بـ الحشد، وإيران، والـ PKK؟
سالار| أنا مع الرأي القائل بأن الإرهاب الدولي في المنطقة ذو أربعة أذرع وليس ثلاثة! فأنا أضيف ذراعاً رابعاً لا يقل خطورة عن بقية الأذرع، إن لم يكن أخطرهم، هو داعش إلى الأذرع الثلاثة الأخرى.
الميثاق| النظام السياسي الحالي هل يصلح أن يكون نظاما ديمقراطيا في العراق؟
سالار| يمكن للنظام السياسي أن يكون نظاماً ديمقراطياً تعددياً، فالنظام الاتحادي الديمقراطي اللامركزي يمكن أن يخدم العراق دولةً وشعباً، ولكن لا أمل في الطبقة السياسية الحاكمة الحالية في أن يكون بمقدورها تأسيس هكذا نظام ديمقراطي تعددي العراق والطائفية التي تتميز بها تعيق تأسيس هكذا نظام.
الميثاق| ما هي برأيكم مخارج الحل في العراق وأبرز معوقاتها بعد مقاطعة التيار الصدري للعملية السياسية؟
سالار| الديمقراطية الحقة هي الحل الأمثل ويكاد أن يكون المخرج الوحيد للمعضلة السياسية، التي عرَّفناها بالتخبط السياسي، والتي تبدأ بإلغاء الانتخابات وحل البرلمان لذاته لإجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية والتي ستتمخض عن إبعاد جزء من الطبقة السياسية الحاكمة، حيث لا يمكن إبعادها سوى على مراحل، يمكن أن يحقق حلاً جزئياً في البداية إلى أن تتخلص مِنْ هذه الطبقة بشكل تام وعلى مراحل.
والحل الآخر، والذي أراه صعب المنال بعض الشيء لأسباب عدة لا مجال للتطرق إليها الآن، يكمن في انتفاضة عارمة ترقى إلى ثورة تغيير جذري للعملية السياسية برمتها من أقصاها إلى أقصاها. ولست متيقنًا من وجود تنظيم يمكن له إدارة هكذا عمل عملاق.
أما والحال هذه فلا أعتقد بقدرة الطبقة السياسية الحالية بالاستمرار بمعزل عن التيار الصدري الأقوى جماهيريًا على المستوى الشيعي. وعليه لن تحظى العملية السياسية بالاستقرار ومن المتوقع أن تُفضي اإلى صراع شيعي -شيعي الذي ربما يؤدي إلى الانقسام المنشود من قبل بعض الأجندات الخارجية مسبقًا، والذي فشل الصراع الكردي -الكردي بتحقيقه.
الميثاق| أين تكمن مخاطر تغول أذرع إيران الميليشياوية على أمن واستقرار العراق؟
سالار| مخاطر
تغول أذرع إيران الميليشياوية تكمن في قدرتها على اختراق المؤسسة التشريعية والقضائية ومفاصل الدولة الحيوية، كالتربوية والاقتصادية والقوات المسلحة وغيرها من المفاصل الحيوية التي توحي بخطط بعيدة المدى لاحتواء العراق وابتلاعه بدافع أطماع فارسية تأريخية موغلة في القدم أبعد من أن تكون حتى مذهبية، كما يتوهم البعض، فلا أعتقد أن يكون شيعة العراق أنفسهم بمنأى عن أن يكونوا حطب النار التي ستلتهم العراق قبل غيرهم.