الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات حكومة بغداد بين الفساد المالي والاقتراض الخارجي


إياد العناز

كانت نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 نيسان 2003 ولا تزال إحدى الأزمات العميقة التي أثرت على بنية المجتمع العراقي ومستقبل الحياة فيه بعد أن أسس الى مرتكزات تتعلق بطبيعة إدارة الحكم مستندة الى العديد من الأحزاب والحركات السياسية التي انتعشت وتمددت بفعل تحالفها مع المحتل وقبولها بالدخول والمشاركة في العملية السياسية التي أتت بها الإدارة الأمريكية ووضعت لبناتها وفق مصالحها وأهدافها وتطلعاتها الاستراتيجية في العراق وذهبت الى امتيازات لسياسيين وشخصيات ارتمت في أحضان المخطط السياسي الأمريكي لتكون أدوات طيعة في تنفيذ هذا المخطط بما يحقق لها منافع مادية وطموحات شخصية وإثراء على حساب أبناء الشعب العراقي بعيدا عن الانتماء الحقيقي لتربة البلد وحقوق شعبه ومستقبل أجياله.

أصبحت العملية السياسية هي المتحكم الرئيسي في إدارة السلطة في بغداد ووضعت لها منهجها وطرق إدارتها وطبيعة سلوكها وتحالفاتها وأهدافها فجاءت مطابقة ومتوازية مع الطموح والمشروع الإيراني في العراق فكانت طهران أولى الأقطار التي اعترفت بمجلس الحكم الذي أسسه الأمريكان في 12 تموز 2003 وهو ثاني هيئة إدارية تشكلت في العراق حيث كانت سلطة الإتلاف الموحد برئاسة الحاكم الأمريكي بول بول بريمر أول الهيئات التي تولت شؤون البلاد بعد الاحتلال وجاء تأسيس مجلس الحكم بقرار من هذه السلطة المحتلة ومنح صلاحيات جزيئة في إدارة شؤون الحكم في بغداد، وطبيعة وأداء هذا المجلس كان متوافقا مع الرؤية الأمريكية في قيادة الأوضاع ومعالجة الأحداث التي تلت الاحتلال وجاءت الأهداف الأمريكية -الإيرانية لتشكل زاوية مهمة امتدت الى أن أصبحت جزءا من الحالة المجتمعية في حياة الشعب العراقي وأرست دعائم سياسة التخادم بين الطرفين في تحقيق أهدافهما ومصالحهما وسياستهما الاستراتيجية في العراق وكان لكل من واشنطن وطهران أهدافهما المعلنة فالولايات المتحدة الأمريكية تسعى الى جعل العراق واجهة وصورة تعكس سياستها وهيمنتها في منطقة الشرق الأوسط وترسل رسائل عديدة للعواصم العربية مع احتكامها لثروة وموارد البلاد المالية والنفطية باستخدام أسلوبها العسكري في الهيمنة والسيطرة وزيادة العنف وامتداد حالة الاعتقالات والقتل والاغتيال السياسي، في حين سعى النظام الإيراني الى التركيز على إيجاد قواعد اجتماعية وأدوات تخريبية وشخصيات وقيادات ميليشياوية لخرق المجتمع العراقي وتدعيم حالة الطائفية السياسية والدينية في النسيج المجتمعي المتماسك الذي اتصف به الشعب العراقي وعملت أجهزة النظام الإيراني الى توسيع حالة النفوذ والهيمنة والتسلط على القرار السياسي والتدخل بأدوات الحكم في بغداد بدعمها وإسنادها ورعايتها للعملية السياسية وتهيئة العديد من الأحزاب والكتل السياسية ودعم ممثليها للوصول الى الهيئات والمجالس النيابية التي شكلت بعد الاحتلال الأمريكي .

تمكنت طهران من الامتداد الواسع وإيجاد العديد من الوسائل والأدوات التي أوصلتها الى تأسيس الدولة العميقة في العراق وتمتعت بالعديد من الامتيازات والهيمنة على مقدرات البلاد وأمعنت في سياسة التهميش والتضليل والقتل والملاحقة الأمنية واعتقال الأبرياء وتنفيذ عمليات الاغتيال السياسي والثقافي والفكري لجمح كوادر ووجوه المجتمع العراقي الذين يرفضون التبعية والمشروع الإيراني.

أصبح الغزو الأمريكي للعراق عنوانا للفساد السياسي والاقتصادي بعد أن انطلقت عملية إعمار العراق وتخصيص المبالغ الكبيرة وبمليارات الدولارات وإيجاد قنوات وأساليب لسرقة ونهب ثروات العراق والموارد المالية لشعبه المجاهد حيث شهدت عملية إعادة الإعمار ظاهرة الفساد المالي التي وصلت الى مستوى سوء الإدارة وتبديد الأموال التي خصصت وسرقتها من قبل القائمين عليها من الأدوات والوكلاء المرتبطين بالمحتل الأمريكي وكان أول من شرع وأسس لقواعد الفساد وسرقة المال العام هو الحاكم الأمريكي بول بريمر الذي يتحمل مسؤولية ضياع (17) مليار دولار من أموال النفط العراقي خصص للمساعدة في إعادة إعمار العراق بعد الاحتلال الأمريكي وتم سرقتها والتصرف بها من قبل سلطة الاحتلال آنذاك دون أن تعلم الجهات المسؤولة عن هذه الأموال كيفية ضياعها أو استغلالها من بريمر المتهم بسرقة (8،800) مليار دولار، إذن كانت أولى بوادر الفساد المالي هو الغزو الأمريكي الذي جاء لاحتلال البلاد وسرقة موارد الشعب والهيمنة على ثرواته والسيطرة على أرضه والتحكم بمستقبل أجياله وزرع عوامل الفتنة والتفرقة الاجتماعية.

جاءت الدولة العميقة لتستكمل الدور التخريبي الأمريكي في عملية نهب وسرقة أموال العراق وهدر ثرواته والتلاعب بالمبالغ المخصصة للمشاريع العراقية عبر العديد من العقود المزورة والمكاتبات الكاذبة والمشاريع الوهمية التي كلفت العراق أكثر من (1000) مليار دولار طيلة ثمان سنوات امتدت من 2006-2014 وساهمت في زيادة العجز المالي للخزينة العراقية بواقع (130) مليار دولار وبقروض وصل عددها الى (21 ) قرضا ماليا من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وساهمت في تكبيل الاقتصاد العراقي بالعديد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وانعكست سلبيا على حياة المواطن بالعديد من القرارات التي طالت حياته المعاشية وفق المعايير والشروط التي وضعها البنك الدولي وصندوق النقد على العراق.

بتاريخ 18 حزيران 2020 يعلن مستشار رئيس الوزراء ( أن الحكومة الجديدة استلمت من حكومة عادل عبد المهدي السابقة خزينة خاوية ولا يوجد فيها سوى (300) مليون دولار، وهو دليل واضح عن صور الفساد المالي والاقتصادي الذي مر به العراق بعد الاحتلال الأمريكي وعمليات النهب والسرقة للمال العام وتهريب وتبيض الأموال لصالح العديد من الأحزاب والكتل السياسية التي تتمتع بحصانات وعلاقات مشبوهة يستطيع من خلال عناصرها التلاعب بمقدرات العراق الاقتصادية وتسخير ميزانية الدولة لمنافعهم الخاصة وسياستهم الحزبية الفئوية الضيقة بعيدا عن القانون والقضاء الذب أصبح لا يحاسب ولا يعاقب السراق والفاسدين بل لم تستطيع الحكومات التي تلت الاحتلال من أن تفعل قانون معاقبة الفاسدين والمفسدين وحتى القرار الوزاري المرقم 70 في 28 كانون الأول 2018 الذي بموجبه تم تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد لم يتم تفعيله وإصدار التوجيهات بتشخيص رؤوس الفساد وشركات النهب العام والمؤسسات المالية التي ترعى الفاسدين وبقي بدون إجراءات حتى جاء التصريح الأخير بخلو الميزانية من أي موارد مالية رغم أن العراق يشكل البلد الثاني في عملية تصدير النفط ولديه من العوائد المالية ما تعينه على التغلب على جميع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها الشعب العراقي بسبب انعدام الرؤية الاقتصادية الدقيقة وغياب الملامح لأي إجراءات تفاعلية للحد من عملية التضخم المالي والعجز في إيرادات الحكومة حتى جاء تصويت مجلس النواب العراقي يوم 24 حزيران 2020 على مشروع قانون الاقتراض الداخلي والخارجي لتمويل العجز المالي لعام 2020.

تبقى الإرادة الحقيقية في كيفية إيجاد الطرق والوسائل لمواجهة رؤوس الفساد وإحكام السيطرة عليهم كون هذه العناصر مرتبطة بشبكات مالية فاسدة ترعاها وتدافع عنها شخصيات حزبية وقيادية لديها سطوتها ونفوذها على المجتمع العراقي.

مقالات متعلقة